تواجه شركات السيارات الأوروبية ما واجهته الشركات الأميركية من مشكلات، ولابد عليها ان أرادت ان تحافظ على قدرتها التنافسية، ان تخفض التكلفة في الداخل وتحافظ على استثمارات منخفضة التكلفة في الخارج.

وقد كانت شركات فولكس فاغن رمز الاقتصاد الصناعي لألمانيا، كما هي الحال بالنسبة لشركة جنرال موتورز الأميركية، رمز الصناعة هناك. وأعلنت جنرال موتورز تخفيضات كبيرة في الوظائف في الفترة الماضية.

وجاء الدور على فولكس فاغن خلال الشهر الجاري فأعلنت تسريح 20 ألف من قوة العمل الألمانية من أصل 103 آلاف عامل، وطالبت الباقين بساعات عمل أطول بدون رفع في الأجور، وأدى ذلك إلى ارتفاع أسهم الشركة بنسبة 15%.

وتتبع شركات السيارات الأوروبية الأخرى مثل رينو وفيات وبيجو وسيتروين الاتجاه نفسه، ويشعر السياسيون والنقابيون بالقلق، لكن فولكس فاغن حاولت تخفيف وقع الصدمة بالقول إن كل فقدان الوظائف فيها هو نزيف طبيعي.

والسؤال المطروح هو اذا كانت شركات السيارات سوف تظل توفر الوظائف في البلاد التي تقع في أوروبا في ظل الفارق في تكلفة العمالة بين فرنسا وألمانيا مثلا ورومانيا وسلوفاكيا والتشيك، ناهيك عن الصين.

وتمثل صناعة السيارات ومكوناتها 8 ,1 مليون وظيفة في ألمانيا وتقول رابطة صناعة السيارات ان وظيفة من كل سبع وظائف هناك لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بصناعة السيارات، ويفسر ذلك ضرورة حذر فولكس فاغن في ألمانيا، وتطرح الشركة على عمالها من خلال نقابتهم أرقاماً مثل ان العمالة في مصانعها الستة في غرب ألمانيا تصل تكلفتها إلى أربعة أضعاف نظيرتها في البرتغال.

وقد يعكس تركيز فولكس فاغن على البرتغال حساسية سياسية في ألمانيا من حيث أن مستويات المعيشة تتأثر بالمنافسة من الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي لا تذكر فيه تكلفة العمالة في مصانعها في وسط أوروبا والصين. لكن اذا اختارت فولكس فاغن إعلان هذه الأرقام ستكون المقارنة أسوأ.

عمال السيارات في التشيك مثلاً يحصلون على 2 ,5 يورو «2 ,6 دولارات» في الساعة فيما التكلفة المناظرة في الصين 1 ,1 يورو في الساعة، أي أقل من غرب ألمانيا خمسين مرة، وأصبحت الصين في العام الماضي تصدر السيارات فقط «لا تستوردها» لأول مرة.

فلا عجب من ان فولكس فاغن كشركة عالمية تضع ثقلها بالاستثمار في الصين «حيث لها مصنعان هناك» وروسيا، حيث تبنى مصنعاً جديداً في موسكو.

وأدت الضغوط السياسية إلى أن تفتح فولكس فاغن مصنعاً جديداً في ولفسبورغ، بدلا من البرتغال، لكن هذه قد تكون المرة الأخيرة.

مشكلات فولكس

المشكلات التي تواجه فولكس فاغن بصفة خاصة صعبة لأن مصانعها في أوروبا لديها طاقة إنتاجية فائضة بنسبة 20% مقابل 16% لرينو ـ نيسان و 3% فقط لـ «بي إم دبليو». لكن هناك تخفيضات في العمالة أيضا في مصانع أخرى.

وأعلنت ديلمر كرايزلر مؤخراً خفضاً في الوظائف الإدارية بنسبة 20% وتنوي تخفيض 8500 وظيفة في مرسيدس ألمانيا بحلول سبتمبر المقبل. لكن ديلمر كرايزلر وعدت أن تكون التخفيضات حتى 2012 في شكل نزيف طبيعي فقط.

دول أخرى

شركات السيارات في فرنسا وايطاليا، التي تناظر فولكس فاغن في ألمانيا، وجنرال موتورز في أميركا. تواجه أيضاً مشكلات. فقد تقدم كارلوس غصن رئيس رينو ثاني أكبر الشركات الفرنسية بخطة رباعية السنين لخفض العمالة وكان غصن قد أصبح نجما في صناعة السيارات منذ إنقاذه شركة نيسان اليابانية التي تملك رينو نسبة من الأسهم فيها. فحول غصن خسائر نيسان إلى أرباح وتخلص من ديون قيمتها 23 مليار دولار خلال سنوات قلائل.

ويأمل المتفائلون ان يستغرق غصن بضعة أشهر لتخليص رينو من مشكلاتها الأصغر. لكنهم لا يأخذون في الاعتبار عجائب السياسة الفرنسية، التي ترى سلوك فولكس فاغن على أنه تطرف لا يمكن تصوره. فقد يثير تسرع العمالة لتحقيق الربح تظاهرات عارمة واضطرابات اجتماعية إذا كانت في فرنسا.

ويقول غصن انه لا يسرح العمالة لأنه غير مضطر إلى ذلك. ويقول آخرون انه لا يستطيع تسريح العمالة لأن يديه مغلولتان. والحكومة الفرنسية تملك 15% من أسهم الشركة.

ومن جانب آخر قام اتحاد العمال الذي يسيطر عليه الحزب الشيوعي بتظاهرة، ضمت ألفاً من عمال رينو في استعراض للعضلات يوم إعلان سياسة غصن الجديدة، ولذلك ينوي غصن إطلاق 26 موديلاً جديداً في الأعوام الأربعة المقبلة في ظل استبعاد فكرة تسريح العمالة.

حتى يحقق أرباحاً من سوق السيارات الفاخرة المربحة، لكنه قد يحاول تخفيض العمالة أيضا، والمرشح الأول هو مصنع ساندوفيل الذي يعمل بطاقة 40% من إجمالي طاقته الإنتاجية.

الوضع في إيطاليا

الإجراءات المشددة أيضا لا تلغي شعبية في إيطاليا، وتشتهر فيات الإيطالية بتاريخ حافل بالتظاهرات. لكن سيرجيو ماركوني رئيس فيات استطاع تخفيض 15% من العمالة بدون مشاكل منذ مايو 2004، فقط لأن مصير الشركة كان على المحك. وحتى في ذاك الوقت جمد وظائف العمال الذين كانوا على وشك التقاعد واتبع خطة حكومية للتسريح المؤقت. لكن ماركوني يحتمل ان يعود للمحاولة عقب انتخابات التاسع من ابريل.

ويتوقع بعض المتشائمين ان تنقرض صناعة السيارات الأوروبية خلال 15 عاما، وقد تصبح بي ام دبليوم في ليبزغ، التي فتحت في العام الماضي، أكبر مصانع التجميع في أوروبا الغربية، كما يقول احد الخبراء في أبحاث السيارات والحكومة تدعم بي.أم دبليو بصفة عامة.

لكن شركات أوروبا للسيارات في حاجة للاستثمار في وسط أوروبا، وتنتج بيجو 300 ألف سيارة في التشيك في مشروع مشترك مع تويوتا، فتحت مصنعاً في سلوفاكيا، كما فعلت فولكس فاغن وفورد وهيونداي وتحقق رينو نتائج طيبة من مصانع داشيا في رومانيا وتنتج فيات سيارات باندا في بولندا.

..وفي أميركا

لكن هناك بعض المؤشرات الحميدة في أميركا رغم أن الشركات تعاني ارتفاع التكلفة وقوة النقابات العمالية وتضاؤل نصيبها في السوق وتدفع مصانع السيارات في الجنوب الأميركي 25 دولاراً في الساعة للعمال، وهذا أجر مرتفع، ومع ذلك تحقق نتائج طيبة بسبب القرب من السوق .

ومرونة وسرعة تلبية طلبات الشراء وإنتاج السيارات الممتازة. وقد تتيح الحاجة إلى تقنيات لتوفير الطاقة ومواد خفيفة لشركات السيارات الأوروبية ان تصل إلى السوق عن طريق المستقبل، وبالطبع يأمل المديرون والعمال المتحاربون في فولكس فاغن أن يحدث ذلك.

ترجمة: أشرف رفيق