ساهمت أعمال الحظر على لحوم الأبقار من أميركا الشمالية بسبب مرض الاعتلال الدماغي الاسفنجي البقري (جنون البقر) في هبوط نسبته ستة بالمئة في التجارة العالمية بلحوم الأبقار، بينما أعاقت انفلونزا الطيور في آسيا نمو مخرجات الدواجن العالمية إلى أدنى وتيرةٍ تحفظها السجلات وأدت إلى انخفاض غير مسبوق نسبته 50 بالمئة في صادرات لحوم الدواجن التايلندية.
وكانت النتيجة هي أول انحسارٍ منذ أواسط ثمانينات القرن العشرين في حجم اللحوم المتّجر بها دولياً، وإخلالٌ شديد في سلاسل تسويق الأغذية المحلية والدولية. ويرى محللو فرع سياسات الثروة الحيوانية بمنظمة الأغذية والزراعة، إلى أنه بينما يمكن للعولمة أن تزيد الدخل القومي وتخلق فرص عملٍ وتحسّن التغذية، فإنها «تُعولِم» الأخطار المحتملة على سبل المعيشة والصحة البشرية والبيئة.
ومن أجل إيجاد توازنٍ بين هذه الآثار، اقترحوا في ورقة أعدوها مؤخراً إطار عملٍ لمساعدة البلدان الأعضاء بالمنظمة في التعامل مع الانعكاسات غير المقصودة للعولمة. حيث تحذّر من «أنه من المحتمل للمطالب والتعقيدات أن تنمو، لا أن تتلاشى»، داعيةً إلى حوارٍ أكبر بين المجموعة الدولية والحكومات القطرية وبين القطاعين العام والخاص.
وقامت منظمة الأغذية والزراعة بتطوير إطار العمل المقترح استجابةً لدعواتٍ من البلدان الأعضاء فيها لتقدير آثار تجارة الثروة الحيوانية على الأمن الغذائي القومي، وكذلك للعمل على تحسين وصول صغار منتجي الثروة الحيوانية في العالم النامي المقدّر عددهم بنحو 600 مليون إلى الأسواق. وقد وجدت الورقة أن إنتاج اللحوم في البلدان النامية، للاستهلاك الداخلي وللتصدير معاً، قد نما بنسبة 230 بالمئة، كما نما إنتاج الحليب بنسبة 200 بالمئة منذ أوائل الثمانينات من القرن العشرين.
وتتوقع المنظمة أنه بحلول عام 2030، سيستهلك العالم النامي قرابة ثلثي الإمدادات العالمية من الحليب واللحوم، مقارنةً بثلث واحدٍ فقط قبل 25 عاماً. ومع نمو الطلب، ارتفع حجم الثروة الحيوانية ومنتجاتها الداخل في التجارة الدولية من أربعة بالمئة في أوائل الثمانينات من القرن العشرين إلى زهاء 13 بالمئة من إجمالي الاستهلاك. ومن حيث القيمة، توجد بلدان نامية عديدة - على رأسها البرازيل والصين وتايلاند ـ بين أكبر 20 مصدِّر ومستورد للمنتجات الحيوانية.
لكن صادرات الدجاج ما هي إلا جانبٌ واحد فقط من جوانب العولمة. إذ أنها تستتبع كذلك تدفقات ضخمة من الاستثمارات الرأسمالية والمعلومات والتكنولوجيا، إضافةً إلى الأفضليات الغذائية سريعة التغير و «تقارب الوجبات»، وتبني معايير دولية متزايدة المطالب، والتحركات صوب دمج الأسواق وتركّز الملكية. أما داخل البلدان، كما تقول الورقة، فإن أحد الجوانب الرئيسية ـ على الرغم من أنه كثيراً ما يُغفَل - للعولمة هو الاستثمارات واسعة النطاق من جانب مصنّعي الأغذية وتجار التجزئة الوطنيين والدوليين.
حيث نمت محلات السوبرماركت خلال 10 إلى 15 سنة الماضية، على سبيل المثال، لتغطي أكثر من نصف عمليات بيع الأغذية بالتجزئة في الأرجنتين وشيلي والمكسيك والفلبين وجنوب افريقيا. ومن أجل تحليل الطرق التي تؤثر بها العولمة على المنتجين والمصنّعين والتجار والمستهلكين، يحدد إطار العمل المقترح «خمسة عناصر لتأثيرات السوق» وهي: المنافع والمعايير والاستبعاد والمخاطر والعوامل الخارجية. وتمضي الورقة إلى القول بأن من بين منافع العولمة أنها توفر قدراً أكبر من المرونة للمنتجين والتجار، وتنوعاً أكثر لخيارات سبل المعيشة.
حيث يستفيد المستهلكون من معايير سلامة الأغذية عندما يشترون من بائعي تجزئة كبار أو حينما تؤدي المعايير المطبقة على المصدّرين إلى معايير أفضل على الصعيد المحلي. كما أن وجود سلاسل كبيرة لبيع التجزئة يمكن أن يُخفض من الأسعار التي يدفعها المستهلكون.
ولكن ينبغي للبلدان عند قيامها بتقدير منافع العولمة أن تأخذ في الاعتبار استدامة تلك المنافع، إضافةً إلى قيمتها الكلية وعدد الناس المنتفعين وتوزيع تلك المنافع عند النقاط المختلفة في سلسلة التسويق. وتميل نظم صحة الحيوان وسلامة الأغذية للصرامة في الأسواق الدولية والأسواق المحلية واسعة النطاق.
ولكي تكون مطابقةً لهذه النظم، ربما احتاج البلد لإقامة مناطق خالية من الأمراض سواء على مستوى القطر كله أو مستوى مناطق معينة فيه، وكذلك ضبط حركة الحيوانات وضمان الأمن البيولوجي خلال الإنتاج والتصنيع. كما يمكن أن يفرض بائعو التجزئة اشتراطاتٍ تقنية إضافية، مثل طلب شرائح لحوم محددة أو مستويات دهون محددة في الحليب. ويقترح إطار العمل قيام الحكومات بالنظر في تدابير تخفيض التكاليف مثل تنسيق عمليات إصدار الشهادات، وبدراسة تكنولوجيات بديلة من أجل استيفاء المعايير.
كما يمكن صياغة المعايير نفسها بحيث تسمح بتطوير أسواق التصدير والأسواق المحلية بصورة منفصلة. ويحصل المنتجون الذين يصبحون جزءاً من سلاسل التسويق المتكاملة ـ من خلال تحوّلهم إلى مزارعين تعاقديين مثلاً ـ يحظون عادةً بمستوياتٍ أعلى من المساعدة التقنية وكذلك بأسعار أعلى.
ولكنهم يواجهون أخطاراً أكبر إذا فشلوا في تنفيذ العقد أو فشل بائع التجزئة. وتقول الورقة «بأن الأسواق المعولَمة بطبيعتها أكثر عرضةً للأخطار، لأن السوق برمّته يمكن أن تغلق أبوابها مع تفشي مرضٍ ما أو اكتشاف مشكلة تتصل بالجودة». ولكي تتمكن من إدارة مثل هذه الأخطار، يجب على الحكومات أن تفهم سلسلة السوق كلها وعلاقاتها المؤسسية،
بما في ذلك أحكام العقود وتطبيقها إضافةً إلى الخدمات والتكاليف والعقوبات. كما ينبغي لها أن تدرس العوامل التي تخلق أو تخفّض الأخطار عند النقاط المختلفة في السلسلة، مثل قوانين العمل وخطط التأمين القومية.