تختلف أهداف السياسات النقدية تبعاً لمستويات التقدم والانتعاش الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات المختلفة، والنظم الاقتصادية والاجتماعية السائدة، ففي الدول الصناعية تتركز أهداف السياسات في المقام الأول في المحافظة على العمالة الكاملة للاقتصاد في إطار من الاستقرار النقدي الداخلي في مواجهة التقلبات الاقتصادية المتنوعة،

وتتبع الدول في هذا المجال بعض السياسات النقدية كعمليات السوق المفتوح أو تعديل سعر الفائدة أو تغيير نسبة الاحتياطي النقدي لدى البنوك والمؤسسات المالية، والسياسات النقدية النوعية مثل التأثير في الائتمان الاستهلاكي أو الائتمان لأغراض المضاربة،

إلا أن السياسات النقدية وحدها لا تعد كافية في تحقيق هذه الأهداف وفقا للآراء الكينزية، مما قلل من أهميتها وزاد من الاعتماد على السياسات المالية المتعلقة بالإنفاق العام والضرائب والإقراض الحكومي.

أما في الدول النامية فإن الأهداف الأساسية للسياسة النقدية تتركز في خدمة أهداف التنمية وتوفير التمويل اللازم لها، مما يستوجب تطوير أجهزتها المصرفية والائتمانية وتوجيه نشاطها نحو خدمة أهداف التنمية الاقتصادية، ومن بين أسس التطوير توفير المدخرات الكافية وتوجيهها نحو الاستثمار،

واتباع السياسات النقدية المناسبة للأوضاع الاقتصادية وخطط وبرامج التنمية حتى لا تحدث اختلالات نقدية تؤثر على مسار التنمية، بالإضافة إلى دعم البنك المركزي وإحكام رقابته على أنشطة البنوك والمؤسسات المالية خاصة في مجال التسهيلات الائتمانية من حيث نطاقها وآجالها.

وقد شجعت بوادر الانتعاش الاقتصادي المستثمرين على شراء الأسهم، فضلا عن انتعاش أسهم التكنولوجيا، وعلى هذا الأساس فإن الدول النامية لا تستطيع أن تكسب أية فوائد من العولمة ما لم تعمل على تحقيق تنمية سريعة ومتواصلة لكي تلبي متطلبات الظروف التي ستكون سائدة في ظروف حرية التجارة العالمية والعولمة،

ولهذا فإن الرابط بين نمذجة السياستين في الدول المتقدمة والنامية هو ارتباط العملة بالمثبت السعري، والذي يعد من المقومات الرئيسية للسياسة النقدية، والدول التي ترتبط عملاتها بالدولار غالبا ما تكون غير قادرة على اتباع سياسة نقدية مستقلة (أي تحديد أسعار فائدتها المحلية بما يتلاءم مع ظروفها) دون فرض قيود على حركة رأس المال عبر حدودها أو فرض قيود على التوسع في الائتمان من قبل البنوك،

ففي دول التعاون يكون استعمال أسعار الفائدة غير المباشرة والتي تعتمد على السوق لإدارة السيولة. حيث تشهد اقتصادات الولايات المتحدة ودول التعاون طفرات استهلاكية قوية، وقد لا تكون للأسباب نفسها، بينما يوجد إجماع على أن اقتصاد الولايات المتحدة بحاجة إلى الارتفاع التدريجي لأسعار الفائدة،

وقد يكون هناك رأي بأن اقتصادات دول التعاون بحاجة إلى ارتفاع أكثر في أسعار الفائدة من أجل تهدئة ما يبدو بأنه تضخم مرتفع للأسعار الاستهلاكية، والطفرة الأقوى في أسعار الأصول، مع هذا فإن النظرة السائدة بضرورة وجود سياسة نقدية مستقلة أو أسعار فائدة أعلى في دول التعاون لا يمكن طرحها بشكل واضح لا لبس فيه في غياب إحصائيات عن التضخم ودراسات تحليلية شاملة بما في ذلك آثار الارتفاع المفرط لقيم الأصول على تضخم الأسعار الاستهلاكية،

وانعكاس السياسة النقدية يظهر في مؤشر الانتعاش الاقتصادي، ومن دلالات المؤشر ازدياد الناتج الصناعي، وتحسن الإنتاج وزيادة الإنفاق الاستهلاكي واستثمار رأس المال، فضلا عن سعي المزيد من الأشخاص نحو التوظيف المصاحب في تحسن الأجور.

وفي دراسة قام بها مؤخرا معهد التمويل وصندوق النقد الدوليين ومقرهما واشنطن بيّنا فيها تقييمات إيجابية للطفرة الاقتصادية لدول التعاون، والتي دخلت عامها الرابع بفضل أسعار النفط المرتفعة،

حيث أشارت الدراسة إلى أن إجمالي عائدات الصادرات لدول مجلس التعاون الخليجي تجاوزت عائدات كل من روسيا والهند والبرازيل مجتمعة على الرغم من الزيادات المقدرة والكبيرة في واردات البضائع الاستهلاكية والرأسمالية،

وكذلك التحويلات المتزايدة للعاملين فإنه من المتوقع أن يسجل ميزان الحساب الجاري لدول التعاون في عام 2006 فائضا قياسيا يبلغ حوالي 180 مليار دولار ما يعادل حوالي 30% من إجمالي الناتج المحلي،

