نجحت الهند ومن خلال اتباعها سياسة النفس الطويل في إيجاد مساحة مريحة لها ضمن خارطة عمالقة اقتصاد العالم، وتمكنت خلال فترة وجيزة وبشهادة مؤسسات دولية أن تخطو خطوات كبيرة في طريق تحقيق النمو الاقتصادي الثابت، وإن كانت لا تزال تعاني من تراكمات الماضي المتمثلة في ارتفاع معدلات الفقر في بعض المناطق الريفية والفوارق الطبقية الكبيرة وغيرهما من المشكلات.

وشهد عام 2005 واحداً من أعلى معدلات النمو التي سجلها الاقتصاد الهندي، والذي بلغ 1. 8% منافسة بذلك العملاق الصيني الذي أخافت معدلات نموه أميركا واليابان وألمانيا وهددت مواقعها التقليدية في قمة قائمة أكبر الاقتصادات العالمية.

وواصل الاقتصاد الهندي نموه القوي عام 2005 مدعوما بالأداء القوي لقطاعي الخدمات والتصنيع. وفي الوقت الذي استمر نمو الاقتصاد الهندي خلال السنوات الأربع الأخيرة بمعدل متوسط قدره 7%، ما زال المستقبل يحمل الكثير من المؤشرات الإيجابية. وانتعشت حركة الادخار والاستثمار بصورة لم تحدث من قبل في تاريخ الاقتصاد الهندي. وأصبحت سوق الأسهم واحدة من أسرع خمس أسواق مالية عالمية نموا، حيث حظيت باهتمام الخبراء نتيجة الصعود المستمر إلى مستويات قياسية.

وأعلنت الشركات الكبرى بالهند عن خطط لمشروعات جديدة في مجالات متعددة. ويرى البعض أن مثل هذا التدفق الاستثماري هو نتيجة مباشرة لإصلاحات اقتصادية تبنتها الحكومة.

ورغم أن الهند لم تتمكن حتى الآن من اجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة بنفس القدر الذي تفعله الصين التي تصل الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيها إلى 40 مليار دولار سنوياً، فإن المستقبل يبدو مبشراً جداً بالنسبة لنيودلهي. وأشارت مؤسسة أيه تي كارني للاستشارات الإدارية إلى أن الهند تحولت إلى واحدة من أهم نقاط جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة وأنها أصبحت تحتل المرتبة الثانية كأكبر دولة جذباً لهذه الاستثمارات بعد الصين ومتفوقة على الولايات المتحدة.

ويرى محللون أن الهند ستكون قاطرة النمو الاقتصادي بمنطقة آسيا كلها خلال السنوات المقبلة، بعد أن لعبت هذا الدور خلال العام الحالي بدرجة كبيرة. وتوقع تقرير أميركي بأن تتخطى الهند خلال العام الجاري اليابان لتصبح ثالث أكبر قوى اقتصادية في العالم. وقال التقرير إن الاقتصاد الهندي سوف يتخطى حاجز الأربعة تريليونات دولار خلال العام الجاري ليتساوى بذلك بل ويزيد على الاقتصاد الياباني.

وأشار التقرير إلى أن نتائج تحرير القطاعات الاستراتيجية في الهند مثل الاتصالات والمصارف والملاحة والعقارات بدأت في الظهور وانعكست مباشرة على مستويات النمو والتضخم وقد اكتسب النمو الاقتصادي في الهند قوة كبيرة بفضل الإصلاحات. كما ظهرت طبقة متوسطة نشطة تتمتع بالقدرة الإنفاقية، وبدأ جيل جديد من أصحاب المصانع وأصحاب الأعمال الحرة يشاركون في المنافسة على المستوى العالمي.

وقد اكتسب الوضع الخارجي للبلاد أيضاً المزيد من القوة، التي تمثلت في نمو الصادرات خاصة الصادرات الخدمية التي بلغت نسبة نموها 105% عام 2004-2005. وقد اعتمد نمو الخدمات اعتماداً كبيراً على الازدهار الذي شهده مجال تكنولوجيا المعلومات الذي تحتل الهند فيه مركز الصدارة بين دول العالم.

لكن العجز التجاري للهند ارتفع نظراً لارتفاع أسعار البترول وزيادة الواردات غير البترولية. ومع ذلك فإن إمكانية تعرض الهند للأزمات الخارجية ما زالت محدودة نظراً لارتفاع احتياطياتها التي تزيد حالياً على 140 مليار دولار ونظراً لانخفاض ديونها الخارجية.

ويتم حالياً إجراء عدد من الإصلاحات على مستوى الدولة منها تقديم ضريبة القيمة المضافة، وفرض القيود على الاستئجار، وتمرير التشريعات التي تتصل بالمسؤولية المالية، وتعديل السياسات المتصلة بالرسوم التي تفرض على مستقبلي الخدمات. وقامت لجنة التمويل بتقديم حوافز للولايات الهندية بهدف تخفيف الديون وإعادة هيكلتها. ويؤكد الخبراء أنه إذا لم تتم معالجة قضايا العجز التجاري، وقوانين العمالة الصارمة، والنظام التنظيمي الضعيف، فستظل تلك القضايا مقيدة للنمو الاقتصادي.

وتبنى البنك الدولي استراتيجية من ثلاثة محاور لتشجيع نمو الاقتصاد الهندي تركز على مساعدة الهند في تحقيق أهدافها التنموية، وعلى توجيه موارد البنك المحدودة إلى الأماكن التي تلقى ترحيباً وتطبيقاً فعالاً فيها. وتركز الاستراتيجية تركيزاً متزايداً على توفير النصيحة العملية لصانعي السياسات فيما يتعلق بالتحديات التنموية الكبرى التي تواجه البلاد وذلك عن طريق المشاركة في الممارسات والخبرات الجيدة المتاحة داخل البلاد وخارجها.

ويتوقع البنك الدولي أن يزيد حجم القروض التي تحصل عليها الهند، سواء الحكومة المركزية أو حكومات الولايات، زيادة كبيرة تصل إلى حوالي 3 مليارات دولار سنوياً، أي ضعف المعدلات الأخيرة، وسوف يتم التركيز على البنية التحتية، والتنمية الاجتماعية (خاصة التعليم والصحة)، وعلى المعيشة في الأرياف.

وتشتمل الاستراتيجيات الجديدة على تحول مهم يتمثل في استخدام الوسائل الجديدة لدعم البرامج المحلية اللازمة لتحقيق الأهداف التنموية للألفية، ومن أمثلة ذلك الائتمان الذي تم تخصيصه بقيمة 500 مليون دولار لتمويل برنامج التعليم الأساسي في الهند. وهذا البرنامج يشارك في تدعيمه العديد من الجهات التنموية الأخرى وفقاً لترتيبات مشتركة. ويتم حالياً تحضير عمليات مشابهة لتحسين برامج الصحة على المستوى المحلي وعلى مستوى الولايات، وتحسين التنمية الحضرية وتحسين الطرق في الريف.

وقد عملت مجموعة البنك الدولي منذ عام 1997 على تركيز دعمها على إصلاح الولايات الهندية التي تولت قيادة التغيير. أما الاستراتيجية الجديدة فهي تهدف إلى توسيع نطاق الدعم الذي يقدمه البنك. وسوف يعتمد الإقراض على مشاركة القطاعات الرئيسية، مع بذل جهود خاصة لتعزيز قدرة الولايات الأكثر فقراً على تقديم الدعم. بحيث يتم تقديم حوار السياسات، خاصة فيما يتعلق بالإصلاحات المالية وإصلاحات الحكم، بالمشاركة مع الجهات المانحة الأخرى (مثل مصرف التنمية الآسيوي، وإدارة التنمية الدولية) إلى أكبر 12 ولاية هندية، وهي الولايات التي تحتوي على 90% من فقراء الهند، وذلك بغض النظر عما يحققونه من تقدم في تطبيق الإصلاحات. ولدى الهند أكثر من مليار نسمة، وتشكل الطبقة المتوسطة نحو 250 مليون نسمة، وهذا يعني أن الطبقة المتوسطة وحدها تعادل تقريباً عدد السكان في جميع الدول العربية المقدر بنحو 280 مليون نسمة وظل اقتصاد الهند ينمو منذ مطلع التسعينات بمعدل 6 في المئة سنوياً، وصعد هذا النمو أخيراً إلى 1. 8 في المئة سنوياً، ومن المتوقع أن يستمر على هذه الوتيرة فترة طويلة جداً، ويتوقع الاقتصاديون أن استمرار النمو بهذا الشكل يعني أن الاقتصاد الهندي سيصبح أكبر من الاقتصاد الإيطالي العام 2015، وأكبر من الاقتصاد الألماني العام 2025، وأكبر من الاقتصاد الياباني العام 2032.

وتخرج الهند 200 ألف مهندس سنوياً، و300 ألف متخصص في دراسات عليا سنوياً و9 آلاف دكتور سنوياً، إضافة إلى نحو مليون متخرج جامعي في مختلف التخصصات الأخرى، يتفرقون من نحو 380 جامعة وأكثر من 1500 معهد للبحوث.

وأفضل دليل على تنامي الاقتصاد الهندي هو أن مؤشر سينسيكس المالي تجاوز خلال الفترة الأخيرة الماضية معدل عشرة آلاف نقطة في حين بلغ إجمالي الاحتياطي الهندي من العملات الصعبة 130 مليار دولار وبلغ فائض ميزان المدفوعات 8 مليارات دولار، كما أظهر الاقتصاد الهندي مؤشرات صحية أخرى مثل سيطرة الحكومة على معدل التضخم وارتفاع حجم الناتج الصناعي وازدياد حجم استهلاك المواطن العادي من الخدمات والسلع.

لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعني بالضرورة تعافي الاقتصاد الهندي بالكامل بل تدل على أنه ماض في الطريق الصحيح فهناك الكثير من التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد لا سيما على صعيد تنمية الموارد البشرية خاصة في الريف الهندي الذي يعاني بدوره من مشاكل صحية وتنموية وتعليمية كثيرة للغاية. وينبني الاقتصاد الهندي على الزراعة التقليدية المعتمدة على الأمطار بمدخلات خارجية منخفضة، والزراعة الحديثة ذات التقنيات والأسس العلمية المتطورة، والأعمال والمهارات اليدوية، بالإضافة إلى الصناعات والخدمات المتعددة التي ساعدت في مجملها على نمو الاقتصاد الهندي وخفض معدل الفقر بحوالي 10%.

البنية التحتية تشكل تحدياً حقيقياً

تمثل مشكلات البنية التحتية التهديد الرئيسي للنمو الاقتصادي غير العادي الذي تشهده الهند التي تحتاج إلى 200 مليار دولار لتعزيز إمدادات الكهرباء والمياه الجارية والطرق السريعة والموانئ والمطارات.

ومن العقبات التي تعوق تطوير البنية التحتية الخلافات السياسية بين حكومات الولايات والساسة على المستوى القومي إلى جانب التمويل. وقال واي.إم. ديوسثالي المسؤول المالي في شركة «لارسن اند توبرو» أكبر شركة هندسية هندية، إنه تم تمهيد 13 ألف كيلومتر فقط من أكثر من ستين ألف كيلومتر ضمن برنامج قومي لتطوير الطرق السريعة في البلاد. بينما أشار إيندرانيل بان ـ كبير الاقتصاديين في بنك «كوتاك ماهيندرا» في مومباي ـ إلى أن البنية التحتية منهكة تماما مما يهدد بتراجع الإنتاج الصناعي في ثالث أكبر اقتصاد في آسيا في السنة المالية 2006-2007.

ومن المتوقع أن يسهم قطاع الصناعات التحويلية القوي وقطاع الخدمات في رفع إجمالي الناتج المحلي الإجمالي إلى 1. 8 % هذا العام.

ويعتمد على الطرق السريعة 85% من المسافرين و65% من حركة شحن البضائع فيما تمثل الطرق السريعة 2% فقط من شبكة الطرق وتستأثر بـ 40% من حركة المرور.

ولا تقتصر مشاكل البنية التحتية على الطرق لكنها تمتد للشحن والمياه والكهرباء إذ تعاني الهند من عجز في إمدادات الكهرباء يصل إلى 10% في ساعات الذروة.

وقال تي.كي بانرجي رئيس فرع مجموعة «هاير إليكترونكس غروب» الصينية للأجهزة المنزلية في الهند- إن مبيعات غسالات الملابس الكهربائية تجمدت عند أقل من مليوني وحدة بسبب عدم وجود مياه جارية على مدار 24 ساعة في معظم المدن. بينما حذر اجيت راناده ـ كبير الاقتصاديين في مجموعة «أديتيا بيرلا» ـ من أن نقص إمدادات الكهرباء قد يوقف النمو في العامين المقبلين.

بومباي ـ «مشهد البيان»: