ويقول الدكتور عماد الجمل الخبير الدولي في التحكيم والمنازعات بأنه لا يجوز الفصل بين ارتفاع كلفة البناء وبين باقي الارتفاعات في الأسعار والزيادات التي طرأت على السوق مؤخرا، فالزيادة في تكلفة البناء نتيجة حتمية لزيادة الأسعار في الأراضي ومواد البناء والنقل والوقود وغير ذلك.

ولفت الجمل إلى أن المقاول ليس مسرورا بالزيادة في تكلفة البناء ولا بالزيادة في أسعار مواد البناء وأجور العمالة وأجور سكن العمال وغير ذلك من الفعاليات التي تتطلب إنفاقا ماليا من المقاول.

وتوقع الجمل أن لا تشهد الأسعار انخفاضا كبيرا إذا ما انخفضت. لكن الكندي تمنى أن يتحكم العرض والطلب بكل الأسعار في سوق تحكمه الشفافية وقوانين السوق الحرة المفتوحة، بعيدا عن الاستغلال الذي يجر المشاكل على القطاعات التي تحدث فيه.

كما لم يستبعد الجمل في ضوء أزمة 2004 ان تغلق بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة أبوابها «وتعتزل» لعبة المقاولات إذا ما استمر الحال على ما هو عليه من زيادة عدد وقيمة «الفواتير» الواجب على المقاول دفعها بمناسبة وبدون مناسبة!!

وقريبا من صناعة المقاولات، باتت صناعة العقارات والمشتغلين فيها هدفا لـ «الفواتير» وأول الغيث تعديل رسوم المعاملات العقارية والخدمات التي تقدمها دائرة أراضي وأملاك دبي.

ويقول رجل الأعمال فردان الفردان «ان أي زيادة مهما كانت وبأي حجم ستكون لابد أن تؤثر. وقال إن الأمر لا يحتاج إلى تفكير طويل للخروج بالنتيجة، فقيمة الرسوم المقترحة ليست في تناقص بل في طريقها صعودا ربما بما يواكب كل الزيادات الحاصلة في السوق».

واستبعد الفردان ان تتعرض المكاتب العقارية إلى خسائر بسبب «الرسوم» الجديدة وتجبرها على «الاعتزال» وقال إن أداء الشركة أو العقاري هو الذي يقف وراء بقائه في السوق أو خروجه منه.

وتدرس حكومة دبي تعديل رسوم المعاملات العقارية التي تقدمها دائرة أراضي وأملاك دبي. ويتوقع صدور قرار التعديل قريبا.

ويقول مصدر في الدائرة إن الرسوم المقترحة تشمل معاملات المساطحة والبيع والتثمين العقاري والرهن والمزادات. موضحا «أن التعديلات الجديدة المقترحة تفرض لأول مرة رسوما على معاملات العقارات التي يتم بيعها بالمزادات العلنية التي كانت تقيمها الدائرة بدون مقابل سابقا، وستشمل الرسوم الوسطاء العقاريين الذين يستوجب عليهم دفع مبلغ 5 آلاف درهم رسوم تسجيلهم في الدائرة ومنحهم تصريحا رسميا يجيز لهم ممارسة المهنة».

وطبقا للمصدر ذاته فإن الدائرة كانت تتقاضى نسبة 5,1% من قيمة عملية البيع و 5 ,0% على البائع لكن تلك النسبة سيتم تعديلها لتصل إلى 1% من البائع و1% من المشتري.

وتفرض «أراضي وأملاك دبي» حاليا رسوما بنسبة 25 ,0 % يدفعها المرتهن من قيمة معاملة الرهن، لكن التعديلات الجديدة تشير إلى أن قيمة تلك الرسوم يجب أن لا تتجاوز حدود المليون ونصف المليون درهم .

شبح الخسائر

ويرى المهندس عبدالله عطاطرة رئيس مجلس إدارة مجموعة «بنيان» الدولية للاستثمار ان المقاول يواجه تحديات كبيرة لكنه بحكم تجربته بات ذكيا في تعامله مع تلك التحديات .

لكن عطاطرة لفت إلى ان ذلك لا يعني ان كل الشركات قادرة على تحمل رسوم وزارة العمل أو تحمل زيادات أسعار مواد البناء أو الوقود وغير ذلك من فقرات القائمة الطويلة لفاتورة «الزيادات» المطلوب من المقاول تحملها .

وتساءل المهندس عطاطرة عن الأسباب التي تدفع المقاول إلى رفع أسعاره غير ارتفاع أسعار الكثير من الأدوات البشرية والفنية والتقنية التي يستخدمها المقاول لتنفيذ المشروع.

