يحلو للمراقبين والمحللين وصف شركة موانئ دبي العالمية «بالوافد الجديد» إلى ساحة إدارة الموانئ والذي تمكن في غضون أعوام قليلة على ميلاده من ملامسة فضاء العالمية بمقارعته الجريئة للكبار، بل تسجيل الفوز في جميع السجالات التي دخل فيها طرفاً.
ولا تقف جرأة الوافد الجديد عند حدود عمليات الاستحواذ والشراء المتتالية لأصول وحقوق الشركات الكبرى، بل يقوم كذلك بضخ ملايين الدولارات في إقامة محطات للحاويات في مناطق مختلفة من العالم.
وينطلق توصيف شركة موانئ دبي العالمية بالوافد الجديد من واقع عمرها الزمني، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى ثلاث سنوات فقط، وهي ومنذ لحظة إطلاقها لم تهدأ ولم تكل في توسيع عملياتها ونشاطها حتى أصبح مجال أعمالها يغطي المعمورة من أقصاها إلى أدناها.
ورغم أن الشركة انطلقت خارجيا قبل هذا التاريخ بإدارة ميناءي جدة وجيبوتي حيث كانت استراتيجية الشركة في مستهل عملها تقوم على البدء بمنطقة الشرق الأوسط ثم التوسع شيئاً فشيئاً. ولهذا كان التركيز على جدة وجيبوتي والهند، إلا أنها تمكنت حتى يناير 2005 من الحصول على حق إدارة 13 ميناء.
وضخت استثمارات حتى التاريخ المذكور قيمتها نحو 9,5 مليارات درهم، أي ما يقارب 58,2 مليار دولار في شبكة الموانئ التي تديرها حول العالم والتي تمتد من الشرق الأقصى إلى أميركا اللاتينية غرباً.
وبعدما كانت الشركة عند تأسيسها في عام 2003 تمتلك بضعة حقوق للإدارة والتطوير هنا وهناك، تحولت شركة موانئ دبي العالمية مع مطلع عام 2006 إلى ثالث أكبر مشغل للموانئ في العالم، حيث آلت إليها محفظة موانئ شركة «بي آند أو» البريطانية العريقة التي تأسست في القرن التاسع عشر لنقل الرسائل بين المملكة المتحدة وأسبانيا.
وكانت «بي أند أو» شاهدا على قوة الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس. وفي وقت سابق، آلت إليها محفظة محطات الحاويات لشركة «سي إس إكس» العالمية التي كانت تدير ميناء جبل علي منذ إنشائه عام 1979 حتى عام 1991.
وهو ما وسع مسرح عملياتها ليشمل دولا كالصين واستراليا وألمانيا وفنزويلا، وبإضافة موانئ أبوظبي والفجيرة وعدن، تمكنت شركة موانئ دبي العالمية من ترسيخ مكانتها كلاعب عالمي في إدارة الموانئ.
وقبل عام 1999، كان تشغيل وإدارة الموانئ مجرد نشاط جانبي لشركة موانئ دبي العالمية، ولكنها في العام ذاته، فازت بعقد إدارة وتشغيل ميناء خارج بيروت ودخلت في عام 2000 في شراكة لتشغيل ميناء جدة، وكبرت محفظة الموانئ التي تقوم الشركة بإدارتها بحلول نهاية العام المذكور لتشمل ميناء جيبوتي الذي يمثل الحيازة الأولى لها في إفريقيا.
وتميزت عمليات الاستحواذ الكبرى التي باشرتها شركة موانئ دبي العالمية بالجرأة الشديدة، بدخول الشركة في منافسة شرسة مع كبريات الشركات العالمية لتوسيع حصتها في سوق الشحن البحري وإدارة الموانئ.
عمليات استحواذ جريئة
وقبل أن يسدل عام 2004 أستاره، أعلنت شركة موانئ دبي العالمية عن إبرامها اتفاقية شراء مؤكدة لأصول فرع الحاويات والمرافئ في مجموعة «سي اس اكس» الأميركية المدرجة في بورصة نيويورك، بقيمة 2 ,4 مليارات درهم «5 ,1 مليار دولار» في صفقة تاريخية تعد الأكبر من نوعها في الصناعة الملاحية العالمية، على ان يتم تمويل الصفقة عبر تسهيلات مقدمة دويتشه بنك، وأن تنجز في الربع الأول من العام 2005.
ومنحت الصفقة التي حظيت باهتمام عالمي واسع النطاق موانئ دبي العالمية تملك وإدارة وتشغيل 9 محطات حاويات و24 مرسى و5 محطات لوجستية تصل سعتها المستقبلية إلى 14,6 ملايين حاوية نمطية سنوياً.
