يتحسر الكثيرون خلال هذه الأيام على غياب صناع السوق في الأسواق المالية العربية وهم يشاهدون حجم الخسائر التي تتعرض لها معظم الأسواق الخليجية والعربية نتيجة تراجع حجم الطلب وتراجع حجم السيولة وتراجع مستوى الثقة نتيجة الخوف والهلع الذي يسيطر على المتعاملين والمضاربين في هذه الأسواق.
وخلال صيف العام الماضي أشرت في أكثر من مناسبة إلى أهمية وجود صناع للأسواق المالية العربية عندما كانت أسعار الأسهم ترتفع بنسبة كبيرة اعتمادا على الاشاعات بدون مبررات منطقية.
بحيث اصبحت أسعار اسهم العديد من الشركات لا تتناسب ومستوى أدائها أو القيمة الحقيقية لأصولها والمعلوم ان صانعي الأسواق المالية يلعبون دورا بالغ الأهمية في جميع أسواق الأوراق المالية العالمية.
والبعض لا يتصور امكان الاستغناء عنهم دونما التسبب في تعطيل حركة التداول وتهميش آليات السوق وانخفاض كفاءته فلا يمكن في وجود صناع للسوق أن تتدفق عروض بيع دون ان يقابلها طلبات شراء أو وجود طلبات شراء دون ان يقابلها على الجانب الآخر طلبات بيع .
وبالتالي تحتفظ الأسواق دائما بحالة من التوازن بين العرض والطلب وتضييق الفرق بين سعري البيع والشراء ويتحقق بهذه الأسواق أهم وظائفها وهي القدرة على تسييل الأوراق المالية بسرعة وسهولة وايجاد توازن مستمر بين العرض والطلب مما يحد من تقلبات الأسعار صعودا.
أو هبوطا ويؤدي إلى استقرارها واقترابها من الثمن العادل فضلا عن ضمانة استمرارية السوق في القيام بواجباته وتحقيق أهدافه وحسب معلوماتي فإن عدد المتخصصين في بورصة نيويورك يتجاوز (350) والشخص المتخصص هو الذي يجمع بين وظيفة المتعامل والوسيط فحينما يبيع .
ويشتري لحسابه فهو يقوم بعمل المتاجر او المتعامل ويحقق بذلك هامشا من الربح المحقق من الفرق بين الشراء والبيع بينما يتقاضى عمولة من عمليات البيع والشراء للجمهور.
أو من عملائه وعادة ما يقتصر عمل هذا المتخصص على عدد قليل من الأوراق المالية أو الأسهم وفي الأوقات التي ينشط فيها السوق فإنه يتعامل مع ورقة واحدة وبسبب التخصص يصبح صانع السوق ملما بكل ما يتعلق بالورقة المالية أو أسهم الشركة التي يعمل صانعاً لها من حيث تاريخها المالي وكفاءة ادارتها .
وربحيتها وسلامة مركزها المالي والتصورات المستقبلية لادائها وربحيتها وبالتالي يتدخل صانع السوق عندما يجد عروض بيع على أسهم الشركة بشكل مبالغ به ودون مبرر منطقي فيتدخل في هذه الحالة كمشتر .
والعكس صحيح يتدخل صانع السوق بالبيع عندما تتوفر طلبات شراء بكميات كبيرة من أسهم الشركات دون وجود مبررات منطقية لهذا الطلب وصانع السوق يعلن يوميا عن أسعار البيع والشراء للورقة المالية وفي بعض الأسواق يحدد الكميات التي يكون مستعداً لشرائها وبيعها وبالأسعار المعلنة.
ويفترض بالاستثمار المؤسسي في الأسواق المالية العربية والذي يتكون من المحافظ الاستثمارية الجماعية (صناديق الاستثمار المشتركة) وصناديق التقاعد والمعاشات اضافة إلى محافظ البنوك ومحافظ شركات التأمين .
وغيرها من الشركات المساهمة العامة أن يلعب دورا مشابها لدور صانع السوق من خلال الحفاظ على استقرار الأسواق المالية العربية من حيث شراء اسهم الشركات المساهمة العامة المدرجة عندما تنخفض الأسعار دون قيمتها العادلة وبيع الأسهم عندما ترتفع فوق قيمتها العادلة إضافة إلى أهميتها في تعزيز أداء الأسواق المالية .
وارتفاع مستوى نشاطها في ظل وجود متخصصين محترفين يشرفون على إدارة هذه الصناديق والمحافظ الاستثمارية وامتلاكها سيولة عالية وحجماً كبيراً من الأسهم المتداولة الا اننا بصورة عامة لاحظنا محدودية الدور الذي لعبه الاستثمار المؤسسي خلال فترة تصاعد حدة المضاربات التي تعرضت لها الأسواق المالية العربية خلال العام الماضي.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها محدودية حجم الاستثمار المؤسسي مقابل حجم أموال المضاربين بمختلف شرائحهم وحيث وصلت قيمة أموال المضاربين بعد الاتساع الكبير في قاعدتهم الى اضعاف حجم الاستثمار المؤسسي .
اضافة إلى أن العديد من مدراء المحافظ الاستثمارية للبنوك وشركات التأمين وصناديق الاستثمار تحولوا الى مضاربين يسيرون خلف القطيع سواء بالبيع أو الشراء بهدف تحقيق أعلى مستوى من الأرباح بغض النظر عن الأسعار العادلة لأسهم الشركات المدرجة والمتداولة .
اضافة إلى تجاهل مكررات الربحية والتي تجاوزت الحدود المقبولة في الأعراف الاستثمارية وبالتالي انضم مدراء هذه المحافظ إلى شريحة المضاربين في تجاهل المؤشرات المالية للشركات وتجاهل القيمة الحقيقية لأصولها وبالمقابل نلاحظ أيضاً محدودية.
أو تراجع دورهم خلال هذه الفترة التي تشهد فيها الأسواق العربية تصحيحات قاسية أدت إلى انخفاض أسعار أسهم العديد من الشركات دون قيمتها العادلة، والاسبوع الماضي شهد انتكاسة وتصحيحاً مؤلماً في سوق الأسهم السعودي والذي كان يغرد خارج السرب لفترة زمنية طويلة.
وحيث خسر مؤشر السوق ما نسبته 10.37% وهي أكبر خسارة اسبوعية يتعرض لها مؤشر السوق السعودي وقيمة الخسائر بلغت (314) مليار ريال خلال ستة أيام بينما خسر مؤشر سوق قطر ما نسبته 6.58% ومؤشر سوق الأردن ما نسبته 7.17% وبلغت خسائر مؤشر أسواق الإمارات خلال هذا العام ما نسبته 12.5%.
والملاحظ ان حجم التصحيحات في الأسواق الخليجية والعربية خلال هذا العام يتناسب طردياً مع حجم الارتفاعات السعرية في هذه الأسواق خلال العام الماضي، والسؤال المطروح حالياً، ما هي أسباب غياب صناع الأسواق في أسواق الأوراق المالية العربية الثانوية؟
بالرغم من تطور هذه الأسواق من حيث عدد الشركات المدرجة وحجم التداول وتنوع الأدوات الاستثمارية في بعض هذه الأسواق واتساع قاعدة المستثمرين والمتعاملين وتطور التشريعات والأنظمة والتعليمات التي تساهم في توفر حماية مصالح جميع الفرقاء في عمليات التاول بحيث يكون الهدف من وظيفة صانع السوق إضفاء المزيد من السيولة على الأسواق الثانوية.
وخاصة في أوقات عدم توافر أوامر شراء وبيع متطابقة أو حين يغيب الاهتمام بالشراء أو البيع وبالتالي تكون مهمة صانعي الأسواق الاستعداد دوماً لشراء أو بيع أي ورقة مالية كل منهم حسب ما تم تخصيصه له من تلك الأوراق.
إضافة الى عملهم على الاستقرار النسبي لاتجاهات الأسعار وحيث يعتمدون على الأبحاث والدراسات والمعلومات الضرورية التي تمكنهم من التسعير العادل للأوراق المالية التي تم تداولها.
وبالتالي عدم سيرهم خلف المضاربين أو شراء أسهم الشركات بأسعار مصطنعة، وإضافة صناع للأسواق المالية العربية هي إضافة نوعية بدلاً من الإضافات الكمية وحيث نسمع يومياً عن ترخيص وسطاء جدد بالعمولة بحيث أصبح عددهم يشكل عبئاً على المتعاملين .
وعلى الأسواق المالية والأسواق المالية العربية أحوج ما تكون خلال هذه الفترة إلى صناع السوق في ظل تراجع سيولة الأسواق والتقلب الشديد في مؤشراتها نتيجة حالة التخوف والترقب وانتشار الإشاعات وتعرض صغار المستثمرين لخسائر جسيمة.
والسؤال المطروح والذي سنجيب عنهفي مقال لاحق ما هي المتطلبات والشروط والآليات اللازمة لنجاح صناع السوق في الأسواق المالية العربية؟.. وللحديث بقية.