ووفقا لما يشير إليه المعهد فإن النصيب الأعظم من فائض الحساب الجاري سوف ينصب في الأصول الأجنبية المملوكة للأنظمة المصرفية التي ستجعل دول التعاون في المركز الثاني بعد الصين في هذا الخصوص التي شارفت في مستواها الاحتياطات اليابانية، التي بلغت 847 مليار دولار نهاية أكتوبر من العام الماضي،

والتي تمتلك مخزوناً أكبر من الاحتياطي النقدي، وأشارت تقارير صدرت عن وسائل الإعلام الصينية مفادها أن الحكومة قد تفكر باستخدام فائضها من الاحتياطيات الأجنبية لشراء نفط مستورد، وبناء احتياطي نفطي استراتيجي، إذ تعد الصين ثاني اكبر مستورد للنفط، وثالث اكبر سوق للمركبات على مستوى العالم،

وهذا ما ترجم إلى الواقع من خلال الاتفاقات الاقتصادية الأخيرة مع المملكة العربية السعودية. إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن ارتفاع الأسعار والعوائد العالية تنطوي على مخاطر هائلة ومتعددة الجوانب، والذي نتج من خلال تجربة العقدين المنصرمين، حيث يتجسد الخطر الذي يُصطلح على تسميته بـ (الداء الهولندي)، أو ما يعني نشوء اقتصادات مشوهة غير متوازنة تعتمد إلى حد كبير على العوائد النفطية على حساب نشاطات وقطاعات اقتصادية تم تهميشها.

وإلى جانب هذا، هناك الخطر المتأصل الآخر المتمثل في تعرض هذه الاقتصادات لقوى خارجة عن سيطرتها، ومنها بشكل خاص ظاهرة تقلب أسعار النفط والفقاعات الاقتصادية التي تصاحبها. كما أن أسعار النفط العالية تحمل معها أيضاً خطر انهيار معدلات نمو الاقتصاد العالمي على المديين المتوسط والبعيد، مما يقلل من الطلب على النفط مستقبلاً وهذا ما أكد عليه في المؤتمر الحادي عشر للطاقة في الخليج العربي،

والذي أقامه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي نحو الإفادة من الطفرة النفطية في تعزيز الأمن الاقتصادي، وقد جاء ذلك عن لسان نائبة مدير المركز لشؤون خدمة المجتمع عائدة عبدالله الأزدي بأن ثمة مؤشرات واضحة إلى أن أسعار النفط والغاز، والتي تصاعدت سريعاً في غضون السنتين الماضيتين إلى مستويات قياسية غير متوقعة، ستحافظ على ارتفاعها في المستقبل المنظور.

وبطبيعة الحال فإن أمراً كهذا يبدو للوهلة الأولى مؤشراً إيجابياً بالنسبة لاقتصادات البلدان المنتجة للنفط والغاز. كما أن التحليلات الحالية للأمن الاقتصادي في دول الخليج العربي قد انصب الاهتمام فيها على دور مجلس التعاون بوصفه محركاً محتملاً للاندماج الاقتصادي والتنمية الوطنية، وتشير هذه الأطر إلى أن الأمن الاقتصادي المستقبلي في الخليج يعتمد على قدرة الدول الأعضاء في المجلس على إدارة الموارد النفطية بصورة فعالة وعلى المشاركة في عملية اندماج إقليمي ناجح.

وتبرز معالم هذه الطفرة من خلال مظاهر متنوعة أهمها التوسع الفعلي والمخطط في قطاع الطاقة إضافة إلى ارتفاع ملموس في حصة الدول الخليجية من الأصول المالية والاستثمارية في الدول المتقدمة، وقد انعكست تلك الآثار من الانتعاش في أسواق الأسهم المحلية الذي يدعمه دخول شركات كبيرة وجديدة،

وثمة إجماع في الرأي حول ضرورة استدامة هذا الانتعاش والذي انتهجت بموجبه دول التعاون منهجا جديدا في الاستثمارات مختلفا عن الأساليب السابقة منطلقة من قاعدة أن الإيرادات النفطية المجزية ليست أمرا مضمونا ودائما، فالتحديات الحقيقية تتركز في تنويع القاعدة الاقتصادية، وتحقيق دفعة قوية في مجالات تنمية الصادرات غير النفطية، وتحقيق التطوير التقني،

وزيادة وتحسين الإنتاجية والجودة، وتحويل الميزات النسبية إلى ميزات تنافسية، مما يتطلب زيادة في معدلات الاستثمار و تطوير الموارد البشرية والطاقات الفنية و تطوير البنى التحتية لرفع الطاقة الإنتاجية وتسريع معدلات النمو، وتشجيع الصناعات التحويلية المتجهة للتصدير،

خاصة تلك التي حققت نجاحات كبيرة مثل المنتجات الغذائية، ومواد البناء، والمنتجات البلاستيكية، وذلك في إطار استراتيجية بعيدة المدى لتنمية الصادرات غير النفطية، وبرامج متوسطة المدى لترويج الصادرات وتنشيطها، وتحفيز صناعة السياحة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية.

باحث اقتصادي

kutaiba@emirates.net.ae