وتتوزع بين استراليا وفنزويلا وجمهورية الدومنيكان والصين وهونغ كونغ وكوريا وألمانيا. وتمتلك شركة سي إس إكس العالمية أيضا اهتمامات في المجال اللوجستي في هونغ كونغ والصين، ومن أبرزها ارتباطها بشركة إي تي إل، الشركة الرائدة في المجال اللوجيستي في كواي تشونغ.
وإضافة إلى هذه الشركات العالمية والمهمة التابعة لها، فإن للشركة مشاريع إنمائية أخرى، فهي تمتلك 25% من أسهم ميناء بوسان نيو بورت الكوري، وستكون مسؤولة عن تشغيله، وهو ميناء ذو 9 أرصفة بسعة تصل إلى 6 ملايين حاوية وهو حالياً قيد الإنشاء. ويتوقع أن يباشر عملياته في عام 2006.
وكانت »سي اس اكس«، التي يقع مقرها في جاكوسنفيل فلوريدا، وتمتلك أكبر شبكة سكك حديدية في شرق الولايات المتحدة، اشترت مؤسسة «سي لاند» في سنة 1987 الا انها قامت بعد ذلك ببيع بعض من ممتلكاتها الملاحية العالمية حيث قررت ادارتها التركيز على نشاطها الرئيس في السكك الحديدية والاستغناء عن عملياتها الملاحية التي اشترتها دبي.
والملفت من وجهة نظر المحللين أن شركة موانئ دبي العالمية قد خاضت منافسة حادة مع شركات عالمية عملاقة من سنغافورة والصين وهونغ كونغ، كانت أشدها قوة مع شركتي هوتشسون وامبوا و«بي اس اية انترناشيونال» اللتين تأتيان في مقدمة اكبر المشغلين لموانئ الحاويات في العالم .
حيث تقدمت الأخيرة بعرض قيمته مليار دولار فقط، وقد عمل «دويتشه بنك» كمستشار مالي لموانئ دبي العالمية، فيما عملت سيتي غروب كمستشار مالي لـ «سي اس اكس».
وكانت الحسبة التي كانت واقرة في أذهان القائمين على الشركة تدور حول النظر إلى الصفقة على أنها فرصة يجب العمل وبضراوة على عدم تفويتها حيث جري تثمين الصفقة على أنها ستعزز من مكانة دبي في العالم وتجعلها ابرز اللاعبين في صناعة الملاحة العالمية، وتزيد من مرونة دبي في تنويع مواردها.
كما أنها ستسهم في توسيع قاعدة انتشار عمليات «موانئ دبي العالمية» لتمتد إلى مناطق جديدة في العالم، وخاصة في جنوب شرق آسيا والصين حيث النمو الاقتصادي آخذ في التزايد بمعدلات قياسية، علاوة على إتاحة الصفقة فرصا حقيقية لنمو شركة موانئ دبي العالمية مما يتطلب منها التواجد بقوة في هذه المناطق.
ونظر القائمون على الشركة إلى الصفقة على أنها تاريخية، فهي من جانب تنسجم مع إستراتيجية النمو التي وضعتها موانئ دبي العالمية، وذلك من زاوية أنها تتيح للشركة امتلاك وإدارة موانئ شتى في الشرق الأوسط وأوروبا والهند، وهي من جانب آخر، تحقق عوائد مالية مجزية، إذ قدرت الدراسات أن تجني شركة موانئ دبي العالمية عائدا يتراوح بين 12 و15% سنويا.
وهي من جانب ثالث، تتيح المشاركة بقوة في النمو الحالي والمستقبلي في مجال النقل البحري واللوجستي عن طريق تشغيل وإدارة محطات الحاويات العالمية التي تمتلكها شركة سي اس اكس.
ومن جانب رابع، تمكن الصفقة شركة موانئ دبي العالمية من الوصول إلى أسواق جديدة في آسيا وأميركا اللاتينية اللتين تستحوذان على أعلى نسبة نمو في حجم المناولة.
كما أن الصفقة ومن جانب خامس تمكن موانئ دبي العالمية من لعب دور «حلقة الوصل» بين الموانئ في الشرق والغرب، وهو الأمر الذي يعزز الدور الاقتصادي لدبي بين تكتلي الشرق والغرب ويؤكد دورها على الخريطة العالمية كمحور مهم.