وأوضح أن من يطلق مثل هذه الاتهامات يجهل تفاصيل عمل شركات المقاولات التي لا تأخذ غير الصيت بأنها مستفيدة من الطفرة في المشاريع مع أن الرابح الأول والمستفيد الأكبر كل القطاعات المرتبطة بأعمال المقاولات، في حين يرزح المقاول تحت سياط النفقات والأسعار والتكاليف المتزايدة في القيمة والتي لا تناسب المردود.

وأشار إلى أن المقاول اليوم يواجه ارتفاعات سعرية أجبرته على رفع تكلفة البناء كي يبقى في مأمن من الخسائر ومع ذلك لن يكون بمنأى عن شبح المشكلات المالية برغم كل إجراءاته الاحترازية،.

وعلى سبيل المثال أصبح المقاول الذي يواجه مشكلة في إنتاجية مهندسيه ومراقبي العمل لأنه مضطر إلى رفع عددهم إلى 10 بدلا من 2 لأن الزحام المروري يمنع الكادر الفني من المواءمة بين الالتزامات العملية والعائلية بسبب ضياع 6 ساعات يوميا في الطريق وحده.

وهذه المشكلة تنسحب على الآليات التي تنقل العمال والمواد إلى مواقع العمل، الذي غالبا ما يكون مزدحما أو يكون ضمن منطقة مشروع مكتظة بآليات المشاريع الأخرى مما يرغمها على التأخر في الوصول لساعات طويلة تجبر المقاول على تسيير باصات أكثر واليات أكثر إلى مواقع العمل لتلافي التأخر في تنفيذ المشروع.

علما بأن أجور النقل زادت بنسب غير معقولة، ناهيكم عن أجور العمالة التي يصل معدل الإنفاق الشهر على العامل نحو 2000 درهم بين ضمانات بنكية وتذاكر سفر وراتب وسكن، أما سكن العمال فهو من الأمور التي يخفى على غير المطلعين كيف أنها تسبب في رفع التكلفة الإجمالية للمشروع لأنها تكلف المقاول من جهة أخرى.

الحلقة الأضعف

ويقول علي موسى رئيس شركات علي موسى وأولاده، إن الكثيرين سيرفعون أصابع الاتهام بوجه شركات المقاولات إذا ما رفعت أسعارها جراء الزيادة المتوقعة في أسعار مواد البناء والنقل والأجور وكل ما له علاقة بقطاع البناء، فتلك الشركات لم تزل هدفا سهلا لسهام النقد والاتهام ، فهي في الواجهة دائما، وربما هذا ما يجعلها تدفع ثمنا باهضا، فالمقاول هو الحلقة الأضعف، وهو المعرض دائما للخسارة.

وهو من يحصد في النهاية اللوم والعتب والمسؤولية، لأن الناس لا ترى أمامها التجار، ولا ترى من يرفع الأسعار، ولا تعرف الأسباب الحقيقية التي تجبر المقاول على مواكبة الأسعار (ولا أقول رفع الأسعار)، لان المقاول مجبر وليس مخيراً في مسألة رفع أو عدم رفع الأسعار فإذا ما ارتفعت الأسعار.

واكب من جانبه تلك الزيادة كي لا يخسر والى درجة كبيرة يقوم المقاول بمواكبة الزيادة بتقليل هامش ارباحه من المشروع، وفي بعض الأحيان يضطر المقاول إلى تنفيذ المشروع بسعر التكلفة او بهامش من الخسارة.

ويقول إبراهيم يوسف الرحماني مدير شركة الرحماني احدى أبرز شركات تجارة مواد البناء بالدولة انه ليس من مصلحة المقاول استغلال ارتفاع أسعار الوقود ومن ثم ارتفاع أسعار مواد البناء ليرفع أسعار تكلفة البناء، وربما العكس صحيح لأنه في حال ارتفعت الأسعار فإن المقاول اقرب إلى الخسارة منه إلى الربح.

وإذا ما علمنا أن سوق مواد البناء الذي يبلغ حجمه 15 مليار درهم سنويا وينضوي تحته نحو 40 مادة، شهد قفزات سعرية غير مسبوقة في غضون الأعوام الثلاثة الأخيرة.

وكان الوسطاء والتجار يبيعون كيس الاسمنت بـ 6 دراهم أو أكثر بقليل من الفلسين قبل عامين أو أكثر... لكن ما لبثت القناعة والرضى بالقليل الطيب تتبخر، فرفع بعضهم الأسعار إلى مستويات كبيرة، وارتفع سعر كيس الاسمنت في غضون أشهر معدودة من5 إلى 6 دراهم إلى 8 وإلى 12 إلى و20 و25 و28 و.... وصل إلى 30 درهما واختفى من الأسواق وأصبح نادراً!!

وأصبح من الصعب ان يحصل المقاول على أكثر من 100 كيس فقط، مع أنه طلب 10000 آلاف كيس، ولم يجد المقاول غير التوجه إلى تلبية ما يحتاجه بأسعار خيالية من الوسطاء وتجار السوق السوداء !!