قال خبراء اقتصاديون إن التلوث يكلف الصين خسائر تقدر بمليارات الدولارات. وتؤكد الشواهد أن هناك أياماً تمر على بكين يكون الضباب الملوث بالأدخنة كثيفا الى درجة تمكن السكان من النظر مباشرة الى الشمس. ويرقب سكان المدينة التي ستستضيف دورة الألعاب الاولمبية عام 2008 مؤشرات تلوث الهواء كما يرقبون تقارير الأرصاد الجوية.
وتزهو بعض المدن الصينية بناطحات سحاب مبهرة وتحولت بعض المناطق الريفية المتخلفة الى مراكز صناعية لكن عقدين حققت فيهما البلاد معدل نمو يفوق 9.5 بالمئة سنويا كان لهما ثمن.
وتحاول الحكومة الصينية ان تحسب بدقة الثمن الذي تتحمله بسبب الهواء الخانق ومياه الأنهار الملوثة والنفايات السامة وتروج لمفهوم مؤشر »النمو النظيف«، المرجح ان يناقش في الجلسة البرلمانية السنوية التي ستعقد يوم الخامس من مارس المقبل.
وقال بان يو نائب رئيس هيئة حماية البيئة الصينية وابرز نشطائها في حديث مع وسائل الإعلام المحلية »النمو النظيف يخفض من الخسائر البيئية. ويمكنه ان يختبر ويقيس بشكل أفضل نوعية التنمية الاقتصادية ويجنب تصور تحقيق انجازات وهمية«.
وأوضح أنها فكرة تناسب نموذج التنمية الذي تحاول قيادة الرئيس هو جين تاو ورئيس الوزراء وين جيا باو طرحه والذي يدعو إلى تهدئة إيقاع النمو الاقتصادي مع التركيز على نمو متوازن.
لكن التغييرات من المتوقع ان تكون صعبة التنفيذ. فالزعماء المحليون معتادون على أن يقيم أداؤهم بمعدل النمو المتحقق أكثر من أي عامل آخر وسيخشون من أن يؤثر تشديد القيود البيئية على الحد الأدنى للنمو الذي يحققونه.
ويقول المحللون ان الخطوة الأولى هي وضع نظام للمحاسبة فيما يتعلق بتلويث البيئة للحصول على تقييم أدق للتكاليف المتعلقة بالتلوث.وقال اندريس ليبنثال خبير البيئة في البنك الدولي »من الواضح لأي عاقل أن الوضع يجب ان يتغير. أما الأمر غير الواضح فهو أي استراتيجية يتعين استخدامها لتحقيق هذا التغيير«.
ويجري الإعداد لعدد من المشروعات الرائدة لاختبار نظام المحاسبة الذي يقيس تكاليف التلوث لكن هناك سلسلة كاملة من الأدوات منها نظم التسعير والضرائب على الموارد الطبيعية يتعين تعديلها. وقال ليبنثال »سعر المياه على سبيل المثال يعكس فقط تكلفة النقل والمعالجة وليس قيمة الندرة او التكلفة المتعلقة بالتلوث«.
وفي حين تحظى فكرة النمو النظيف بالتأييد بين كبار القادة في البلاد الذين يحرصون على الإبقاء على الفجوة بين الأغنياء والفقراء تحت السيطرة ومنع أي اضطرابات اجتماعية الا أنها تحظى بشعبية أقل بين المسؤولين المحليين الذين يحرصون على زيادة الاستثمارات بالدولار وحصيلة الضرائب.
وتحاول الحكومة تغيير ذلك من خلال إجراءات تنظيمية واسعة النطاق تهدف الى إدخال الخسائر البيئية في قياس النمو الإقليمي وفي تقييم أداء المسؤولين المحليين.
وقال تشانج جيان يو المسؤول عن الصين في مؤسسة انفايرمنتال ديفنس ومقرها الولايات المتحدة »اذا أريد التغيير حقا يتعين تطوير نظام تصبح فيه البيئة عنصرا يقوم بدور أكبر في وضع أو تقييم سلوك المسؤولين المحليين«.
ولكن في حين تضم الصين 20 من بين أكثر 30 مدينة في العالم معاناة من الضباب الملوث بالأدخنة ونحو 400 ألف حالة وفاة سنويا مرتبطة بتلوث الهواء ويمثل التلوث سببا متكررا لأعمال الشغب فإن الحاجة لتحويل تعهدات شبه يومية بتحسين البيئة إلى عمل فعلي أصبحت أكثر إلحاحا.
وكتب ناثان نانكيفيل الباحث في إدارة الدفاع الوطني في كندا في تقرير حديث يقول »التقديرات تشير إلى انه يتعين تحقيق معدل نمو سبعة بالمئة سنويا للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. غير ان التلوث يكلف الاقتصاد بالفعل ما بين ثمانية و12 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي سنويا«.
وفي بلدة تشيجيانج في اقليم شينتشانج أدت أعمال شغب الى إغلاق مصنع محلي كان يلقي مخلفاته في النهر. وربما كان المصنع يحقق دخلا للسلطات المحلية لكن السؤال الذي يطرحه السكان هو كم كان ثمن ذلك.
وأشارت واحدة من السكان قالت ان اسم عائلتها سونج الى حقول مسممة من نافذة متجرها الصغير وقالت »الوضع تحسن منذ الاحتجاج لكن بالتأكيد مازال هناك أثر سلبي علينا. يكفي النظر للمحاصيل«.وكان الاحتجاج في شينتشانج واحدا من ثلاثة احتجاجات في اقليم تشيجيانج وحده في العام الماضي بسبب التلوث.
وخصصت الصين مبلغ 3.3 مليارات دولار لتنظيف نهر سونجهوا في شمال شرق البلاد والذي تسمم في نوفمبر بعد انفجار مصنع للكيماويات مما تسبب في بقعة مسممة لوثت موردا يمد الملايين بمياه الشرب النقية.
وتختلف آراء الاقتصاديين بشأن تكلفة المشكلات البيئية. ويقدر البنك الدولي أن تلوث الهواء والمياه يكلف الصين نحو ثمانية بالمئة من اجمالي الناتج المحلي. لكن التكاليف تختلف بدرجة كبيرة من أقليم لآخر.
على سبيل المثال نقل تقرير لدويتشه بنك عن مسؤولين عن المدن في اقليم شانشي الاكثر انتاجا للفحم في الصين قولهم انه إذا أدرجت خسائر تلوث البيئة في حسابات إجمالي الناتج المحلي فإنها ستبدد كل النمو المتحقق في العقد الماضي.
وعلى الرغم من الحتمية الاقتصادية يقول المحللون ان مسؤولي البيئة في الصين سيواجهون مهمة صعبة في تحويل مفهوم النمو النظيف الى سياسة مجدية. وقال تشانج من انفايرمنتال ديفنس »انها فكرة جيدة جدا، لكن مدى عمليتها والقدرة على تنفيذها في الاوضاع المحلية أمر في غاية الصعوبة«.