وقد نجحت شركة موانئ دبي العالمية في الفوز بالصفقة نتيجة لتوليفة من العوامل التي ساهمت في ترجيح كفتها، ويبرز من بينها العرض المالي الذي فاق عرض الشركات المنافسة، فضلاً عن برهنة الشركة على قدرتها على تقديم خدمات متميزة لعملائها.
ومثل فوز شركة موانئ دبي العالمية بالصفقة تأكيدا لطابعها العالمي، ودليلا دامغا على تمتعها بخبرات كبيرة في إدارة وتشغيل المرافق والتي ازدادت بفعل انتقال الكوادر المؤهلة في شركة «سي اس اكس» للعمل في موانئ دبي العالمية، وهو أمر من شأنه أن زاد من كفاءة العمل على المستويين المحلي والعالم.
المبادرة بشراء «بي آند أو»
ونهجت شركة موانئ دبي العالمية في استحواذها على شركة «بي آند أو» الأسلوب الذي اتبعته في شراء محطات الحاويات لشركة«سي اس اكس»، فهي لم تنتظر عرض الشركة للبيع، بل بادرت ـ وفقا لرواية شركة «بي آند أو» بالمفاتحة في أمر شرائها، وقدمت عرضا مغريا كان من الصعب على مجلس إدارة شركة «بي آند أو »رفضه.
ويبدو أن استهداف شركة موانئ دبي العالمية لأصول شركة «بي آند أو» قد انطلق من جملة حسابات تتمثل في التالي:
أولاً: أن شراءها شركة «بي أند أو» البريطانية للموانئ والحاويات، من شأنه أن يجعلها ثالث أكبر شركة لإدارة الموانئ في العالم، على اعتبار أن الشركة البريطانية تمتلك أصولا تفوق شركات أخرى مناظرة، وأنه على الرغم من التنوع والتوزيع الجغرافي .
وتداخل أصول بي آند أو مع أصول شركات أخرى أكبر منها في أجزاء من شرق آسيا وأوروبا، لكن الشركة البريطانية فريدة في أن لها وجوداً قوياً في كل من استراليا والهند، وهي مناطق لا تتواجد فيها شركات أكبر منها إلا بشكل بسيط.
ثانياً: إن شراء شركة موانئ دبي العالمية للشركة البريطانية من شأنه أن يعزز مكانتها، وذلك في ضوء ما تشهده صناعة الموانئ في السنوات الأخيرة من تنافس بين الشركات الرئيسية في الحصولـ على الأصول وحيازة شركات أخرى أصغر. ولهذا تعتبر شركة بي آند أو البريطانية هدفا جذاباً بوصفها أكبر أصل متاح للحيازة والبيع.
ثالثاً: تعتبر شركة «بي آند أو» رابع أكبر مشغل للموانيء في العالم، وتمتلك 29 ميناء تغطي البقعة الجغرافية الممتدة من الصين حتى جنوب إفريقيا، ومن ثم فإن نجاح شركة موانئ دبي في الاستحواذ عليها، قد عزز مكانتها في مجال إدارة الموانئ على مستوى العالم.
رابعاً: تشير التقديرات إلى أن حركة الشحن البحري ستشهد ازدهاراً خلال السنوات المقبلة، وذلك على خلفية توسع التجارة الخارجية، وتحول آسيا وعلى الخصوص الصين إلى مركز لتصنيع المنتجات في العالم، بما يعنيه ذلك من اشتداد الطلب الصيني على خدمات الشحن البحري لنقل هذه المنتجات إلى أسواق التصدير في أوروبا وأميركا.
وفي هذا المجال، تنبأ صندوق النقد الدولي بزيادة التجارة العالمية بواقع 4,7% خلال عام 2005 و6 ,7% في عام 2006، وبالتالي، تبدو محفظة موانئ شركة «بي آند أو» في آسيا وعلى وجه الخصوص في الهند بالإضافة إلى حقوقها في شمال أوروبا وأميركا مغرية للفاعلين في مجال إدارة الموانئ.
خامساً: بلغ حجم المناولة بالموانيء التي تديرها شركة «بي آند أو» في العام الماضي 8,13 مليون حاوية، واستحوذت محطات الحاويات الآسيوية والهندية على حوالي نصف هذا الحجم، ومع الأخذ في الاعتبار التوقعات أن معدلات المناولة في محطات شركة «سي إس أكس» التي استحوذت عليها شركة موانئ دبي العالمية يبلغ 5, 12 مليون حاوية.
وبإضافة طاقة مناولة الحاويات في الموانيء التي تديرها شركة موانئ دبي العالمية، فإن السعة الإجمالية للمناولة لشركة موانئ دبي ستسجل رقما قياسيا يصل إلى 25 مليون حاوية.
