اعتبر كثير من المحللين الاقتصاديين نظام فض المنازعات في منظمة التجارة العالمية الانجاز الأهم لأعضاء منظمة التجارة العالمية عند تأسيسها في عام 1995.

فهذا النظام وضع أطراً وأنظمة قانونية للحروب التجارية وحال إلى حد بعيد دون اتخاذ إجراءات منفردة من قبل الدول أعضاء المنظمة ضد بعضها بعضا بحيث تنعكس سلبا على أوضاع التجارة العالمية، وأجبرها بالمقابل على اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية لحل خلافاتها.

لكن التطورات التي تشهدها العلاقات التجارية بين ضفتي الأطلسي في إطار منظمة التجارة العالمية تثير قلق العديد من الخبراء التجاريين الذين باتوا يتخوفون أن تؤدي مضاعفاتها إلى نكسة في منحى التحرير التجاري والانفتاح.

فإذا ما أصبحت جميع القضايا الخلافية تحول إلى منظمة التجارة العالمية فان هذا قد يضغط على مصداقية المؤسسة. يقول أحد الخبراء في البرلمان الأوروبي مضيفا انه لابد عند نقطة ما من أن يعمل الطرفان على حل خلافاتهما عبر التفاوض المباشر وأنه لابد من قرار سياسي لتنظيف الأوضاع بشكل شامل.

ويذكر أنه خلال السنوات الأخيرة، رفع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العدد نفسه من القضايا الخلافية إلى منظمة التجارة العالمية ضد بعضهما بعضا. ومنذ عام 1995 إلى شهر نوفمبر من عام 2005.

كانت هناك 45 قضية بينهما، تنازعا فيها على مواضيع تجارية عديدة كان أشهرها النزاع حول أنظمة استيراد الموز وبيعه وتوزيعه، وتسويق منتجات التكنولوجيا الحيوية بما يعرف بالمواد المعدلة جينيا، والإجراءات الوقائية الخاصة بمنتجات الصلب.

وقضية اللحوم ومنتجاتها ما يعرف بقضية الهرمونات، وقضايا أخرى لها علاقة بالإغراق ومواضيع الدعم وحقوق الملكية الفكرية وقطاع المنسوجات والألبسة والمشتريات الحكومية ومنتجات الدواجن وغيرها.

ومن مجموع القضايا الخلافية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن خمساً منها فقط قضى حكم جهاز فض المنازعات فيها بتفويض الطرف الشاكي بإيقاف تنازلاته والتزاماته في المنظمة تجاه الطرف المخالف، وهذا التفويض يعتبر الملاذ الأخير لجهاز فض المنازعات في ظل عدم امتثال الطرف المخالف بتوصياته وأحكامه أو رفضه دفع تعويض مواز.

ويعتبر مسؤولو منظمة التجارة العالمية أن كثرة وصول الدعاوى إلى مرحلة التحرر من التنازلات والالتزامات سوف يؤثر على مصداقية المنظمة ويقوض أسس بنيانها القائم على تحرير التجارة بين الدول.

القضية الأكبر

ويعتبر حكم الاستئناف الخاص بالالتزام الذي صدر مؤخرا في 13 فبراير 2006 لصالح الاتحاد الأوروبي في قضية إزالة الولايات المتحدة ما تبقى من إعفاءات ضريبية تعطى للمصدرين الأميركيين، أهم قضية مرت على تاريخ منظمة التجارة العالمية.

ويعزى ذلك من جهة إلى حجمها التجاري، ومن جهة أخرى لأن هذه القضية التي تتفاعل منذ عام 1997، قد تؤدي إلى إعادة فرض عقوبات تجارية على الصادرات الأميركية إلى 25 دولة أوروبية في حال لم يقم الكونغرس الأميركي بالامتثال لحكم الاستئناف بسحب دعم التصدير المحظور في غضون ثلاثة أشهر. ويتطلب هذا الأمر تعديل بعض بنود قانون الوظائف الأميركي لعام 2004.

وكان الاتحاد الأوروبي قد ربح هذه القضية التجارية المهمة في عام 2000، وأعطي تفويضا على اثر ذلك من قبل جهاز فض المنازعات باتخاذ إجراء مضاد يوازي فرض عقوبات على الولايات المتحدة تصل قيمتها 4 مليارات دولار أو 4 ,3 مليارات يورو سنويا( ما يوازي قيمة الدعم عام 2000).

وقد حذر الممثل التجاري الأميركي زوليك في حينها من أن أي إجراء مضاد يصل إلى 4 مليارات دولار سوف يطلق سلاحا نوويا في النظام التجاري.

فتبنى الاتحاد الأوروبي عقوبات تدريجية بدل استخدام الحد الأقصى الذي سمح به حكم منظمة التجارة العالمية، بدأ بتطبيقها في 1 مارس 2004 برفع التعريفة على سلع أميركية متعددة 5% تزداد نسبتها تدريجيا كل شهر بنسبة 1% .

وعلى اثر إنهاء بوش النظام القديم (قانون المبيعات الأجنبية للشركات الأميركي) الذي يعطي إعفاءات ضريبية على التصدير للشركات العاملة في ملاجئ الأفشور الضريبية، بتوقيعه على قانون الوظائف الأميركي الجديد في أكتوبر 2004.

قام الاتحاد الأوروبي في يناير 2005 بوقف العقوبات ليعود ويرفع شكوى جديدة أمام منظمة التجارة العالمية تقول بأن قانون الوظائف الأميركي الجديد يحوي على الدعم المحظور نفسه، وقد ربح هذه الدعوة وجاء حكم الاستئناف هذا الشهر ليؤكد ذلك.

ربط الخلافات

ويعتقد المحللون أن هذه القضية ستخلق أمام منظمة التجارة العالمية مجموعة من الخلافات أكثر تعقيدا، ذلك أن بعض البنود الخاصة بالإعفاءات الضريبية للشركات الأميركية تطال شركة إنتاج الطائرات العملاقة بوينغ. وحسب مصادر تابعة للاتحاد الأوروبي، تعتبر شركة بوينغ اكبر مستفيد من الإعفاء الضريبي وتقدر منافعها بنحو 6,1 مليار دولار منذ عام 1995.

وكان المفوض الأوروبي، بيتر ماندلسون، قد أدلى بتاريخ 13 /2/2006 بان الاتحاد الأوروبي لن يرضى بنظام من المنافع الضريبية يعطي المصدرين الأميركيين بما في ذلك بوينغ ميزة غير منصفة ضد منافستها الأوروبية.

ويرى المسؤولون الأميركيون ان الاتحاد الأوروبي بتصعيده الموقف إنما يعمل كرد فعل لشكوى تقدمت بها الولايات المتحدة إلى منظمة التجارة العالمية ضد الدعم التطويري لمنتج الطائرات الأوروبي إيرباص، وأن الحكم الذي صدر لصالحه مؤخرا سوف يستخدمه للمقايضة في خلافه هذا بدل استخدامه في حرب تجارية شاملة ما بين ضفتي الأطلسي.

وفي رد يفهم من مغزاه بأن الولايات المتحدة لم تعد تخيفها العقوبات، أضافوا بأن فرض العقوبات لن يكون حافزا للكونغرس لتغيير القانون، وأنه بإمكان الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات توازي قيمة الخفض الضريبي في القانون الجديد حوالي 336 مليون دولار من تجارة الولايات المتحدة.

ويرى المحللون أنه في ظل عدم التوصل إلى حل تفاوضي على موضوع الدعم للطائرات المدنية والذي يمارسه كل من الطرفين والتي انتقلت خلافاته إلى داخل المنظمة برفع دعاوى مضادة، فان مصداقية المنظمة والامتثال لقراراتها قد تصبح على المحك.

وكان رئيس لجنة التمويل في مجلس الشيوخ الأميركي في تصريح أدلى به إلى فايننشال تايمز في 15 فبراير 2006 قد أشار إلى ان عملية الربط الواضح في منازعات منظمة التجارة العالمية هي سابقة خطيرة.

وفي أجندتها التجارية لعام 2006، تؤكد الولايات المتحدة بأنها ستعمل على فرض القوانين التجارية والاتفاقيات في سبيل تحقيق أرضية متساوية للمناورة وحماية حقوقها التجارية في إشارة إلى قضيتين رئيسيتين مرفوعتين ضد الاتحاد الأوروبي هما الشكوى المقدمة بخصوص الدعم التطويري لطائرات إيرباص.

والتي تعتبر انه سيكون لها الوقع الأكبر في تاريخ هذه المنظمة في ما وصفته بأنه يمثل مليارات الدولارات من الدعم المحظور من قبل الحكومات الأوروبية.

والدعوى الخاصة بالتكنولوجيا الحيوية أو ما يسمى الأطعمة المعدلة جينيا التي تتوقع الولايات المتحدة في نهاية مارس 2006 ان يؤكد تقرير فريق الخبراء في منظمة التجارة العالمية الدعوى لصالحها.

وتقر منظمة التجارة العالمية بأن هناك تعقيدات عديدة تواجه جهاز فض المنازعات في إطار المنظمة وتأسف لعدم الامتثال السريع لأحكامها، كذلك تقر بصعوبة فرض هذه الأحكام من خلال العقوبات.

وترى ان الإجراءات المضادة والعقوبات قد يكون لها تأثيرات معوقة على شركاء اقتصاديين غير معنيين في الخلافات او شركاء تجاريين اخرين. وهناك من يرى ان لا جدوى من استخدام هذا الجهاز كأسلوب لحل الخلافات التجارية بين الدول الكبرى خصوصا في حال خلقت قراراته دينامية من الإجراءات المضادة المتقابلة.

أجندة الدوحة

ويربط البعض بين التصعيد في الخلافات التجارية ومفاوضات أجندة الدوحة التي تأخرت أصلا أكثر من عام عن موعدها دون الخروج بنتائج مهمة على صعيد تحرير التجارة.

فما زالت العلاقات بين ضفتي الأطلسي محورية في مسار منظمة التجارة العالمية يقول بيتر سازرلند، المدير العام السابق ومؤسس منظمة التجارة العالمية، مضيفا بان أيا من خلافات الطرفين يستطيع بكل بساطة ان يسمم أجواء مفاوضات جولة الدوحة، وإن أكد بأن هذا لم يحصل بعد.

إعداد: نهى حوّا