يعيش قطاع إخراج الصحف العالمية تحولات جذرية من نظام الصحف التقليدية العريضة إلى شكل التابلويد الشعبي صغير الحجم إلا أن هذا التغيير لم يقتصر فقط على تغيير الحجم.
إذ يرى مارك ساندس مدير التسويق في صحيفة الغارديان البريطانية أنه بالرغم من أن المعايير الصحافية تحتل مقدمة الأولويات في عالم الصحافة، إلا أنه لا يجب أن نغفل الاهتمام بتحليل العوامل التجارية التي تخضع للتكلفة, إذ سارت صحيفة الغارديان في هذا الاتجاه بالتحول من الحجم التقليدي العريض للصحيفة إلى المقاس الأصغر حجماً المسمى »برلينير«.
وتطرق مارك ساندس الذي ترأس أمس ورشة عمل ضمن اليوم الأول لفعاليات مؤتمر النشر إلى شرح تفصيلي لفوائد ومضار تغيير حجم الصحف خاصة في صحف منطقة الشرق الأوسط.
وعلق على الوضع في منطقة الشرق الأوسط بالقول: »لا يزال الحجم العريض للصحف مسيطرا على أسواق الصحف في المنطقة، إلا أنني أثق بتحولها إلى المقاس الأصغر حجماً حينما يبدأ هذا الاتجاه في الانتشار عالمياً.
فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية القراء يفضلون المقاس الأصغر لأنها أكثر سهولة لحملها من قبل المسافرين في القطار أو في حافلة عن الصحف العريضة، ليس هذا فحسب بل إنه في عطلات نهاية الأسبوع والتي لا يكثر بها السفر تزداد مكاسب التوزيع«.
وقال: »أؤكد بأن من يهتمون بالصحف العريضة هم فقط الشريحة العمرية التي تتراوح ما بين 55 إلى 65 عاما أو أكثر قليلا، لكن الأمر يختلف مع الأجيال الأصغر والذين يميلون إلى قراءة الأخبار في محتوى بسيط وحجم سهل الطي والحمل، لم تعد هذه ظاهرة بريطانية فقط بل حتما سيصل هذا الاتجاه إلى منطقة الشرق الأوسط«.
وأوضح أن هذا التحول له مبرراته وظروفه فبالرغم من أن الصحف العريضة يتم تصنيفها على أنها صحف ممتازة وعالية الجودة، إلا أن التحول لصحف التابلويد الأصغر حجما في بريطانياً جاء أولاً بسبب النظام الضريبي المعقد.
فقد جعل التشريع الضريبي في بريطانيا من الصحف العريضة الأسلوب الأكثر فعالية سعرياً بحيث تحولت إلى المعيار الرئيسي لغاية وصول الصحف الشعبية التابلويد في بدايات القرن العشرين.
يذكر هنا أن اسم الصحيفة الشعبية التابلويد اشتق من التعبير »لوحي« أو »تابلت« حيث تكون الأخبار كما لو كانت وجبة سهلة الهضم وبالرمز إلى المثل القائل »ما قل ودل«.
ومع مرور الوقت كانت صيغة الصحيفة الشعبية التابلويد تعني الصحافة الصفراء التي تعتمد على الإثارة لاجتذاب القراء في حين ارتبطت الصحف العريضة بمفهوم الصحافة المحترمة والمتوازنة بحيث صاغ كل من الأسلوبين طرحاً مختلفاً من حيث الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية.
ومما ساعد على ترسيخ هذا المفهوم ما قامت به الصحف العريضة التي تحولت إلى حجم التابلويد بل قامت في الكثير من الأحيان بتخفيض معايير محتواها التحريري لتتمكن من المنافسة مع صحف التابلويد بمفهومه التقليدي.
ولكن ذلك تغير للأبد بعد تحول صحيفة »الأندبندينت« البريطانية إلى حجم التابلويد لتسير على درب جريدة التايمز اللندنية نفسه والتي تعد بمثابة السيدة العجوز للمؤسسة الإعلامية البريطانية.
لقد نتج عن هذه القفزة الرهيبة، ارتفاع هائل في مبيعات صحيفة »الأندبندينت« بشكل أبطل التقليد الصحافي المعروف بأن الصحف العريضة هي المتحدث الرسمي باسم الصحافة الجيدة.
وأضاف: »لم تسر الغارديان على درب منافستيها الاثنتين اللتين سبقاها، فلم تتعجل بقرار تحولها إلى الصحيفة الشعبية التابلويد ولم تنفعل مع ضغوط التوزيع، بل أخذت قرارا مدروسا بعد استفتاء شامل مع القراء والمعلنين وبعد تحليل النتائج الخاصة بالاستفتاء جاء قرارها النهائي«.
وشرح أن النتيجة كانت اعتماد الغارديان صيغة »برلينير« Berliner التي كانت منتشرة على نحو كبير في أوروبا إلا أنها لم تكن مألوفة في بريطانيا، وهو مقاس أكبر من التابلويد قليلاً وأصغر من الورقة العريضة قليلاً.
وما يمتاز به أنه يقدم للقارئ الراحة البصرية والسهولة المتوفرة لدى أخبار الصحيفة الشعبية التابلويد ولكنه يحتفظ بمرونة أكبر في تخطيط وتقديم الصفحة.
وتابع ساندس قائلاً: »أنتظر هذا اليوم الذي تتغير فيه كل الصحف لمقاس التابلويد لأنني لا أريد أن أخسر كل جهدي في الدفاع عن هذا الاتجاه، مع التأكيد على أن هذا التغير في المقاس لن يضر بالمعايير الصحافية بأي حال من الأحوال«.
وأكد أن الصفحة الأولى للصحيفة ستبقى حاملة العديد من القصص الصغيرة المختصرة عن الأخبار دون وجود عنوان بارز وحيد أما الصفحات الداخلية ستكون مخصصة للتقديم الأفضل والمفصل من حيث المحتوى والطباعة.
وقال: »عندما تغير الغارديان مقاس الصحيفة فإنها تستثمر قرابة 80 مليون درهم في شراء آلات طباعة جديدة، لكن هذا يعد بمثابة استثمار طويل الأجل يمتد لفترة 12 ـــ 18 عاماً, ومما لا شك فيه أن الغارديان قطفت ثمار هذا التغيير حينما تم التغيير وبدأ التوزيع يزداد إلى نحو 30 أو 35 ألف عدد في اليوم الواحد.
