في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد مؤخرا في منتجع دافوس، أشار عدد من المشاركين إلى أن فوائض أموال البترول التي تحققت في الفترة الأخيرة نتيجة للزيادة في سعر البرميل والتى وصلت تقريبا إلى حوالي تريليون دولار، سوف تتجه إلى أسواق آسيا (خاصة الصين والهند ودول أخرى في جنوب شرق آسيا ).
وأسواق افريقيا ( خاصة دولة جنوب افريقيا) بينما لم يكن هناك ما يشير إلى ان هذه الأموال او حتى جزء منها سوف تتجه إلى أسواق المنطقة العربية !يحدث ذلك في وقت أصدرت فيه اغلب الدول العربية قوانين جديدة للاستثمار تتضمن مزايا وضمانات إضافية لاستثمار الاموال العربية.
كما صدر منذ عدة سنوات قانون الاستثمار العربى الموحد الذي يتضمن مزايا عديدة للمستثمرين العرب، وأيضا في وقت انشأ فيه مجلس الوحدة الاقتصادية العربية آليات جديدة لجذب الاستثمار العربى البينى.
واسترداد الاموال العربية من الخارج والتى تستثمر هناك في ودائع وحسابات جارية واوراق مالية وعقارات ومصانع ومزارع..الخ، وهى الاستثمارات التي قامت بدور كبير في دعم استمرار التقدم في الدول الأوروبية والأميركية بينما تواجه حالياً بمشاكل عديدة من تجميد وفرض حراسة وصعوبات في تحويل الأرباح وانخفاض في العوائد خاصة بعد احداث الحادى عشر من سبتمبر.
وقال بعض المسؤولين والخبراء العرب على هامش المنتدى الاقتصادى العالمى بما يفيد اعتزامهم الاستفادة من النمو الاقتصادى المتسارع في الهند والصين.
وهو الدافع في تفكيرهم إلى نقل استثماراتهم إلى هاتين الدولتين، وربما جاء هذا التفكير بعد زيارة العاهل السعودى الملك عبد الله إلى هذه الدول في وقت متزامن مع انعقاد المؤتمر واصطحابه لعدد كبير جدا من المستثمرين السعوديين، حيث ذكر رئيس شركة ارامكو السعودية بالحرف الواحد ( نحن في الصين ندرس توسيع استثماراتنا، كما اننا نحاول الاستثمار في الهند.).
وركز المنتدى على اهمية الاستثمار في كل من الصين والهند بعد ان وصل معدل النمو فيهما إلى يقرب من 9 % وهو اعلى معدل نمو في العالم، خاصة وان المنتدى لم يهتم بما ذكره روبرت كيميت المسئول الثاني في وزارة الخزانة الأميركية بأن أبواب الولايات المتحدة الأميركية مشرعة أمام الاستثمارات الأجنبية.
وذلك في محاولة منه لجذب انظار المستثمرين الأجانب، كما لم يهتم المنتدى باستفسارات رئيس بنك بوبى اس الاستثماري في أوروبا والشرق الأوسط وافريقيا عما اذا كانت هناك فرص لتصبح أوروبا منطقة منافسة لجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث كان تركيز المنتدى على الاستثمار في الصين والهند فقط.
أننا لسنا ضد الاستثمارات العربية في الهند او الصين او حتى جنوب افريقيا ، ولكن علينا ان نحافظ ونخطط بحكمة في استثماراتنا الخارجية حتى لا يصيبها التجميد او الحراسة بدعوى الارهاب او غسيل الأموال، ويهمنى التركيز على النقاط التالية عند التفكير في الاستثمار الخارجى:
-الاستفادة من دروس تجميد الاموال العربية في الخارج - في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وهى الدولة التي تقود العالم اقتصادياً لصالحها ودون مراعاة لصالح الدول النامية او الدول الفقيرة وغيرهما من الدول التي لا تريد لها الولايات المتحدة الأميركية ان تتقدم مستقبلا حتى لاتكون قيداً ضد تخطيطها.
وضد تصرفاتها وتحركاتها التي ثبت بالدليل انها تحركات فاشلة، ولست بحاجة ان اذكر كمثال ما يحدث لها حاليا في العراق وفى أفغانستان وسوف يحدث لها أيضاً في اي دولة أخرى تفكر في ضربها حيث انقضى عصر الاستعمار.
- اتجه المستثمرون العرب إلى خارج المنطقة العربية بعد الخمسينات والستينات عندما تم تجميد أموالهم في مصر وبعض الدول العربية الأخرى التي طبقت النظام الاشتراكي، غير ان عصر التجميد العربى قد انتهى إلى غير رجعة بعد ان تأكدت كل الحكومات العربية .
وكل الانظمة السياسية الحاكمة من فشل هذه السياسات، خاصة وان الأموال العربية التي ذهبت إلى الخارج هروبا من القيود التي فرضتها بعض الدول، كان يمكن ان تعمل على تقدم المنطقة العربية لو تم استثمارها داخلها.
وبالتالي كان يمكن ان يكون حال المواطنين العرب غير الحال الذي يعيشونه اليوم في اغلب الدول العربية وبالتالى كان يمكن للغالبية العظمى من ابناء هذه الدول ان تركز تفكيرها على البناء بدلا من التطرف، وعلى الإصلاح المنظم بدلا من الاصلاح العشوائى وهى الأوضاع التي تسود بلادنا اليوم .
