ضاقت قاعة مسرح «أرينا» في مدينة جميرا الليلة قبل الماضية، فهي على رحابتها، لم تتسع لصوت كريس دي بيرغ ونغمات غيتاره وتقاسيم البيانو. كان الأمر من دون مبالغة، يحتاج إلى فضاء أوسع مديً، لتصل عبره الصرخات الحنونة إلى آذان العالم، نداءات مفعمة بالإنسانية، رافضة للحرب التي تختطف الأبناء من أمهاتهم ليحترقوا في أتونها.
كان الناس الذين توافدوا إلى «مينا السلام» مساء الخميس الماضي على موعد مع أمسية من القلب إلى القلب، كانوا من كل الأعمار ومن جنسيات متنوعة. انصهروا جميعاً في حضرة المغني القادم إلى دبي للمرة الثانية، معلناً دهشته من هذه المدينة التي زارها قبل 12 عاماً.
خاطب آلاف الحاضرين قائلاً: «كنت في نيوزيلندا وأستراليا قبل مجيئي إليكم، أنتم هنا أجمل بكثير». وتابع بابتسامة: «حين رأيت ناطحات السحاب والأبراج الأنيقة في دبي، تمنيت لو أنني أتوقف عن الغناء وأعمل في حقل المقاولات».
ولم ينسَ دي بيرغ توجيه التحية إلى القادمين من خارج الإمارات لحضور حفلته، وخصّ بذلك الأصدقاء الإيرانيين واللبنانيين الذين وصف مدينتهم بيروت بالساحرة. في القاعة الفسيحة ذات الهندسة البديعة، خيّم الظلام لفترة، قبل أن يشتعل فضاء المسرح بإضاءات خافتة صمّمت بذكاء لأجواء الأمسية وصاحبها.
بينما صعد إلى الخشبة كريس دي بيرغ، محيياً المحتشدين الجالسين منهم والواقفين. ثم امتشق غيتاره ليبدأ السير في «طريق الحرية» وهو الألبوم الذي طغى بأجوائه الإنسانية على معظم برنامج الأمسية. «طوال عمري أزرع هذه الأرض، لكن زرعي يحصد في «طريق الحرية»، فهل ستعيد هذه الحرية ابني؟».
هكذا استهل أغنيته Road of Freedom أي (طريق الحرية)، منشداً: «الريح تعصف بباب بيتي، والصيف شارف على الرحيل، وبدأت تباشير الشتاء، أنا رجل مسن وعظامي منهكة، وولدي الذي كل ما أملك، ذهب إلى الحرب من أجل الحرية. طوال حياتي عشقت هذه الأرض، لكن هل هذه الحرية ستزيل الأسى من قلبي، وتعيد إليّ ولدي مرة أخرى.
الجنود يبحرون بعيداً، والبحر يلتهمهم في أعماقه اللا متناهية». أغنية هي صرخة أم في وجه مخططي الحروب، كانت معبّرة في إطلاقها من «مينا السلام» في بلد يحتضن العالم ويحرص على التسامح والتآلف بين كل المقيمين في ربوعه.
بين الأغنية والأغنية، كان كريس دي بيرغ وصديقاه الوحيدان على الخشبة الغيتار والبيانو يملأون فضاء القاعة نغماً ونشيداً، وبصوته الرخيم الذي لم تزده السنون إلا عذوبة ورقة، راح المغني يلوّن طبقات صوته، في تصاعد وهبوط مذهلين وبالقوة ذاتها.
كان دي بيرغ شجاعاً، حين واجه هذا الجمهور الحاشد بصوته وآلتين فقط، في زمن الأوركسترا والكورال وآلات الإيقاع التي تقود معظم الحفلات الموسيقية في زمننا الحالي. وكان شجاعاً أيضاً، حين غنى من دون استراحة لأكثر من ساعتين، صوته لم يكن طبيعياً، يمكن وصفه بغير العادي، ومن الطبيعي أن يكون كذلك، وهو الحريص على لياقته الروحية والجسدية.
وكان جريئاً أيضاً، بقفشاته التي كانت تمر بين الأغنيات، وفي نزوله إلى الجمهور وهو يغني، بينما كانت كاميرات الهواتف النقالة ترسل أضواءها مع الولاعات المرتفعة بين أيدي الشبّان والصبايا. ومن أغنية على البيانو إلى أغنية على الغيتار، كانت إضاءة المسرح تتغيّر ألوانها بين الأزرق والأصفر والأحمر والأبيض باعثة مزيداً من الرومانسية على أجواء الأغنيات.
وتحدث دي بيرغ عن ابنته روزانا دافيسون ملكة جمال ايرلندا التي انتخبت ملكة جمال العالم للعام 2003، في أغنية تنضح بالإنسانية، وتتناول قلق الآباء حين يخرج الأولاد من كنف العائلة. ولم يكن الهاجس الإنساني في غنائه محصوراً في الحرب والعائلة، بل حضر أيضاً في دعوته لوحدة الأديان والتسامح فيما بينها، إذ يقول: «لماذا نتقاتل، وربنا واحد؟».
وانتقل المغني من أغنية إلى أخرى، بينما الحماس والتفاعل، يتصاعد مع كل آه وصرخة تصدحان من حنجرته الذهبية، وصمتت القاعة حين انطلقت موسيقى أغنية (العصفور) songbird التي تتحدث عن طفلة سمعها كريس دي بيرغ وهي تؤدي عبر المذياع أغنية «حقول الذهب» (fields of gold) للمغني ستينغ، يقول: «سمعت صوتها الساحر ولم يكن أمامي سوى الاستسلام ، كانت تطير فوق قوس قزح باتجاه الجنة».
وبعد فراغه من أغنية lady in red (المرأة ذات الرداء الأحمر)، التي تحضر في كل حفلاته، وتعتبر من أجمل ما غنى، قدّم دي بيرغ أغنية five past dreams، وهي تحمل الأحاسيس ذاتها لأغنية lady in red، من حيث تعبيرها عن مشاعر الشيخوخة في مواجهة الشباب.
كان دي بيرغ في أمسيته الإماراتية جريئاً أيضاً، حين طلب من الحضور أن يكمل الغناء قائلاً: «لم ننته بعد، نريد أن نغني المزيد معاً، واستجاب له الجمهور بالتصفيق الحار، ليتواصل الغناء مع أغنيات أحبها، حيث غنى it's the hard day وhey jud لفريق «البيتلز» لينتقل بعدها إلى pretty woman وamerican.
وقبل أن يغادر المسرح خاطب كريس دي بيرغ الجمهور قائلاً: «سألقاكم حتماً قريباً».
اسماعيل حيدر