وهي بذلك تتقدم على محطات حاويات شركة «أيه بي ام» وتقترب بشكل وثيق من شركة «بي إس أيه» مع احتفاظ شركة هيتشيوسين بالمرتبة الأولى.
وعلى غرار الحال بالنسبة لصفقة «سي اس اكس »، دخلت شركة موانئ دبي العالمية في منافسة شرسة مع شركة «بي إس ايه» والتي راق لبعض المحللين توصيفها بحرب العروض، وهي تختلف جذريا عن الحرب بالمعنى المألوف والدارج في الأذهان، إذ كانت المعلومات وقود هذه المنافسة أو بالأحرى الحرب.
وكانت العروض سلاحها، وقد فازت شركة موانئ دبي العالمية في حرب العروض على شراء شركة «بي آند أو» البريطانية، بعدما فضل غريمها وهو شركة «بي. اس. إيه» الانسحاب من حلبة المنافسة، إثر تلقيه صدمة عرض شركة موانئ دبي الذي سلبه القدرة على مواصلة المنافسة. وبالتالي، وبهذا تمكنت موانئ دبي من حسم المعركة لصالحها.
وتمثل العرض الذي أفقد شركة «بي إس أيه» توازنها، وغير موازين القوى بين الغريمين في سرعة البرق، هو تقديم شركة موانئ دبي العالمية في 26 يناير الماضي عرضا بقيمة إجمالية بلغت 2,7 مليارات دولار وبمعدل 520 بنساً للسهم الواحد، متغلبة بذلك بنسبة 6,10% على العرض السنغافوري الذي بلغ 4,6 مليارات دولار.
حسم حرب العروض
وقبل عرض «موانئ دبي» كانت الشركة البريطانية قد أعلنت موافقتها على عرض شركة «بي اس إيه»السنغافورية البالغ قيمته 4,6 مليارات دولار لشراء الشركة باعتبار أن العرض السنغافوري تجاوز عرض موانئ دبي العالمية السابق والبالغ 7,5 مليارات دولار.
لكن بعد قرار مجلس إدارة شركة «بي آند أو» بتفضيل العرض السنغافوري، عقد مديرو «موانئ دبي العالمية» التنفيذيون اجتماعا لإصدار بيان يتضمن ردهم على العرض السنغافوري، وبالفعل تم تقديم العرض الجديد الذي فاز بالصفقة، مفشلاً بذلك عرض الشركة السنغافورية.
وتتضمن عرض دبي شرطين أساسيين هما، أولاً عدم تأجيل اجتماع الجمعية العمومية لشركة «بي أند أو» والمقرر عقده قريباً، والثاني عدم قبول أي عرض آخر يقل عن 546 بنساً للسهم الواحد.
وأعتبر الكثير من المحللين أن هذا العرض أشار إلى إصرار شركة موانئ دبي العالمية على الذهاب إلى أبعد مدى للفوز بهذه الحرب.
وبالفعل، كان لهذا العرض أثره الفعال في التغيير الكامل لمسار توجه الأمور، إذ انحاز مجلس إدارة شركة «بي آند أو» لصالح عرض شركة موانئ دبي العالمية، بعدما أظهروا وفي اليوم ذاته تفضيلهم للعرض السنغافوري، واعتبر مديرو شركة «بي أند أو» عرض موانئ دبي العالمية بأنه منصف ومعقول.
وقالوا إنهم تلقوا توصية بقبوله من جانب شركة سيتجرون جلوبال ماركتس المحدودة وشركة «إن إم روتشيلد أندسونز» المحدودة والمعروفتين بخبرتهما الكبيرة في الصفقات الكبرى.
وأوضحوا أنهم قد أوصوا بالإجماع أن يقبل حملة الأسهم عرض موانئ دبي العالمية الجديد في اجتماعهم في 13 فبراير الجاري، وهو ما حدث بالفعل حيث وافق حملة الأسهم على عرض شركة موانئ دبي العالمية.
إقامة محطات للحاويات
ولم تركز الشركة على عمليات شراء أصول وحقوق شركات عالمية فحسب، بل عملت على ضخ الاستثمارات لإقامة محطات للحاويات في مختلف أرجاء العالم وفي نوفمبر 2005 وقعت شركة موانئ دبي العالمية اتفاقية مع كينجداو في الصين لتطوير موقع ليصبح محطة حاويات، وتضم رصيفاً طوله 1320 متراً، وسعة مناولة تصل إلى مليوني حاوية.
