منذ سنوات لم نسمع أي مسؤول في أي دولة عربية مصدرة للنفط يشير صراحة أو مداورة إلى التهديد بـ «سلاح النفط» الذي كان شائعاً في السبعينات في الدول العربية التي لم تكن غالباً تصدر النفط.

لذا يمكن اعتبار تجنب ترديد مثل هذه العبارات مساهمة أساسية في تهدئة مخاوف المستهلكين خصوصاً في هذه المرحلة المضطربة التي تتميز باستمرار احتلال دولتين إسلاميتين هما العراق وأفغانستان وتزايد الضجيج الغربي في شأن احتمال القيام بعمل عسكري ضد دولة إسلامية ثالثة هي إيران واستفزاز اليمين الغربي للمسلمين تحت غطاء حرية الرأي.

ولم نسمع، حتى الآن على الأقل، أي مسؤول صيني أو هندي أو أوروبي يشير صراحة أو مداورة إلى وجود تهديد بـ «سلاح النفط» لكن الصين لم تترك باباً لم تطرقه في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وكندا بحثاً عن فرص ضمان تدفق الواردات النفطية.

ومثلها الهند لكن في صورة أقل حدة وقلقاً، ومثلهما أيضاً غالبية الدول الأوروبية ودول أخرى اكتشفت فجأة ان قسماً كبيراً من مواطنيها باتوا يعيشون مرحلة جديدة من العصر الجليدي لأن روسيا أوقفت شحن النفط أو الغاز إليها لذرائع شتى خلال الشتاء الحالي الذي يعتبر الأقسى منذ 100 عام وتدنت فيه درجة الحرارة إلى 33 درجة مئوية.

كما بالنسبة لأوكرانيا وجورجيا. وخلال الثمانينات من القرن الماضي تطورت في بريطانيا وأميركا نظريات اقتصادية ارتأت التخلي تدريجاً عن القاعدة الصناعية لصالح الخدمات.

وتسارع هذا الاتجاه في الولايات المتحدة خلال التسعينات ووصل إلى مرحلة متقدمة في نهاية القرن الماضي عندما ساد اعتقاد بأن ما يعرف باسم اقتصاد المعرفة (الاتصالات والإنترنت والاقتصاد الالكتروني والأعمال الإبداعية وما شابه) يمكن أن يولد فرص عمل متميزة تعوض فرص العمل التي تخسرها القطاعات الصناعية.

واقتضت هذه القناعات الاقتصادية الجديدة البحث عن شركاء تجاريين يستطيعون إنتاج البضائع الاستهلاكية الرخيصة وتشجيعهم على استهداف الأسواق الغربية وفق مواصفات مناسبة وانتج هذا السعي عام 2000 اتفاقية تجارية غير مسبوقة بين الولايات المتحدة والصين منحت واشنطن بموجبها بكين وضع «الدولة ذات العلاقات التجارية الدائمة».

ومنذ ذلك التاريخ طرأ تطوران جوهريان لم تستطع الولايات المتحدة التدخل بسرعة كافية لمنع مضاعفاتهما: الأول هو انهيار أسعار أسهم شركات التقنية الأميركية وضياع القسم الأكبر من فرص العمل المتميزة في قطاعات اقتصاد المعرفة ومن ثم انتقال مئات الألوف من فرص العمل المماثلة في الولايات المتحدة إلى دول ناهضة تقنياً مثل الهند.

أما التطور الثاني فهو تمكن الصين من تحقيق نمو اقتصادي مذهل وتطوير صناعاتها بسرعة، فهيمنت على قطاعات استهلاكية واسعة خصوصاً الملابس والأقمشة مما أدى إلى خروج مئات الشركات الأميركية من السوق.

ويتضح مدى هيمنة الصادرات الصينية على الأسواق الأميركية من استعراض ميزان التبدال التجاري بين الصين والولايات المتحدة اعتباراً من عام 2000 إذ حقق نمواً قياسياً لصالح الصين في كل عام .

وارتفعت صادرت الملابس والأقمشة في العام الماضي وحده بنسبة 43 في المئة تقريباً مقارنة بالعام 2004 مما ساهم في تسجيل الولايات المتحدة عجزاً تجارياً أسطورياً مع الصين لم تعرفه في تاريخها مع أي دولة أخرى فبلغ نحو 200 مليار دولار.

أو نحو 27 في المئة من إجمالي العجز التجاري الأميركي الدولي الذي سجل هو الآخر ارتفاعاً قياسياً العام الماضي ليصل إلى 726 مليار دولار في وقت اقتصر فيه العجز التجاري الأميركي مع سائر دول أوبك على نحو 92 مليار دولار على رغم الارتفاع الكبير في سعر النفط.

ولم تشتك الحكومة الأميركية أو مجلس الشيوخ في صورة ملفتة من ارتفاع العجز التجاري مع الصين في الأعوام الماضية لأن الصين كانت تعيد ضخ معظم عائداتها من الصادرات إلى الاقتصاد الأميركي من خلال شراء السندات وأذونات الخزانة .

وكان التزامها بالدولار الأميركي وفضلت لعب دور ثانوي في الشرق الأوسط، لكن الوضع تغير في العام الماضي وبدأت الصين، مثلها مثل دول كثيرة، في تنويع احتياطاتها المالية وشراء كميات كبيرة من الذهب، والسعي إلى تمتين علاقاتها مع الدول العربية وإيران.

وإذا أضيف إلى الأسباب الاقتصادية الخلاف الواضح بين واشنطن وبكين في شأن معالجة الأزمة مع إيران فلعل من الممكن فهم الدوافع الحقيقية وراء محاولة بعض أعضاء مجلس الشيوخ وقف العمل باتفاقية عام 2000 .

وإعلان الإدارة الأميركية ان التجارة مع الصين «تفتقد المساواة والاستمرارية والتوازن»، وتشكيل فريق مهمته «ضمان انصياع الصين للقواعد والأعراف التجارية العالمية».

وتستهلك الصين نحو سبعة ملايين برميل من النفط يومياً يغطي انتاجها المحلي ما نسبته 57 في المئة وتعتمد على نفط الشرق الأوسط لتغطية نحو 60 في المئة من وارداتها مما يضعها في المرتبة الثانية من جهة استيراد النفط بعد الولايات المتحدة. لكن تحقيق نسبة نمو اقتصادي في حدود 8 ـ 10 في المئة خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة سيقتضي زيادة وارداتها بنسبة 150 في المئة.

وتعتقد الصين ان الشرق الأوسط الذي يحتوي 70 في المئة تقريباً من مخزون النفط الثابت في العام يشكل مصدراً رئيسياً مناسباً للنفط الذي تحتاجه لكنها تواجه مقاومة أميركية عنيدة، تلوح واشنطن فيها باستخدام السلاح الذي نبذه العرب وهو النفط.

كاتب ومحلل اقتصادي