«المطبخ هو المطبخ». أو هكذا قد يظن أحدنا، لوهلة أولى. فتلك المساحة التي تتوسّط الحيّز في أي بيت أو فيلا أو قصر، والموجودة في الفندق والمنتجع والشاليه، ليست أكثر من خزائن ومكان للبراد وجهاز الفرن وطاولة في الوسط، قد نزينها ببعض الزهور.

لكنّ زيارة واحدة إلى منطقة العوير الصناعية، وتفقد بعض المصانع الإماراتية التي تنتج «مطابخ وطنية»، بمواصفات عالمية منافسة، قد تظهر أن الأمر ليس بتلك البساطة.

فالمستهلك، الذي يستخدم المطبخ لعدة مرات في اليوم، لا يعرف شيئا عن حجم السماكة التي يجب أن تكون عليه المادة المقاومة للصدأ، ولا عن مادة «الفوم» التي تحشو باب الخزانة.

وبالتأكيد، فإن كل ما يعرفه عن العلامة التجارية الايطالية «فيراري» لا يتجاوز كونها شركة سيارات رياضية بارزة في العالم، ولكنّ «فيراري» ذاتها تصنّع بعض الأدوات الخاصة بتجهيز المطابخ، وتحديدا «السكّة» التي ينزلق عليها الدرج حين نفتحه أو نغلقه.

الخشب من اسبانيا والمفصلات التي تثبت درف الخزائن من ايطاليا وقضبان الألومنيوم من الإمارات ومكونات أخرى من أمكنة أخرى، لكنّ المهم أن المادة الأولية المستوردة باتت تدخل الى مصانعنا في الدولة، لتخرج منها على هيئة مطابخ جاهزة وكاملة، وفخمة، على جودة ودرجة «تشطيب» عاليتين.

قبل سنوات قليلة، كانت البواخر تأتي عبر البحار محمّلة بمطابخ جاهزة. لا نزال حتى اليوم نستورد القسم الأكبر، الا أن الصورة اختلفت قليلا مع وجود المنتج الوطني المنافس.

زان وجرانيت ومعدن

وفي أقل من سنة، تمكنت مصانع وطنية، صغيرة الى متوسطة، من تحقيق معدلات نمو في حجم أعمالها تجاوز 75%، بفضل النشاط الهائل الذي يشهده قطاع التشييد والعقارات في الدولة.

وتزايد عدد الفلل والشقق السكنية، بالإضافة إلى بناء الفنادق. وفي فترة شهور قليلة، قام «مصنع بالحصا للصناعات المعدنية»، بتوسيع مروحة نشاطه من تصنيع مطابخ الخشب إلى الألومنيوم إلى المعدن، لمواكبة الطلب الكبير المستجد في السوق. ويقول عبد القادر عنتر، مدير المصنع، إنّ القدرة الإنتاجية للمصنع تصل في معدلها إلى 25 مطبخا في اليوم، تقل أو تزيد.

ويصنّع قسم الأخشاب حوالي 20 مطبخا يوميا، بينما يخرج من قسم الألومنيوم حوالي 18 مطبخا في اليوم. وتشير هذه الأرقام الى نشاط كبير، قياسا الى مصنع لم يمض على افتتاحه أكثر من سنة ويشغّل 40 عاملا، لثماني ساعات في اليوم.

ويستهلك المصنع 4 أطنان شهريا من مادة الألومنيوم المنتجة في الإمارات، والمصنّعة ضمن قوالب خاصة للمصنع بالذات، كذلك يستورد قسم الأخشاب 150 حزمة خشب في الشهر، تحتوي كل واحدة منها على 50 لوحا خشبيا.

ويعتبر الخشب من أكثر المواد المستخدمة في صناعة المطابخ انتشارا، حيث أنها تتمتع بشكل جمالي ساحر يضفي لمسة من الترف على المطبخ. ومن الأنواع التي تستخدم في المطبخ بكثرة أخشاب الأرو والزان لما لهما من صلابة.

وقدرة على مقاومة البخار والسوائل حيث أنها أخشاب لها خواص دقة المسام وضآلة معامل التمدد والانكماش، كما يمكن استخدام الخشب المعروف باسم MDF.