وتتوقع شركة موانئ دبي العالمية أن يبدأ تشغيل المحطة خلال عام 2008 أو 2009، وسوف يصل اجمالي استثمارات شركة موانئ دبي العالمية في المشروع حوالي 500 مليون دولار، وينسجم هذا المشروع مع استراتيجية الشركة التي تركز على الأسواق الصاعدة في الصين وشمال آسيا.
وفي أكتوبر 2005، أكدت موانئ دبي العالمية اهتمامها بمناقصة إدارة محطة الحاويات بميناء أزمير التركي. وفي نوفمبر من العام المذكور، أعلنت شركة موانئ دبي العالمية شراءها الشريط الساحلي في منطقة ياروكا لتطويره إلى محطة حاويات جديدة بسعة تبلغ مليون حاوية.
وقامت بشراء هذا الموقع من شركة إيرديمير لصناعة الصلب التركية Erdemir مقابل مبلغ نقدي قيمته 105 ملايين دولار. وتوقعت شركة موانئ دبي العالمية أن يبدأ العمل في تطوير الموقع في عام 2006. وأن يبدأ تشغيل المحطة في مطلع عام 2008. بحيث تكون المحطة الأولى في تركيا يمتلكها مشغل دولي بالكامل.
وفي فبراير 2005، أعلنت شركة موانئ دبي العالمية أمس أنها وقعت رسمياً اتفاقاً مع سلطة موانئ كوشين لإنشاء وتطوير وتشغيل محطة عالمية لشحنات الحاويات البحرية العابرة في ميناء فلاربادام في الهند.
وجرى إطلاق المشروع رسمياً خلال حفل حضره رئيس الوزراء مانموهن سينج بوضع حجر الأساس وبحضور توماس جاكوب رئيس سلطة ميناء كوشين وسلطان أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة بالإضافة إلى تي آر باليو وزير الشحن البحري وأومان شاندي رئيس الوزراء بولاية كيرلا وآر ال باليو حاكم كيرلا.
وتعتبر محطة فلاربادام للحاويات الوحيدة التي يُخطط لها حالياً والأولى من نوعها في المنطقة الاقتصادية الخاصة في الولاية. وستجعل المحطة الجديدة ميناء كوشين مركزاً رئيسياً للشحن البحري في العالم والعمل على تقليل اعتماد الهند على الموانئ الأجنبية في مناولة الشحنات البحرية العابرة.
وتتيح الاتفاقية التي صادقت عليها لجنة الشؤون الاقتصادية التابعة لمجلس الوزراء المجال لموانئ دبي لإدارة ومن ثم نقل عمليات محطة راجيف غاندي للحاويات بميناء كوشين إلى المحطة الجديدة.
ومُنحت موانئ دبي العالمية فترة امتياز تصل إلى 38 سنة لإدارة وتشغيل الموقع حصرياً واقتسام الإيرادات مع سلطة ميناء كوشين بنسبة 33 ,33%.
ومن المنتظر أن تستكمل عمليات الإنشاء في غضون أربع سنوات على أن تبدأ العمليات التجارية خلال عام من تاريخ استكمال الأعمال الإنشائية.
وتستوعب المحطة الجديدة في المرحلة الأولى مليون حاوية نمطية مقاس 20 قدما بتكلفة تصل إلى حوالي135 مليون دولار متضمنة رصيفاً بطول 600 متر وست رافعات عملاقة من نوع باناماكس ورصيف قاطرات للتحميل والتنزيل بواسطة رافعات مخصصة لهذا الغرض.
ويجري حالياً إنشاء جسر جديد بأربع حارات وتعبيد طريق عام يؤدي إلى شبكة الطرق العامة. ولتلبية الاحتياجات المستقبلية يتوقع أن تشهد المحطة الجديدة توسعاً يشمل رصيفاً بطول 1,8 كيلو مترات وتشغيل 16 رافعة على الرصيف قادرة على مناولة السفن العملاقة في عرض البحر وتركيب معدات مناولة في ساحة الحاويات ورفع طاقتها لتصل إلى استيعاب حوالي 3 ملايين حاوية نمطية.
وتقدر التكلفة الإجمالية للمشروع بحوالي 500 مليون دولار أميركي توفرها موانئ دبي العالمية من خلال الاقتراض من دون حق الرجوع. وسيوفر القرض اتحاد مصارف (كونسورتيوم) تتزعمه شركة صندوق تنمية البنية التحتية التي انشئت لتنمية رأس المال الخاص بمشاريع البنية التحتية في الهند.
