التحكم في أسعار السلع العالمية
لم تعد مشاهدة أسعار السلع الغذائية مرتفعة إلى الضعف مستغربة بعد مسلسل الأسعار المرتفعة الذي مرت به أسواق المال العالمية خلال السنة الفائتة، ولا يزال هناك تساؤل لمعرفة الأسباب التي تؤدي كل مرة إلى هذا الارتفاع وما هي خاصية التحكم في الأسعار حتى تبلغ حدوداً معينة ثم تتوقف عندها لتبدأ مرحلة أخرى مع سلعة جديدة، وكأن الأمر مسلسل من حلقات متتالية، ففقد شاهدنا بداية زيادة في أسعار الطاقة بلغت في أسعار البترول الخام أكثر من 25%، وبعد ذلك في المعادن الثمينة أكثر من 30%. وكذلك في بعض أسعار السلع الغذائية الأساسية مثل السكر الخام إلى أكثر من 100%، فهل هم المنتجون و نقص المعروض في الأسواق أم زيادة الطلب والاستهلاك.
والمفارقة أن هناك مسافة بعيدة جدا بين مصادر إنتاج السلع و مراكز الأسواق التي تتم داخلها ومن خلال المضاربة عليها صياغة الأسعار فترتفع وتنخفض حتى دون علم المنتجين أحيانا، فثمرة الكاكاو مثلا موجودة في ساحل العاج وأهم مزارع السكر في البرازيل بينما أسواق السلع الغذائية موجودة في لندن أو نيويورك وشيكاغو. وهذا التقليد في التصاق أسواق المال وارتباطها مع الدول العظمى قديم مع قدم العصور بينما الإنتاج يكون بعيداً.
ومن المفارقات أيضا عند النظر إلى كميات المخزون من السلع والعرض في الأسواق نجد أنه لم يطرأ عليها نقص حاد يسبب هذا الارتفاع، إن لم تكن مرتفعة أحيانا، وأن الطلب في الاستهلاك لم يرتفع بصورة ملفتة وليس هناك جديد يذكر في طرفي معادلة العرض والطلب ومع هذا نجد هناك ارتفاعاً حاداً في الأسعار. ومن الواضح أن التأثير على الأسعار يأتي من مصادر أكبر من مؤشرات العرض والطلب وأن التحكم الحقيقي بالأسعار هو من قبل كبار المضاربين وصناديق الاستثمار العملاقة و جهات أخري تستفيد بطريقة أو بأخرى من حالات الارتفاع فهي توظف معطيات السوق والأخبار دائما لصالحها.
وقد شاهدنا أسعار البترول ترتفع مرة عند حدث مدمر مثل إعصار كاترينا ومرة أخرى تبقى مستقرة عند حدث مماثل وقريب جدا من الأول وهو إعصار ريتا علما بأن الأضرار في مصافي النفط كانت جسيمة في المرة الأخيرة، فدائما عندما يكون السوق في حالة توتر نجد أن صناعة الخبر وأسلوب إخراجه يكون لها دورها وتأثيرها في صالح رغبة واتجاه محددة مسبقاً، وحتى أن وجد الخبر اليقين الذي يفند تلك الرغبة نجد أنه لا يعطى من الاهتمام الكافي.
وتتميز المضاربة على السلع في أسواق المال العالمية بأنها مضاربة الاتجاه الواحد يسيطر عليها قنوات محدودة من كبار المستثمرين ويركب معهم في نفس الموجة مجموعة أخرى يجدون في ذلك المناخ فرصة ذهبية لتحقيق معدلات هائلة من الأرباح في فترات زمنية قصيرة، ويبقى المجال مفتوحا لمعارضة هذا الاتجاه ولكن لا يمكن أن يحد من اتجاه حركة الأسعار.
وتعد المضاربة على السلع بأنها محدودة في تنوع العلاقات أقل من المضاربة على عناصر أخرى في السوق فالعملات مثلا متعددة العلاقات فنجد عملة اليورو لها قيمة شرائية مقابل الدولار الأميركي وقيما أخري مقابل بقية العملات مثل الجنيه الإسترليني أوالين اليابانى وغيرها، وهكذا فإن أي عملة تكون لها علاقة مع قائمة من العملات الأخرى وهناك تنوع مختلف ونظرة متباينة من طرف البنوك المركزية والتجارية الكبرى والمضاربين تجاه العملة الواحدة، وأيضا من كبار التجار والمستثمرين الذين ينظرون من داخل كل دولة مجتمعين إلى مصلحتهم في قيمة العملة الوطنية مقابل بقية العملات وأن هذه القيم تمثل لهم أداة التبادل التجاري وتتحكم في قدرات التوازن بين الاستيراد والتصدير. وينتج عن هذه الأوضاع رغبات متعاكسة تمنع الصعود الحاد المشابه لأسلوب صعود السلع ويساعد هذا المناخ على إيجاد تذبذبات توفر فجوات سعرية ومنافذ معقولة لصغار المضاربين بالخروج من دائرة الهيمنة بسلام وربما تحقيق أرباح معقولة.
أيمن سيف
مستشار مالي
aymansaif@yahoo.com