تناولت مجلة «الايكونومست» في مقال لها بعنوان «قلاقل في الوجهة البحرية» مسألة امتلاك موانيء دبي العالمية لشركة «بي أند أو» البريطانية، فقالت ان الموانيء الأميركية لم تكن قط مصدراً لإثارة مثل هذا اللغط منذ ان تجرأت cnooc الصينية على الخوص في مثل تلك المياه الراكدة.

ومضت الصحيفة الى القول أن رهاب الأجانب، آخذ في التغلغل الى شعاب السياسة الأميركية، ففي العام الماضي أوصد الكونغرس الأبواب في وجه الخطر الأصغر القادم من الصين عندما تجرأت شركة النفط الصينية cnooc على تقديم عرض لشراء يونوكال رغم ان غالبية احتياطيات يونوكال من النفط والغاز خارج أميركا.

والآن جاء دور العرب من خلال الاستحواذ على بعض موانئها، ففي 13 فبراير دفعت دبي العالمية ـ مشغلة الموانيء التي تمتلكها حكومة دبي، تلك الإمارة الصغيرة في خططها الطموحة في تطلعاتها الاقتصادية 4,7 مليارات دولار، لاستملاك بي أند أو الشركة البريطانية التي تدير شبكة عالمية من المنصات البحرية.

وفي المحصلة اقترنت صفقة بي أند أو، بستة موانيء أميركية، وهي ميامي وفيلادلفيا، وبالتمور، ونيواورليانز ونيوجيرسي ونيويورك.

وغداة توقيع العقد هبت عاصفة نقدية هوجاء من جانب الساسة الأميركيين، ولم يتورع روبرت ايرلتش، الحاكم الجمهوري لميريلاند، وصنوه الديمقراطي جون كورزين من نيوجيرسي في المطالبة بإيقاف الصفقة.

أما أكثر أصوات المحتجين غلواً فكان تشوك شومر، السيناتور الديمقراطي عن نيويورك، وبيت كنغ الرئيس الجمهوري للجنة الأمن القومي التابعة للكونغرس والصديق المقرب لجيري آدامز، زعيم الشين بيت، اللذين انبريا للقول أنهما سيطرحان قريباً تشريعياً للطواريء من شأنه ايقاف الصفقة قبل موعد استكمالها والمحدد في 2 مارس.

وأدلى الطامحون بكرسي الرئاسة بدلوهم، مطلقين بوق الخطر.فقد أعلنت هيلاري كلينتون السيناتور عن نيوجيرسي اعتزامها طرح تشريع يحظر بيع عمليات الموانئ الى حكومات أجنبية، أما في الجانب الجمهوري، فإن حاكم نيويورك الطموح «الذي سيحال الى التقاعد». يدرس الغاء العقد الذي منحته سلطة موانيء نيويورك ـ نيوجيرسي ـ الى مشغلي الموانيء.

ومن جهته، أهاب زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، بيل فريست بالرئيس إعادة النظر في قراره.أما الرئيس وهذه مفخرة له، فقد سمى فوق تلك النزعة الاقليمية الضيقة مؤكداً على مباديء التجارة الحرة التي يؤمن بها.

ومعاهداً في الوقت نفسه، على استخدام حقه في نقض أي تشريع يسعى لعرقلة صفقة الاستحواذ، ومما زاد الطين بلة، أن أياً من الزعماء السياسيين البارزين اللهم، باستثناء جيمي كارتر وجون مكالين، لم تصدر عنه كلمة سواء دعماً للرئيس.

ومع اقتراب موعد الانتخابات نصف التكميلية في شهر نوفمبر، فإن الكونغرس لن يعدم الوسيلة لجمع الأصوات الكافية لتجاوز الفيتو الرئاسي. وعلى مألوف العادة، وعلى جري ما حدث إبان صفقة cnooc الصينية، فإن دهاقنة السياسة يزعمون أن الأمر لا يخص من قريب أو بعيد السياسة الحمائية، بقدر ما يخص شراء أصول أميركية، من قبل شركات هي في حقيقتها، أذرع لحكومات أجنبية.

وقطعت كونتننتال ستيف دورينغ أند تيدمنانر إحدى شركاء بي أند أو، قول كل خطيب، ورفعت دعوى قضائية في ميامي، بزعم أنها ستتحول بموجب عقد البيع، إلى «شريك لا إرادي» مع حكومة دبي. وبدوره أعرب اتحاد العاملين في الأرصفة البحرية، عن استيائه الشديد من الصفقة، مشيراً إلى أن أكبر مخاوفه، نابعة من تابعيته لحكومة أجنبية.

غير أن الأكثر خصوصية في هذا الخضم السياسي، هي الصداقة الواضحة التي تربط بين كل من الولايات المتحدة والإمارات أما الشكوى الأكثر إلحاحاً.

والتي سمعت أيضاً من أسر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر، أن الصفقة من شأنها تعريض الأمن القومي للولايات المتحدة إلى الخطر، ويحاجج المنتقدون بأن الصفقة لم تخضع للدراسة المستفيضة، والتدقيق اللازم.

وقد وافقت لجنة الاستثمار الأجنبي، التي تضم ممثلين من وزارة الدفاع والخزانة، والتجارة، والأهم من ذلك كله، وزارة الأمن الداخلي، على الصفقة خلال فترة لم تتجاوز الثلاثين يوماً، مما دعا المنتقدين إلى وصفها «بالسطحية» ومما زادهم حنقاً أن المداولات الخاصة بالصفقة تمت في أجواء يغلب عليها طابع السرية.

غير أن وراء الأكمة هاجس شرعي، فالموانئ إحدى مواطن الضعف الأميركية، عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، حيث إن 5 في المئة فقط من الحاويات التي تجلب مليوني طن من الشحنات إلى الموانئ الأميركية في كل عام، يجري فحصها لحظة وصولها، وذلك بارتفاع عن 2 في المئة، قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لكنها ما زالت نسبة متدنية مقلقة.