وكانت موانئ دبي العالمية اضطلعت بإدارة وتشغيل محطة راجيف غاندي الحالية للحاويات قبل نقل عملياتها إلى المحطة الجديدة عند استكمالها وإلى حين الفراغ من صياغة هذه الاتفاقية في صورتها النهائية.
وستقوم موانئ دبي العالمية بتولي النواحي الإدارية بشكل فاعل والاستثمار في المرفق بحيث يكون تركيزها على تحسين الإنتاجية والاستثمار في الأرصفة الجانبية ومعدات المناولة في ساحة الحاويات وتطبيق أحدث نظم تقنية المعلومات.
وقدرت موانئ دبي أن إجمالي الاستثمارات المبدئية المطلوبة تصل قيمتها إلى حوالي 20 مليون دولار أميركي تشمل تزويد محطة الحاويات بصورة مباشرة بأربع رافعات مزودة بإطارات مطاطية واثنتين من رافعات الموانئ المتنقلة وتحسين ساحة المناولة والوقت الذي تستغرقه الشاحنات في الشحن والتفريغ وعمليات الأرصفة.
وستحتفظ شركة كونكور الشريك الاستراتيجي لموانئ دبي العالمية بحوالي 15% كرهان في العمليات وستلعب دوراً حيوياً في تسهيل الوصول إلى حركة الأعمال التجارية في المناطق الساحلية من خلال شبكة واسعة للسكك الحديدية.
ومن المنتظر أن يشهد ميناء كوشين تطوراً كبيراً كمنفذ بحري رئيسي إلى جنوب الهند وتوفير بديل لسريلانكا وسنغافورة فيما يتعلق بشحنات الحاويات البحرية العابرة .
وذلك بفضل موقعها الإستراتيجي على طول الخطوط البحرية الرئيسية العالمية التي تصل بين الشرق والغرب. وفي مارس 2004، استطاعت إدارة موانئ دبي العالمية في مؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة الفوز بمناقصة إدارة محطة حاويات جديدة .
وهي محطة حاويات راجيف غاندي الواقعة في ميناء كوتشين الهندي والذي يعتبر ميناء عالميا، متقدمة في ذلك على العديد من الشركات والموانئ العالمية مثل سلطة ميناء سنغافورة وMaersk Sealand وCTSI وميناء مالطا بالإضافة إلى عدد من المنافسين في الهند.
ويعتبر ميناء كوتشين والذي يقع على الساحل الجنوبي الغربي من أضخم الموانئ في الهند وتمتد مدة عقد موانئ دبي العالمية إلى 38 سنة.
ويتمتع الميناء بعدة مميزات أهمها الموقع المتميز كنقطة وصل بين الشرق والغرب وخط تجاري يصل بين آسيا وأوروبا ومما يزيد من أهمية هذا الميناء توفر المواصلات البحرية والبرية من وإلى الميناء الشيء الذي من شأنه أن يدعم التجارة في الهند على حدٍ سواء.
وفي عام 2003 قام الميناء باستيعاب 000,170 حاوية نمطية ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم وفقاً للتطورات التي ستجرى في البنية التحتية لتصل مساحة المحطة 2150 متراً على مساحة إجمالية تبلغ 100 هكتار وحجم استيعاب للحاويات يقدر بثلاثة ملايين حاوية نمطية. ويتم تعميق محطة حاويات راجيف غاندي إلى عمق يبلغ 5 ,12 متراً.
وقد فازت شركة موانئ دبي العالمية كذلك بعقد إدارة ميناء فايساك غرب الهند لمدة تصل إلى 30 عاما، علاوة على امتلاكها 24% من هذا الميناء طوال مدة التعاقد.
وهكذا، توسعت شركة موانئ دبي العالمية بسرعة غير عادية، وكبر حجم أصولها وحقوقها الخارجية من بضعة موانئ صغيرة في أواخر التسعينات إلى تولي عمليات إدارة الموانئ في رومانيا والمملكة السعودية والهند وجيبوتي، وبشرائها محطات حاويات شركة «سي إس إكس»، وشركة «بي آند أو» توسع نطاق نشاطها ليشمل دولا كالصين واستراليا وألمانيا وفنزويلا.
إدارة ميناءي زايد والفجيرة
وعلى صعيد الداخل، حصلت الشركة على حق إدارة وتطوير ميناء زايد في أبوظبي، ومثل هذا الفوز إضافة حقيقية لأعمال الشركة، حيث جاء بعد أشهر من المفاوضات المطولة.
