قال تقرير صحافي لمجلة »بيزنس ويك« إن صفقتي موانئ دبي العالمية و»بي آند أو« البريطانية ودونكاستر اللتين أثارتا عاصفة سياسية في الكونغرس الأميركي وتصدرتا الصحف العالمية على جانبي المحيط الأطلسي هما حلقة في سلسلة أكبر من قصة الطفرة البترولية الثانية في الشرق الأوسط والخليج، وطموح الدول الخليجية، وعلى رأسها دبي في التوسع والاستثمار الخارجي.

وقال تقرير موسع لمجلة »بيزنس ويك« إن أكبر مثال على ذلك هو طموح دبي الذي لا يتوقف عند حد، وأشار إلى المشاريع الطموحة التي تطورها دبي مثل برج دبي. فإذا لم يكن برج دبي هو الأكبر والأعلى في العالم، فهو لا يستحق أن يكون في دبي هناك آلاف من العاملين غالبيتهم من آسيا يعملون في بناء مشروع برج دبي على مساحة 500 فدان في وسط المدينة الصغيرة مساحة التي لا حدود لطموحاتها.

وتقوم شركة إعمار العقارية صاحبة المشروع بإنشاء حي جديد بتكلفة 20 مليار دولار، ويضم 30 ألف مسكن وفندق من تصميم جورجيو آرماني وحلقة جليدية وبحيرة اصطناعية على مساحة 30 فداناً وأهم ما في المشروع الذي تشارك فيه بضع شركات أميركية، هو برج دبي الذي يتكلف مليار دولار وصممته سكيدمور أونيجز ميريل الأميركية أيضاً ويقوم بالبناء شركة تيرز للإنشاءات.

ونقلت المجلة عن محمد علي العبار رئيس شركة إعمار أنهم ينتهون من طابق كل أسبوع. ولا يزال الارتفاع الحقيقي للمشروع سراً لكن العبار أكد أنه سيرتفع بنسبة 4.5% على أي بناية في العالم وسيزيد ارتفاعه على 2500 قدم.

أعلى بناية في العالم؟ في دبي؟ المدينة التي تصدرت عناوين الصحف الأميركية بسبب شراء موانئ دبي العالمية لشركة بي آند أو البريطانية التي تدير ست موانئ في أميركا، وشركة دونكاستر التي تدير مصانع في أميركا لإنتاج آلات قياس الدقة للصناعات العسكرية.

واستطرد التقرير يقول إن طفرة الشرق الأوسط البترولية الثانية تميزت بمشروعات طموحة تحول ساحل الخليج العربي إلى زانادو »مدينة خيالية« وأكثر المشروعات جرأة وحجماً وتكلفة في تاريخها. إن ارتفاع أسعار البترول وعائداته ولّد ثروات طائلة في خزائن الخليج الحكومية والخاصة ويغير شكل الأعمال والمجتمعات هناك.

إن قصة أموال البترول الخليجية لا تقتصر على بلد أو مدينة، لأن عائدات البترول المتوقعة للعام الجاري بناء على أسعار تتراوح بين 55 و65 دولاراً للبرميل، تصل إلى نصف تريليون دولار وهو أكبر رقم في تاريخ دول الأوبك المنتجة للبترول منذ السبعينات والثمانينات. وستحصل دول الشرق الأوسط وحدها على 320 مليار دولار من صادرات البترول والغاز.

وكيف تذهب هذه الأموال؟ وكيف تؤثر في الاقتصاد العالمي؟ وكيف سيكون أثرها على علاقات أميركا مع المنطقة؟ طرحت »بزنس ويك« هذه الأسئلة ثم قالت إن طفرة البترول السابقة من 1973 حتى 1985 كان لها آثار عميقة. فقد أدى ارتفاع أسعار البترول إلى خليط من ارتفاع معدل التضخم وبطء النمو الاقتصاد عالمياً.

ولم تكن الدول العربية مستعدة لهذه الثروة فأنفقت الكثير منها في سندات أميركية وبضعة بنوك عالمية. وأقرضت البنوك بدورها هذه الأموال لدول في أميركا اللاتينية، التي لم تستطع السداد في النهاية، وأدى ذلك إلى أزمة ديون صدمت النظام المالي العالمي.

غير أن تدفق أموال البترودولار هذه المرة له أثر مختلف، حيث تنفق الدول المصدرة للبترول بشكل أكبر على استثمارات داخلية وفي قنوات استهلاكية، مما يساهم في رفع الطلب العالمي على السلع والخامات ويوازن تأثير عائدات الصادرات البترولية.

لكن أموال الشرق الأوسط تتجه جزئياً أيضاً للاستثمار الخارجي، وتذهب بضعة مليارات إلى أميركا وأوروبا وآسيا. فقد أبرمت موانئ دبي العالمية صفقة بي آند أو البريطانية بعد أن اشترت مؤسسة سي.إس.إكس لإدارة الموانئ مقابل 1.2 مليار دولار، وفي العام الماضي اشترت مجموعة الجميرا للاستثمارات الفندقية فندق إسكس هاوس في نيويورك مقابل 400 مليون دولار، ودفعت دبي انترناشيونال كابيتال 1.5 مليار دولار لشراء متاحف مدام توسو في بريطانيا، واشترت 2% من أسهم ديملر كرايزلر مقابل 1.2 مليار دولار.

واشترت شركة مبادلة في أبوظبي 5% من شركة فيراري، وكونت شركة أوراسكوم القابضة للاتصالات في مصر، مجموعة شركات لشراء ويند الإيطالية للاتصالات مقابل 13 مليار دولار، في أكبر صفقة استثمارية خارجية في تاريخ الشرق الأوسط.

وقال توماس باراك الذي تحالفت شركته مع الأمير الوليد بن طلال لشراء فيرمونت للفنادق والمنتجعات إن هؤلاء المستثمرين لديهم حافز الاستثمار في الخارج وبعيداً عن مجال البترول، من أجل تنويع المصادر الاقتصادية، والأرقام المذكورة في هذه الصفقات لا تزال صغيرة مقارنة بالاستثمارات الداخلية في المنطقة.

ويقول مصرفيون في الشرق الأوسط إن كلا من الحكومات والشركات العائلية التي يملكها مليونيرات ومليارديرات في المنطقة يزدادون جرأة في الإنفاق. ويقول أحد المصرفيين إن كبار المستثمرين العرب يتابعون ويقتنصون حصصاً في شركات أجنبية وعقارات في نيويورك ولندن وباريس، ويوسع هؤلاء المستثمرون استثماراتهم في أسهم شركات خاصة بدلاً من وضعها في صناديق تحوطية، وهي وسيلة جيدة لتنويع المحافظ الاستثمارية، وهناك صناديق بالمليارات في دبي وأبوظبي تسعى وراء استثمارات في الخارج.

وهناك تدفق نقدي أيضاً من الشرق الأوسط إلى سندات الخزانة الأميركية واستثمارات ثابتة أخرى وتشير إحصاءات الحكومة الأميركية إلى أن دول الأوبك استثمرت 67 مليار دولار فقط في سندات الخزانة في ديسمبر، غالبيتها من دول الخليج، لكن هذه الاستثمارات تعتبر صغيرة مقارنة بنظيرتها من الصين واليابان.

لكن الأموال العربية تملك ما قيمته تريليون دولار من الأصول الأجنبية من أسهم وسندات وديون حكومية وعقارات واستثمارات أخرى، ومن الصعب متابعة هذه الأموال بدقة لأنها تتوزع في كل اتجاه. الأكثر من ذلك أن الدول العربية تلعب دوراً كبيراً الآن في شراء واستيراد السلع من اليابان والصين وبقية آسيا، وهي المناطق التي يصدرون إليها بترولهم في الأساس.

وبما أن الصين واليابان يستثمران في السندات الأميركية فإن البترودولارات يعاد تدويرها في الاقتصاد الأميركي والعجز الأميركي. وفي داخل الدول الخليجية، ارتفعت البورصات المحلية بنسب تتراوح بين 200 و1000% خلال السنوات الأربع الأخيرة برغم التصحيح الذي يحدث حالياً في مصر والإمارات، وترتفع الواردات من أميركا وأوروبا وآسيا.

ولا يبدو أن الطفرة الخليجية ستتوقف في وقت قريب، ومع ارتفاع أسعار الفائدة والانتعاش في كل من اليابان وأوروبا فالمنافسة العالمية على جذب رأس المال سوف تستمر وسيصبح المستثمرون من الشرق الأوسط من كبار اللاعبين في الصفقات المقبلة.

دبي ــ البيان