عن 72 عاماً، رحل عبد الله الرستماني. صباح أمس، كانت الأمطار الاستثنائية في الإمارات قد توقفت عن الزخ، وسطع النور من جديد. غادرنا الفقيد في طقس من نور، تماما كما كانت حياته الشخصية والمهنية، التي توحدت في كيان واحد محب للوطن والعائلة والخير.
تعددت الألقاب، فهو »شخصية العام«، الحائز على جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميّز في العام 2000. هو أيضا »الحاج« الذي نشأ في بيئة دينية.
وتعرف له مدرسة الفلاح الابتدائية في دبي، ملامح عن سيرة ذلك الطفل الذي يعرف تجويد القرآن الكريم، نحوي اللسان بعيدا عن رطانة »العجمة«، يعرف علوم الرياضيات، كما اللغة الانجليزية.
تلك مكنته من الصغر، من مواكبة كل ما طرأ على بيئة التجارة والمجتمع في الإمارات، منذ خمسينات القرن المنصرم، فامتهن، بدعم وتدريب من والده الحاج حسن محمد الرستماني، تجارة اللؤلؤ باكراً.
تلك التجارة التي تحتاج إلى شجاعة ونباهة، كما حس عميق بقيمة الأمور، والأهم العدل في التجارة وإحقاق الأمور حقها ووضعها في نصابها الملائم. هكذا، تنقّل تاجر اللؤلؤ بين مرافئ دول الخليج كافة، ومراسي الهند.
كما دخل في بوتقة الوظيفة الحكومية، من باب الانتماء والرغبة بخدمة الوطن والمشاركة ببناء مؤسساته. عمل عضوا في مجلس إدارة كهرباء ومياه دبي لمدة أربع سنوات، كذلك في مجلس بلدية دبي طوال اثني عشرة عاما.
كل من تعامل مع الرستماني، أو عرفه عن كثب، أو سمع عنه، شهد للرجل بعصاميته الكبيرة، صبره ومقداميته التي جعلته يقف بكعب راسخة في ساحة الأعمال في الإمارات، منذ أكثر من نصف قرن، ويشقّ، كما غيره، بنية تحتية رئيسية لبيئة الأعمال النامية باضطراد.
وعبر أكثر من 18 شركة، تنضوي تحت لواء مجموعة الأعمال التي تحمل اسمه، استطاع الرستماني أن يدمغ مسيرة النهضة الاقتصادية في الإمارات ودبي، والمنطقة بشكل عام، بنموذج من الأعمال قائمة على رؤية فذة والتزام عميق تجاه المستهلك.
ومسؤولية كبيرة في المجتمع، تجلت بأعماله الخيرية المتعددة. تلك العناصر الثلاثة ألفت صورة الشركة، التي عكستها ثلاث حمامات، حيث روح التطوير التي يعكسها التحليق، والأمان والسلم وخدمة الناس.
زار الكثير من الدول، في جهات العالم كافة، واكتسب خبرات متميزة في التعامل مع الآخر، التاجر أو الزائر، كما حرص، مع تقدمه في العمر، على عدم تفويت فرصة اللحاق بركب التكنولوجيا، حيث كان ملما بآخر مستجداتها.
رحل الرستماني أمس، تاركا اسما له لماعية وبريق اللؤلؤ، وشعارا من حمامات ثلاث، ستحلّق دوما في فضاءاتنا.. في فضاءات من نور.
عبد الله الرستماني: النشأة
نشأ المغفور له بإذن الله في بيئة دينية وتجارية وتأثر بوالده الحاج حسن محمد الرستماني وامتهن منه أساليب التجارة وعلى وجه الخصوص تجارة اللؤلؤ متنقلاً بين دول الخليج العربي والهند.
وقد درس بمدرسة الفلاح بدبي وتعلم فيها القرآن الكريم والتجويد والنحو والحساب على يد الشيخ محمد نور هلال، كما درس اللغة الإنجليزية. وعمل عضواً في مجلس إدارة كهرباء ومياه دبي لمدة أربع سنوات وكذلك عضواً في مجلس بلدية دبي لمدة اثني عشرة عاماً.
وزار الراحل كثيراً من دول العالم مما أكسبه قدرات وخبرات متميزة في تعامله مع الآخرين وخاصة في مجال التجارة. له أعمال خيرية متعددة داخل الدولة وخارجها.
وتولى في حياته الزاخرة بالعمل والإنجازات الكثير من المناصب والمسؤوليات فإلى جانب توليه منصب رئيس مجلس إدارة مجموعة الرستماني الخاصة به, وكذلك شغل عبد الله الرستماني منصب عضو في مجلس إدارة بنك أم القيوين الوطني, وعضوا في مجلس الشؤون الاقتصادية لإمارة دبي. وعضو مجلس إدارة بنك دبي الوطني.
وقد احتلت عائلة الرستماني موقعها العام الماضي على قائمة أشهر خمسين ثرياً عربياً إذ قدرت ثروة عائلة الرستماني بـ 14,1 مليار دولار. وتنوعت نشاطات مجموعة الرستماني بين السيارات والمركبات الثقيلة وقطع غيار والسفر والسياحة والعملات والعقارات.
وتضم شركة الرستماني للاتصالات ومصانع الرستماني للصلب, والرستماني بيجيل, وشركة الرستماني العقارية, والرستماني للتكنولوجيا, وشركة الرستماني التجارية, و»آيه آر سوميت«، والشركة العربية للسيارات, والشركة التجارية المركزية, ومحطات العالم.
و كذلك شركة دبي الدولية للأوراق المالية, والإمارات للهندسة الالكترونية, وشركة البناء الصناعية, وشركة توماس كوك الرستماني للصرافة, وشركة توماس كوك الرستماني للسفر.
ويعد رجل الأعمال عبدالله الرستماني واحداً من كبار التجار الذين ارسوا بسواعدهم البنية الأساسية لقطاع الأعمال في دبي منذ عقد الخمسينات وحتى يومنا هذا. وهو رجل ينتمي للجيل القديم بحكم السن إلا انه في الحقيقة تفوق على جيل اليوم في معرفته بآخر مستجدات التكنولوجيا, فهو رجل عاصر التغيير بجميع أشكاله وقام بالتغيير على أثره وفقا لمتطلبات العصر.
وقد طالب الرستماني في آخر حوار أجراه مع »البيان« في العام 2000 جميع الأصوات المعارضة للوتيرة المتسارعة التي تسير بها المشاريع في دبي بضرورة عدم النظر إلى مصالحهم الذاتية والنظر للمستقبل على نحو أعمق لان ما يعارضونه اليوم سيكون في صالحهم غداً, وفعلا هذا ما أثبتته التجربة.
كما كان يطالب بضرورة تغيير جميع الأنظمة والقوانين الاقتصادية لتواكب متطلبات الألفية الجديدة والعولمة القادمة. فقد كان مؤمنا بأن التغيير لا يشمل فقط استخدام أجهزة الحاسوب و(الستالايت) وأجهزة النقال وإنما تغيير العقلية الاقتصادية في المرحلة الجديدة.
كيف كانت البدايات ؟
»البداية كانت صعبة ـ بدكان صغير بلغ رأسماله 100 روبية حيث كانت العملة المتداولة آنذاك الروبية, ثم دخلنا السوق بقوة اكبر من خلال المكتبة الأهلية حيث كنا نقوم باستيراد الصحف وتوزيعها.
وبدأنا صعود السلم تدريجياً حتى حصلنا على وكالة نيسان في العام 1969 وكنت أبيع آنذاك 17 سيارة سنوياً فقط, أما اليوم فإن مبيعات شركة نيسان تتراوح ما بين 600 ـ 700 سيارة شهرياً ودخلنا مجالات أخرى مثل قطاع الصرافة والحاسوب وغيرها«.
»اعتقد أن هذه المشاريع ريادية وهي تسعى لان تجعل مدينة دبي مدينة سياحية عالمية يقصدها السياح من جميع أنحاء العالم. وما يحدث في دبي أراه مميزا فعلا ليس على الصعيد الإقليمي فحسب وإنما على صعيد منطقة الشرق الأوسط.
وأود الإشارة هنا إلى ان الحكومة تنفذ هذه المشروعات الضخمة والتي تقدر قيمتها بالمليارات ليس بهدف الربحية وإنما تطوير المدينة وجعلها مميزة على الخارطة الدولية وهو أمر نقدره كثيراً.
وسبب تنفيذ الحكومة لهذه المشاريع الضخمة هو عدم قدرة القطاع الخاص على تنفيذها فهي مشاريع ضخمة«.»الحكومة لها مطلق الحرية في دراسة المشاريع بدقة متناهية وبعناية والإعلان عنها في الوقت المناسب.
ولا اعتقد أن الحكومة مطالبة بأخذ آراء التجار خاصة وان الحكومة وحدها القادرة على تنفيذ هذه المشروعات الضخمة التي تقدر بالمليارات فمركزها المالي أقوى بكثير عن المراكز المالية للتجار الذين تعتبر مواردهم المالية محدودة بالمقارنة مع الحكومة.
ومن وجهة نظري فان هذه المشاريع هي أشبه (بأسرار تجارية) خاصة بالحكومة وهي اكبر بكثير من حجم التجار الذين يوجهون الانتقادات«.
»التجار يعارضون لأنه من مصلحتهم أن يظل الأجانب مستأجرين لديهم حيث سيفقدون مصدر دخل جيد إذا قام الأجانب بتملك الشقق والفلل إلا أن التجار مخطئون في تصورهم هذا لأنه على المدى الطويل فإن فتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي سينعش قطاع العقارات.
وسترتفع الأسعار وسيستفيد التجار أنفسهم« »عليهم أن يعوا تماماً أن العولمة قادمة لا محالة. فمعظم الدول العربية قامت بالتوقيع على اتفاقية (الجات) مع منظمة التجارة العالمية والجميع سيبدأ تطبيقها في غضون الأعوام الخمسة المقبلة.
والمسألة ببساطة شديدة متنامية بمعنى إذا أردت بعد الآن ان تكون جزءاً من العالم الجديد يجب ان تقبل بالشروط الجديدة ليكون مرحباً بك وإذا رفضتها ببساطة لن تكون قادراً على المنافسة والتحدي« .
»التطور التاريخي للتجارة في الإمارات من وجهة نظري قد مر بأربع مراحل: المرحلة الأولى في عقد الخمسينات وهي مرحلة التجارة التقليدية واستمرت حتى عقد الثمانينات حيث دخلت التجارة طوراً جديداً شهدت فيه تأسيس الشركات التجارية والحصول على وكالات ثم بداية التسعينات .
حيث بدأ التركيز على برامج الجودة والإبداع والتي كانت بدعم من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والسبب كان تطوير أداء الشركات التجارية لأنه لا يمكن مواصلة إدارتها بنفس العقلية التي كانت تدار بها في عقد السبعينات. ويمكن وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة رعاية العملاء حيث أصبحت الشركات التجارية تولي اهتماماً اكبر بتقديم الخدمات للعملاء وصولاً لإرضائهم.
أما المرحلة التي نعيشها الآن وهي مرحلة قد بدأت بنهاية عقد التسعينات وبداية الألفية الجديدة هي أمر أصبح فيه العميل هو الذي يأمر. فالجميع يلهث خلف العملاء وليس العكس كما كان يحدث في السابق وأصبح هناك مندوبون للمبيعات يسعون خلف العملاء ويذهبون إليهم أينما كانوا.
وأنا اعتقد أن التاجر الذي يضع مصلحة وطنه نصب عينيه سيكون التوفيق حليفه أما المستثمرون الذين ينظرون إلى مصالحهم الذاتية دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح البلاد اعتقد أنهم على خطأ كبير. كما إني أشجع التجار على استثمار أموالهم في البلاد بالدرجة الأولى ثم الاستثمار بالأسواق العالمية في المرحلة الثانية.