وبموجبه حصلت شركة موانئ دبي العالمية على إدارة ميناء زايد في إمارة أبوظبي، وبهذا أضافت الشركة إلى محفظتها مركزاً إقليمياً مهماً رغم صغر مساحته، وأكدت بهذا الاتفاق تميزها كأحد الكيانات الدولية الأكثر تفرداً في دبي.
وعززت الشركة مكانتها الداخلية في إدارة الموانئ، بتوقيعها في يناير 2005 على اتفاقية تقوم بموجبها إدارة وتطوير ساحة الحاويات في ميناء الفجيرة، وذلك بهدف تحقيق أعلى معدلات لمناولة الحاويات وتوفير خدمات مثالية لجميع العملاء المحليين والعالميين.
وقد وقع الاختيار على موانئ دبي العالمية لتطوير إمكانات ميناء الفجيرة، نظراً لما تمتلكه من سمعة عالية وخبرة واسعة في تشغيل محطات الحاويات في مناطق عديدة حول العالم.
ومثل التعاون بين ميناء الفجيرة وشركة موانئ دبي العالمية نقطة تحوّل مهمة في استثمار إمكانات الفجيرة وتطوير الخدمات التي تقدمها لمستخدمي الميناء.
فضلا عن أنه يعزز قدرات موانئ الدولة لمواكبة النمو الاقتصادي السريع الذي تشهده دولة الإمارات العربية ويعزز موقعها الريادي على مستوى الصناعة البحرية، ويؤسس لشبكة من الموانئ المتطورة على مستوى الدولة والمنطقة من خلال الاستفادة من الشبكة العالمية التي تديرها موانئ دبي العالمية التي من شأنها أن توفر جميع عوامل النجاح.
تطوير الموانئ
ولم ينحصر تركيز شركة موانئ دبي العالمية في الحصول على حقوق إدارة الموانئ، بل ركزت كذلك على الارتقاء بالخدمات وتطوير البنى التحتية لهذه الموانئ، حيث شهد العديد من هذه الموانيء تحسينات مؤثرة.
وهو ما يتضح في تسجيل الشركة رقما قياسيا في كم الخدمات المقدمة للسفن في محطة الحاويات كونستانزا الروماني الواقعة على البحر الأسود في أوروبا وتبلغ مدة العقد 18عاماً، تجدد لمدة 20 عاماً أخرى، وتبلغ قيمة استثمارات الشركة في الميناء الروماني نحو 77 مليون دولار.
وكذالك الحال بالنسبة لميناء جدة وميناء كوسيدو في جمهورية الدومينيكان. حيث قفزت طاقة مناولة الحاويات في الميناء الأول أي جدة من 700 ألف حاوية في السنة إلى مليون و400 ألف حاوية كما أصبح فيها ميناء آخر تديره شركة أخرى.
وذلك بعد مرور 5 سنوات فقط من إدارته، وتصل مدة عقد إدارة ميناء جدة 20 سنة، وتمتلك شركة موانئ دبي العالمية حصة 10% من الميناء، وتقدر قيمة استثماراتها في الميناء بنحو 192 مليون دولار.
وتفيد بيانات شركة موانئ دبي العالمية أن ميناء جدة الإسلامي استطاع مناولة 033,1 مليون حاوية نمطية في عام 2003 مقارنة بـ 787 ,898 حاوية نمطية في عام 2002 أي بزيادة وقدرها مليون حاوية.بينما حقق ميناء جيبوتي أعلى وأفضل الإنجازات حين استطاع مناولة 705 ,242 حاويات نمطية في 2003 مقارنة بـ 954 ,177 حاوية نمطية في عام 2002.
وقد سجلت أرقام الشحن السائب معدلات مرتفعة حين بلغت في عام 2003 إلى 538 ,566 ,4 طناً مقارنة بـ 019,523 ,3 طناً في عام 2002.
أما فيما يتعلق بميناء جيبوتي، فقد أثار قبول شركة موانئ دبي العالمية إدارة هذا الميناء استغرابا لدى البعض، ولكن نظرت الشركة إلى هذا الميناء على أنه موقع استراتيجي مهم على البحر الأحمر.
وتبلغ مدة عقد إدارة ميناء جيبوتي 30 سنة، على أن يجدد لفترتين، كل منها 10 سنوات أي أن المدة الإجمالية تصل إلى 50 سنة. وتخطط الشركة لضخ استثمارات قيمتها 400 مليون دولار، وتشتمل على إقامة ميناء حاويات جديد وبناء رصيف بترولي بتكلفة 30 مليون دولار يكون قادراً على استقبال بواخر نفط حتى 80 ألف طن.
