مع بدء عرض فيلم «ميونيخ» في دور العرض الأميركية والذي تدور أحداثه حول هجوم نفذه فدائيون فلسطينيون ضد الفريق الإسرائيلي المشارك في دورة الألعاب الاولمبية التي أقيمت في مدينة ميونيخ الألمانية عام 1972 قال الفلسطيني محمد داوود عودة والمعروف باسم أبو داوود وهو العقل المدبر للعملية إن التفاصيل المذكورة في الفيلم غير صحيحة ما عدا الجزء الذي يكشف عن «الطبيعة الوحشية للإسرائيليين».
وقتل 11 رياضيا إسرائيليا إلى جانب ألمانيين وخمسة من المسلحين الفلسطينيين عندما اختطف مسلحون ينتمون إلى منظمة «أيلول الأسود» الفلسطينية الإسرائيليين لمبادلتهم بسجناء فلسطينيين يقبعون في الزنازين الإسرائيلية. وبثت محطات التليفزيون مشاهد الهجوم في مختلف أنحاء العالم. ومن على فراش المرض بأحد المستشفيات الخاصة بالعاصمة السورية دمشق حيث يجري بعض الفحوص الطبية سرد «أبو داوود» تفاصيل دقيقة عن العملية التي قام هو شخصيا وبمفرده بالتخطيط لها.
وقال «أبو داوود» الذي عاش طفولته مع مجموعة من اليهود اليمنيين بشكل اجتماعي عادي في حي سلوان بالقدس إن الفلسطينيين واليهود كانوا يعيشون جنبا إلى جنب حتى بدأ اليهود الأوروبيون بالانتقال إلى إسرائيل مع نهاية الحرب العالمية الثانية. وأوضح إن «الحياة كانت عادية قبل مجيء اليهود الاشكيناز عام 1944 الذين بدأوا بفصل اليهود عن العرب».
ومنذ ذلك الوقت بدأ «أبو داوود» يميل إلى العمل المسلح حتى عام 1967 عندما التقى مع صلاح خلف «أبو إياد» الذي طلب منه أن يتفرغ للعمل «الفدائي» في صفوف حركة فتح، فترك الكويت حيث كان يعيش في ذلك الوقت ليلتحق بدورة في القاهرة. وكانت تلك أول دورة تنظمها حركة فتح من أجل إنشاء جهاز مخابرات أو جهاز أمن لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1968 . وكان من قيادات الحركة في تلك الفترة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وخليل الوزير «أبو جهاد».
وأشار إلى أنه توجه إلى الأردن في العام نفسه بعد انتهاء تلك الدورة التي استمرت ستة أشهر لإنشاء أول جهاز مخابرات لفتح هناك حيث تولى قيادة الميليشيا في الأردن حتى سبتمبر من عام 1970. وأوضح «أبو داوود» إن فكرة تشكيل منظمة «أيلول الأسود» جاءت «لرفع الروح المعنوية لدى الشباب وأن أول عملية للمنظمة هي عملية ميونيخ».
وعن التخطيط لهذه العملية قال أبو داوود: «إن حركة «فتح» كانت ضد خطف الطائرات من ناحية إنسانية وأخلاقية لكنها اختارت الألعاب الاولمبية لأن الفريق الإسرائيلي «ليس مدنيا ولكل عضو من أعضائه سجل يثبت أنه ضابط في الجيش وقام بعمليات قتل للفلسطينيين لذلك أرادت «فتح» خطف الفريق الإسرائيلي ومبادلته بأسرى فلسطينيين في السجون الإسرائيلية».
وأضاف: «إن فكرة العملية نبعت من ناشط فلسطيني يدعى أبو محمد العمري خلال مقابلة جمعت بينهما ومعهما أبو إياد في روما. وقال إن العمري يهتم بالرياضة واختار الألعاب الاولمبية في ميونيخ بعد أن تجاهلت اللجنة المنظمة حتى الرد على الطلب الذي قدمته منظمة التحرير للمشاركة في الدورة «فاقترح العمري أن «ندرس إمكانية المشاركة ـ في الألعاب ـ على طريقتنا الخاصة».
وطلب مني أبو إياد أن أذهب إلى ميونيخ وأدرس الموضوع فذهبت من روما إلى هناك وعملت دراسة واقتنعت بإمكانية القيام بهذه العملية وعدت إلى بيروت بعد أسبوع وأخبرت الراحل صلاح خلف «أبو إياد» أن هناك إمكانية للقيام بالعملية».
«أبو داوود» إلى أنه مكث في لبنان عدة أيام «وعاد إلى ميونيخ. حيث بدأ التحضير للعملية ودرست جميع جوانبها ثم طلبت أن ترسل إليه المجموعة التي ستنفذ فأرسل إليه اثنان من القياديين. وبعد أسبوع اكتمل العدد إلى ثمانية.. وكان من بينهم تشي ومحمد مصالحة وهما من كبار قياديي فتح».
وفي الخامس من سبتمبر عام 1972 تناول فريق التنفيذ العشاء في مطعم للسكك الحديدية «لأسباب مادية ولأنه مكان لا يثير الانتباه» قبل أن ينطلق بسيارات أجرة إلى القرية الاولمبية.
وقال «أبو داوود» إنه بعدما كان الفريق يعتزم دخول القرية الاوليمبية من خلال الجدار الخلفي إلا أنه عند وصول أفراده إلى الجدار «التقينا بالفريق الأميركي العائد من سهرة وهو بحالة سكر وغناء ويحاولون أن يتسلقوا جدار القرية ليدخلوا فعملت على مساعدتهم وانتهزت الفرصة أثناءها وأدخلت المجموعة» دون أن يلاحظها الحراس.
ودبر «أبو أياد» السلاح المستخدم في العملية وتسلمه «أبو داوود» منه «في أحد الفنادق في ألمانيا قبل العملية بأسبوع ولا اعرف من أين جاء به». وعند هذه المرحلة انتهى دور «أبو داوود» إلا أنه تابع أنباء العملية من خلال المحطات الإذاعية والتليفزيونية. وقال إنه علم تفاصيل أكثر عن العملية من منفذيها ممن تبقوا على قيد الحياة بعد انتهائها.
وأوضح أن التعليمات التي أعطيت للمنفذين كانت تتمثل في «الذهاب إلى مركز البعثة الإسرائيلية ليخطفوا الإسرائيليين..ويطلبوا من جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية وقتذاك أن تطلق سراح عدد من أسرانا في الأرض المحتلة مقابل الإفراج عن الرهائن».
وأضاف بالقول: «كانت أوامرنا لهم «المنفذون» صريحة وواضحة وهي «ألا تقتلوا أحدا إلا حين تدافعون عن أنفسكم» وهذا ما حصل». وقال «أبو داوود» إن الأوامر كانت تقضي بأنه في حال بقيت الحكومة الإسرائيلية مصرة على موقفها يطلب المنفذون بعد 20 ساعة «طائرة مدنية من الألمان وأن يغادروا فيها مع الرهائن إلى أي بلد عربي حتى نستطيع أن نحميهم».
وأوضح أن التخطيط لعملية ميونيخ استغرق «ثلاثة أسابيع وبتكاليف بلغت من دون تذاكر السفر للمنفذين حوالي خمسة آلاف دولار تبقى منها 500 دولار تمت إعادتها للجهاز المالي لحركة فتح الذي كان «الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس» أبو مازن مسؤولا عنه دون أن يعلم بأمر العملية».
وقال «أبو داوود» أن ما يرويه «علمه ممن بقي حيا من المنفذين» وهو أنه «بعد دخولهم المبنى جمعوا البعثة الإسرائيلية. كان أحد أفراد البعثة قادماً من الاتحاد السوفييتي السابق كبطل رياضي إسرائيلي.. وحاول خطف إحدى بنادق المنفذين فاضطروا إلى قتله وزميله الذي حاول أن يخطف بندقية أخرى». وأضاف قائلا إن رياضيا ثالثا هرب من النافذة «ولم يقتلوه مع أنه كان بإمكانهم قتله ولم يفعلوا».
وبعد مفاوضات عسيرة مع المسؤولين الألمان ومع الحكومة الإسرائيلية لم تستجب جولدا مائير لمطالب المجموعة وهو ما دفع خاطفي الرهائن لطلب طائرة مدنية ليغادروا على متنها ميونيخ إلى أي بلد عربي. وقال «أبو داوود» إن الألمان وافقوا ولكن «تحت ابتزاز مائير للألمان» قاموا بأخذ الخاطفين والمخطوفين إلى «كمين» في مطار عسكري بدلا من أخذهم إلى مطار مدني «وهناك تمت المجزرة».
وأضاف أن المسلحين الفلسطينيين فوجئوا بأن الطريق أخذ وقتا أطول مما قدروه وهو ما جعلهم يتشككون في أن شيئا ما ليس على ما يرام فجهزوا أنفسهم لمواجهة فخ.
وأوضح «أبو داوود» بالقول إن المسلحين بعد أن نزلوا في المطار طلبوا «التأكد من الطائرة وبالفعل كانت موجودة على أرض المطار ووجدوها خالية تماما وعند عودتهم فتحت الكشافات وجرت المعركة وصار هناك تبادل لإطلاق النار وهذا ما أدى لمقتل خمسة فلسطينيين و11 إسرائيليا وألمانيين وهما الطيار وضابط آخر».
واتهم «أبو داوود» المخابرات الإسرائيلية بالتخطيط لهذا الكمين والمخابرات الألمانية بتنفيذه. واستمرت المفاوضات مع الخاطفين 15 ساعة في القرية الاوليمبية والمطار العسكري بينما استغرق إطلاق النار نحو ساعتين.
وأشار «أبو داوود» هذا القيادي المسن الذي يعاني من المرض إلى أنه على استعداد لتنفيذ عمليات مشابهة طالما ظل «الاحتلال الإسرائيلي» للأراضي الفلسطينية قائما قائلا إنه «ليس نادما على الإطلاق» على تدبيره لعملية ميونيخ. (د.ب.أ)