وهو يتميز بمناسبته لأعمال الراوتر، لكن يعيبه تأثره بالماء، على أنه يمكن التغلب على هذه المشكلة باستخدام أصناف جيدة منه، وعزلها جيدا بدهان الدوكو. كذلك فهناك مطابخ الأحجار(مثل الجرانيت والرخام)، وتستخدم لتغطية أسطح الوحدات المستخدمة في الإعداد، وذلك لخواص الصلابة ومقاومة التآكل والأحماض.

وعدم التأثر بالحرارة والسوائل، ولكن يعيب الرخام الفاتح تغير لونه، وهناك بعض البدائل الصناعية مثل الكوريان والتي لا تصل لحد المنافسة مع الرخام والجرانيت بشكل خاص من حيث الصلابة والمقاومة.

أما الألمونيوم، فيتميّز بسهولة إصلاحه ومقاومته للحريق والسوائل والحشرات، جعله منافسا قويا للخشب التقليدي، وخصوصا بعد التقدم الهائل الذي سمح بانتاج أشكال تماثل الخشب إلى حد كبير.

«الخارجي» ليس للخدم!

ويعتبر سيف بالحصا، أن مصنعه «متوسّط الحجم، إلا أن أعمالنا تنمو بوتيرة كبيرة. وعلى لائحة عملاء المصنع هناك مشروع تجهيز فلل وشقق سكنية ملحقة بجامعة الشارقة بحوالي 140 مطبخا، إضافة إلى 112 مطبخا لمبان سكنية و187 لمشاريع أخرى، إضافة إلى عقد سنوي لصيانة مطابخ دائرة العقارات».

وقد ساهم تغيير العادات الاجتماعية عند المستهلك الإماراتي في تنشيط هذه الصناعة، «ففي السابق، كان الإماراتي يعتبر أن المطبخ الخارجي هو لاستخدام الخدم، لذلك كانت مواصفات تجهيزه مختلفة، لكنّ الكثير من الفلل والمباني السكنية تعتمد اليوم على المطبخ الخارجي الذي بات يحتاج إلى درجة عالية من مهارة التشطيب «فنيشينغ»:

«بالنسبة إلى أي مصنّع للمطابخ، هناك أمور مستجدة يجب أن تتوفر في المطبخ الحديث مثل الحيّز المخصص لجهاز المايكرويف والثلاجة، بالإضافة إلى التصميم».

وكما في أي مجال آخر، تزداد توقعات المستهلك يوما بعد آخر من المطبخ الذي يهوى التعامل معه، وصارت الشركات المنتجة تتفهم أكثر مسألة «التفصيل حسب الطلب»، بما يخص الشكل والألوان والإكسسوارات والطلبات الخاصة.

ويقول عنتر إنّه قادر على توفير 50 لونا مختلفا للخزائن الخشبية والمعدنية، كذلك فإنه يهتم كثيرا بجودة المادة التصنيعية: «نحرص على استخدام المادة المقاومة للصدأ بسماكة لا تقل عن 8 ,0، بينما الرائج في السوق استخدام سماكة 5 ,0، وما نفعله يرتب علينا تكلفة أكبر، لكنه يضمن لنا عامل الجودة الذي يجعلنا قادرين على التواجد وكسب العملاء في سوق تنافسي كبير مثل الإمارات».

وتمتد هذه السياسة لتشمل طلب قوالب تصنيعية خاصة، كذلك استيراد أدوات معينة مثل مفاصل درف الخزائن أو السكك التي تنزلق عليها الأدراج من شركات عالمية لها سمعتها في هذا المجال، مثل شركة «فيراري».

إلا أن جودة المنتج الوطني، لم تغر بعد، على ما يبدو الشركات الأجنبية التي تتعهد بناء الفنادق الفخمة:«لا يزالون يثقون باستيراد المطابخ جاهزة من اسبانيا أو ايطاليا».

وبانتظار حلول موسم «الثقة» الكاملة بالمنتج التصنيعي الإماراتي، تجتهد المصانع الوطنية، خاصة تلك المتوسطة الحجم، بتقديم مواصفات عالية من الجودة وابتكار أفكار جديدة، قد يكون منها، في المستقبل القريب، أفكار تتعلق «بالمطبخ الرقمي»، على ما يقول بالحصا.

متابعة: إبراهيم توتونجي