علاوة على ما سبق، فقد فازت شركة موانئ دبي العالمية بعقود لإدارة ثلاث مناطق حرة هي جيبوتي وطنجة في المغرب وبورتكلانج في ماليزيا. وتتولي الشركة بالفعل حالياً إدارة المنطقة الحرة في جيبوتي لمدة 50 سنة على ثلاث فترات.
وتستثمر الشركة فيها 6 ملايين دولار، أما بورتكلانج وهي قيد الإنشاء حالياً، فسوف تتولى الشركة إدارتها لمدة 10 سنوات، وأخيراً المنطقة الحرة في طنجة والتي جرى التوقيع على عقدها مؤخراً، حيث حصلت الشركة على امتياز إدارتها لمدة 10 سنوات.
كما أضافت سلطة موانئ دبي الكثير إلى الشهرة العريضة التي تمتعت بها شركة موانئ دبي العالمية، فان النجاحات المتتالية التي حققتها الشركة في فترة وجيزة قد قوى هو أيضا من المصداقية العالمية لسلطة موانئ دبي، فتحت مظلتها، نجح ميناء جبل علي في تعزيز مكانته بوصفه عاشر أكبر ميناء على مستوى العالم والميناء الأول في الشرق الأوسط من ناحية الحجم.
سر الصعود الصاروخي
ويثار هنا تساؤل حول أسباب الصعود الصاروخي لشركة موانئ دبي العالمية، وتتباين هنا وجهات النظر، حيث أرجع البعض سر هذا النجاح إلى الوفرة المالية .
والتي مكنت الشركة من تقديم عروض يصعب رفضها، بيد أن وجهة النظر هذه تفقد الكثير من صوابها وجاذبيتها في ضوء أن الكثير من الدول تملك وفورات مالية ضخمة ولكنها لا تمتلك كيانا عالميا على غرار شركة موانئ دبي العالمية.
ولعل السر في هذا الصعود غير المسبوق لشركة موانئ دبي العالمية يكمن في الرؤية والتصور بشأن دور مدينة دبي كمركز للأعمال والتجارة ودور الشركة في حركة التجارة الدولية، وتفيد تقديرات القائمين على الشركة بأن حركة الحاويات التي تمر بين الشرق والغرب عبر البحر الأحمر والخليج العربي تصل إلى 18 مليون حاوية، من بين 300 مليون حاوية يجرى تداولها سنويا حول العالم.
ولهذا، فان أحد أبعاد الرؤية التي تم على أساسها إطلاق الشركة، هو أن تعمل بهدف أن تكون موانئها أينما وجدت، هي الموانئ المفضلة لكل الخطوط الملاحية العالمية.
وعليه، لم يكن إطلاق الشركة في عام 2003 كوحدة أعمال منفصلة تحت مظلة سلطة موانئ دبي، عملاً من قبيل المصادفة، حيث كان تأسيسها مدرجا على أجندة عمل سلطة موانئ دبي لمدة 15 عاماً.
وكانت القضية المحورية، هي تحديد الموعد الملائم للتأسيس، وتحديد هوية الكيان الجديد، وكان قرار سلطة موانئ دبي أن تكون الشركة من الطراز العالمي.
ومثلما أثار تأسيس ميناء جبل علي استغرابا لدى البعض الذين تكهنوا بأن مآله الفشل في ضوء تقديرات ما بعد 11 سبتمبر بأن يؤدي عدم الاستقرار الإقليمي إلى تراجع التجارة العالمية إلى أدنى مستوياتها، ولكن وعلى الرغم من هذه التقديرات، فقد واصل ميناء جبل علي مسيرة ازدهاره ونموه بتحقيقه نموا نسبته20%.
فقد أثار تأسيس شركة موانئ دبي العالمية استغرابا لدى كثيرين، ووضعوا الكثير من علامات التعجب بشأن أفق نهوضه في المدى القصير، في ضوء أن أغلبية موانئ العالم تعاني من الركود.
وكما خالف ميناء جبل علي التوقعات، وصعدت أسهمه بسرعة غير عادية، فقد خالفت شركة موانئ دبي العالمية التوقعات السوداوية، وتمكنت في غضون فترة ثلاث سنوات فقط من الحصول على لقب «الوافد الجديد» الذي اخترق سقف العالمية في مجال إدارة الموانيء، وقارع الكبار وفاز عليهم.
بحيث صار الآن يشغل مكانة ثالث أكبر مشغل للموانئ على مستوى العالم، وقد خط لنفسه هذه المكانة بجرأة غير معهودة، يحلو للقائمين على الشركة وصفها بالمغامرة المحسوبة.
أعد الملف مجدي عبيد: