تجلس عشر سيدات هنديات على مقاعدهن أمام طاولات الحياكة في مدينة كانيا كوماري الصغيرة في الجنوب، يرتدين الساري الملون بالألوان الزاهية ويضعن الياسمين في شعورهن قبل التوجه للعمل.

يتطلب عمل هؤلاء السيدات حرفية صعبة وهن يطرزن القماش بالإبر الرفيعة، وعندما ينتهي التصميم يسحبن القماش ويتركن مساحة ضيقة علي الأطراف. وتستغرق السيدة من هؤلاء نحو 200 ساعة عمل لإنتاج 45 سنتيمتراً من القماش المطرز، ويكسبن نحو 3000 روبية (68 دولاراً أميركياً) شهرياً لقاء هذا العمل.

العمل التقليدي في جنوب الهند هو التطريز، ويبدو أنه مستمر في احتلال هذه المكانة، والتطريز عمل يدوي تجاري يقوم به محترفون في دول نامية قليلة، وقلة قليلة من الفنانين في أوروبا، بعد أن فقد بريقه في الدول المتقدمة من نحو قرن.

ورغم أن التطريز ليس له علاقة كبيرة بالتقاليد الهندية ولا توجد أعمال تطريز في المنازل الهندية، إلا أنه مصدر العيش لمئات السيدات في جنوب الهند. وتوارثت السيدات هذه المهنة منذ القرن التاسع عشر.

وعندما زارت بعثات تبشيرية من بلجيكا وأماكن أخرى من أوروبا هذه المنطقة. وتقول أرونا سيث المصدرة وتتعاون مع خياطات التطريز لإحياء المهنة: إن كل شيء خلاف التطريز يتم بالماكينات.

وازدهرت صناعة التطريز اليدوي في أوروبا لعدة قرون ووفرت مصدر عيش لآلاف العمال. ومن القرن السادس عشر حتى الثامن عشر كان التطريز من المنتجات الفاخرة ويضاهي المجوهرات. ونضبت كثير من الخزائن الملكية لإرضاء مطالب الملوك والملكات من الملابس المطرزة يدوياً.

ويتجسس العاملون في مجال التطريز على بعضهم البعض لسرقة التصاميم الجديدة، وطبقت حكومات حظراً على واردات التطريز اليدوي لحماية صناعتها المحلية.

ثم تسرب التطريز إلى عامة الناس خلال العصر الفيكتوري بعد أن كان مقصوراً على الطبقة الأرستقراطية والملكية، وأصبح بعد ذلك رمزاً للطبقة المتوسطة، وظهرت أعمال التطريز على مفارش الموائد وملابس العرس والملابس الداخلية وملابس النوم وفق ما يقوله سانتينا ليفي مؤرخ التطريز.

وانتشر التطريز اليدوي في أميركا أيضاً عن طريق المستوطنين الذين استوردوه من بريطانيا، ثم بدأ إنتاجه محلياً. وبعد تقدم ماكينات التطريز خلال العصر الصناعي زادت ندرة التطريز اليدوي في الغرب. وبدأ التطريز في الهند كوسيلة لمساعدة السيدات في الهند على كسب العيش.

وكان التطريز وسيلة جيدة في الوقت الذي كان من الصعب على المرأة الهندية أن تعمل خارج المنزل، وليس هناك مواد مكلفة، بل الخيط فقط والإبر والتصاميم، من جانب آخر صناعة التطريز تتطلب ظروفاً صحية خاصة، فلا يجوز وجود أي أتربة أو قاذورات، لذلك كانت مهنة التطريز تشجع على النظافة وإعلاء القيم وتحسين الصحة.

وعلمت الأوروبيات السيدات الفقيرات في الهند، رغم أن من تعلمن كن من الأرامل أو غير المتزوجات فقط، فتعلمن التطريز وأعمال خياطة أخرى تصدر منتجاتها للخارج، وحتى مع انخفاض شعبية التطريز في القرن العشرين، استمرت المهنة توفر مصدر عيش لجيوب ريفية في الهند.

وتريد السيدة سيث أن تحافظ على هذه المهنة من الانقراض، وتتركز صادراتها من شيناي رابع أكبر المدن الهندية، في أغطية الموائد الملونة وأغطية الوسادات المطرزة، وتمارس السيدة سيث هذه التجارة منذ 20 سنة وتبلغ مبيعاتها 16 ألف دولار سنوياً.

وتمضي غالبية وقتها في البحث عن فرص لصناعة التطريز على أمل استمرار هذه المهنة، وتواجه سيث منافسة من الاقتصاد العالمي، فغالبية منتجاتها تباع بالتجزئة بضعف السعر الذي يشتري به تجار الجملة منها، وهو يتراوح بين 14 و47 دولاراً للقطعة.

وتقول إن عملاءها يقولون لها إنهم يستطيعون الحصول على هذه المنتجات بأسعار أقل من الصين أو فيتنام. لكنها تقول إنها لن تخفض أجور العاملات لديها، وستستمر في تسويق ما تراه أعمالاً متميزة عالية الجودة. ولا يزال التطريز ينتج في دول أخرى في آسيا مثل الصين وفيتنام واندونيسيا والفلبين وتايلاند وسيريلانكا وغيرها.

وشاهدت سيث تطريزاً أوروبياً يباع في محال سياحية في بلجيكا، وتقول إن الأوروبيات ينتجن التطريز اليدوي كهواية فقط، وتقول إنه من الصعب عليها هي أن تفرق بين التطريز اليدوي والماكينة، رغم أنها محترفة في صناعة التطريز، فما بال السائحين الذين يشترون هذه المنتجات.

وتدرس السيدة روز ماري يوشيداس (57 سنة) صناعة التطريز للسيدات الجدد اللائي يأتين للعمل لدى السيدة سيث. وتقول: إذا تعلمت التطريز سيكون لديك مهارة ووظيفة مدى الحياة، لكن إذا استمر الطلب في الانخفاض، ستموت هذه الحرفة وهذا الفن والوظيفة أيضاً.

ترجمة أشرف رفيق