- هناك حقائق جديدة يتعين ان يكون المستثمر العربى على دراية بها عند تفكيره في نقل استثماراته إلى دول أجنبية من بينها ان الدول العربية جميعها لم تعتدى منذ السبعينات ولا يمكن ان تفكر في الاعتداء مستقبلا على اية استثمارات عربية ولا أجنبية، وقد أصدرت خلال هذه المدة قوانين استثمارية جديدة لتشجيع الاستثمارات العربية تتضمن مزايا .
وضمانات لم يسبق ان تضمنتها من قبل، وقد أنشأت هذه الدول محاكم استثمارية للنظر في مشاكل الاستثمار بين المستثمرين العرب والحكومات العربية واى طرف أخر، كما ألغت كل الأنظمة العربية السياسات التقييدية التي كانت تتضمن قيودا على المعاملات الرأسمالية.
وانضم ما يقرب من 14 دولة عربية إلى منظمة التجارة العالمية ( الجات) و أنشأت فيما بينها منطقة تجارة عربية حرة لاول مرة حيث ساعدت هذه المنطقة فعلا على مضاعفة التجارة العربية البينية في السنوات الخمس الأخيرة.
- ومن الحقائق الجديدة التي يتعين على المستثمرين العرب مراعاتها والاهتمام بدراستها ان الاموال العربية داخل الدول الاوروبية والأميركية أصبحت تعامل حاليا بطريقة مختلفة عما كانت سائدة من قبل .
حيث انخفضت المزايا والضمانات التي كانت تحصل عليها بعد ان قامت اغلب هذه الدول بتجميد الاموال العربية لديها كما رفع مواطنيها دعاوى ضد العرب لمطالباتهم بالتعويض عن الخسائر التي لحقت بهم في أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
ونتيجة لذلك قامت بنوك اجنبية عديدة بالتحفظ على هذه الاموال لحين البدء في الدعاوى المرفوعة والتي قد تستغرق سنوات بل عقود، وبالتالي فان المناخ العربي الذي أدى في الماضي إلى هروب الأموال العربية للاستثمار في الخارج قد انتقل حاليا إلى الدول الأجنبية .
وذلك بعد أن أصبح في المنطقة العربية مناخ جديد لاستقبال الاستثمارات العربية ومنحها اكبر مزايا وضمانات، كما أن هناك استعداداً للإجابة عن استفسارات وتنفيذ اقتراحات المستثمرين العرب وخاصة تلك التي تتضمن توفير الأمان والاستقرار لأموالهم.
لقد ذكر مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في تقرير اعده مؤخرا « ان الاستثمارات السعودية وحدها خارج المملكة وصلت إلى 750 مليار دولار ـ يوجد في الولايات المتحدة الأميركية منها 60 %، وفى الاتحاد الأوروبي 30 %، والباقي موزع في جميع أنحاء العالم .
ومنها في الإمارات 20 مليار دولار أميركي»، كما تصدرت السعودية جميع الدول العربية في تصنيف مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي حول تنافسية دول العالم في جذب الاستثمارات الأجنبية لعام 2005 والذي تعده هذه المؤسسة الدولية من واقع بيانات 155 دولة في العالم.
اقول ان الاستثمارات العربية في الخارج ضخمة، كما ان المناخ العربي الحالي اصبح مناسبا لاستقبال الاستثمارات العربية وعلى استعداد لمنحها اكبر مزايا وضمانات ممكنة وبما يزيد عما تحصل عليه بالخارج.
كما ان الدول العربية حاليا اصبحت على استعداد لتنفيذ اقتراحات المستثمرين العرب التي تساعد على جذب اموالهم من الخارج وفى معالجة اي مشكلات قد تواجههم مستقبلا ، خاصة بعد نجاح منطقة التجارة العربية الحرة كما ان هناك جهوداً عربية جادة نحو تنفيذ السوق العربية المشتركة في اقرب وقت ممكن.
وفي مايو سينعقد المنتدى العالمي الذي تستضيفه مصر في مدينة شرم الشيخ وسيكون الاستثمار المباشر داخل المنطقة العربية وكيفية تذليل الصعوبات التي وقفت في طريقه من أهم الموضوعات التي ستناقش به، وأرجو ان يصل المجتمعون إلى وسائل عملية تنفيذية وليس إلى مجرد توصيات نظرية وان يبدأ تطبيقها بعد انتهاء المنتدى مباشرة.
إن على الحكومات والجهات الرسمية والمنظمات العربية المتخصصة ان تتحرك سريعاً دون انتظار المنتدى ـ تتحرك بالاتصال المباشر بين الطرفين؛ المستثمر والجهة التي تعرض المشروع العربي .
وقد اقترحت على بعض المنظمات العربية المتخصصة ان يتم ذلك عن طريق غرفة عمليات تتزود بأحدث تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتنفيذ ذلك حيث ان هناك حاليا ما يقرب من 3500 مشروع إنتاجي جاهز للإنشاء قام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بتجميعها من مختلف الدول العربية بهدف إنشائها في اقرب وقت ممكن وبمساعدة من المستثمرين العرب.
كاتب اقتصادي مصر