«مطلوب لبنانية جذّابة بين سن الخامسة والعشرين والثلاثين، لشغل منصب مساعدة تنفيذية». كثيرا ما يطالعنا هذا النمط من الإعلانات في صفحات «الدعايات المبوبة» في كثير من الصحف. «هذا الإعلان من قبل بعض الشركات يعبّر عن منهج يضرب بعرض الحائط مبدأ الابتعاد عن كافة أشكال التمييز ويسيء إلى كرامة المجتمع.

لكنّ التزام الشركات بمبادئ أخلاقيات العمل لا يحميها فقط من الملاحقة القانونية، بل يحمي علامتها التجارية والمستهلك الذي يتعامل معها»، يقول ألكس زلمي، مدير مركز أخلاقيات العمل، الذي ينشط تحت مظلة غرفة صناعة وتجارة دبي.

وعند الحديث عن أخلاقيات العمل، يعتبر البعض أن العنصر المؤثر في مدى التزام المؤسسات بالمعايير الأخلاقية إنما هي القناعات والصفات التي يتحلّى بها القائمون على المؤسسة وبالتالي فلا مجال للحديث عن قيم مؤسسية بمعزل عن القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يحملها أصحاب المؤسسة أو من ينتدبونهم لإدارتها.

وقد ينطبق هذا الطرح على المؤسسات الناشئة المملوكة للأفراد والعائلات وفي مراحل تأسيسها، إلا أن المؤسسة التجارية كغيرها من المؤسسات، تكتسب مع الوقت ثقافة مؤسسية متميزة تتحكم في تكوينها اعتبارات متعددة في مقدمتها تلك التي ترتبط بمتطلبات تحقيق أهدافها بعيدة المدى ومقومات استمراريّتها في بيئتها السوقيّة.

وحين تتسارع وتيرة التغيير في البيئة السوقية هذه، كما هو جار حالياً، وتضطر الشركات إلى إعادة النظر برؤيتها لذاتها وإعادة التخطيط لضمان موقعها في السوق عبر التأقلم مع المتغيرات، تلعب ثقافتها المؤسسية دوراً محورياً في التصدّي لهذه المهام، سلباً أو إيجابا، أي كعامل مساعد أو معيق للتغيير المنشود، مما يستدعي في الكثير من الأحيان الوقوف مجدداً أمام القيم المؤسسية والتي يشكل الالتزام الواعي بها أحد شروط التطور المؤسسي المستدام.

الحوكمة

إذا، تحتل أخلاقيات العمل وما يترتب عنها من مسؤولية المؤسسة التجارية تجاه بيئة عملها العريضة التي تشمل العاملين بها والمتعاملين معها وشركائها والبيئة الطبيعية.. تحتل موقعاً متنامياً في السعي إلى التجديد والتأقلم مع طبيعة السوق المتبدّلة، ليست فقط تعبيراً عن الرغبات الذاتية وصفات المواطنة الصالحة للقائمين عليها بل استجابة لضرورات التطوير المؤسسي وتعزيز القدرة التنافسية.

إن مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات لم يعد يقتصر على إسهامها بدعم المشاريع الخيرية، وهو تقليد متأصّل في المجتمع الإسلامي ويعود لاعتبارات دينية وتراثية وثقافية، بل اتّسع ليشمل قضايا الحفاظ على البيئة الطبيعية واحترام حقوق العمال وحقوق الإنسان عموماً وتنمية الموارد البشرية وحماية حقوق المستهلك وغيرها، وأضحى الاهتمام بأخلاقيات العمل والمسؤولية الاجتماعية يتطلب جهداً متواصلاً وأنظمة إدارية متخصصة وتأمين الموارد لوضع برامج ذات صلة حيز التنفيذ.

برنامج متكامل

في ضوء ما تقدّم، فإن دعوة الشركات الوطنية إلى التعاطي المنهجي مع أخلاقيات العمل والمسؤولية الاجتماعية يتطلب توضيح مردود ذلك، أي تبيان ما تجنيه من استثمارها في هذا المجال من ناحية تحسين الأداء وتعزيز القدرة التنافسية، حيث تتوفّر الآن العديد من النماذج التي تمكّن الشركات من صياغة برنامج متكامل في أخلاقيات العمل والإدارة الرشيدة (أو ما اصطلح على تسميته بـ حوْكَمَة الشركات)،

ليشمل مسؤوليات كل من مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية إضافة إلى الأنظمة الإدارية التي تمكّنها من متابعة وتقييم برنامجها وحصر نتائجه وتجديد مضمونه. ويعتبر إسهام برنامج أخلاقيات العمل في إدارة المخاطر، أي التقليص من المخاطر التي تواجهها الشركات من خلال أنشطتها ودرئها والإعداد المسبق للتعامل معها في حال بروزها،

يعتبر هذا الإسهام مردوداً رئيسياً للاستثمار في هذا المجال، حيث أن وضوح الرؤية فيما يتعلق بمسؤولية الشركات ومسؤولية موظفيها تجاه سائر القطاعات المعنية بنشاطها وكذلك وجود سياسات ودلائل واضحة تحصّن المؤسسة في مواجهة المخاطر الناجمة عن عدم الالتزام بهذه المسؤولية وتقلل من النتائج السلبية لما يمكن أن يبرز من ثغرات.

وتعتبر حماية العلامة التجارية للشركة، أو للمنتجات أو الخدمات التي تقدّمها، إحدى النتائج الهامة التي تحصل عليها الشركات الوطنية حين تتعاطى مع منهجية أخلاقيات العمل والمسؤولية الاجتماعية. فالعلامة التجارية تكتسب أهمية متزايدة في تعزيز الطاقة التنافسية للمؤسسة التجارية وتعتبر حماية هذه العلامة واستمرار ثقة الجمهور بها من أولويات المجهود التسويقي.

ويشكل الالتزام بأخلاقيات العمل عبر تأطير معاييرها في برنامج متخصص أحد الأدوات الرئيسة لحماية العلامة وتحصينها في مواجهة التحديات، وتكفي الإشارة إلى ما لحق بالعلامات التجارية لشركات عالمية نتيجة لخروقات ذات صلة بأخلاقيات العمل والمسؤولية الاجتماعية.

ففي عام 1989، تسببت ناقلة نفط تابعة لشركة أكسون الأميركية في كارثة بيئية طالت شواطئ ولاية ألاسكا ونجمت عن جنوحها وتسرب النفط الخام من حمولتها واختارت الشركة في حينه التغطية على الحادث والتهرب من مسؤوليتها عنه، مما تسبب في اصطفاف الرأي العام ضد الشركة والمطالبة بمحاسبتها ويعتبر الخبراء أن تعويض الخسارة التي لحقت بالشركة من جرّاء فقدان الثقة بعلامتها التجارية تطلب أعواماً عدة،

وأن الخلل في رد فعل الشركة تمثل في غياب التزام مجلس الإدارة بمعايير الشفافية ومسؤولية الإفصاح وتفشي ثقافة مؤسسية تضع الربح الآني والسريع أمام مصلحة المجتمع والجمهور العريض، في حين أن ثقافة مغايرة تنطلق من قيم المواطنة الصالحة واحترام البيئة، وتستند إلى ضوابط تعنى بمبادئ الشفافية والإفصاح كانت كفيلة بالتقليل من النتائج السلبية التي طالت الشركة.

بالمقابل، وعلى المستوى الوطني، تعد شركة ألمنيوم دبي المحدودة (دوبال) من أكثر الشركات الصناعية الخليجية تقدما في مجال الحفاظ على البيئة وحماية سلامة وصحة العاملين بها، وذلك عبر اعتماد مقاييس تضع السلامة والصحة وحماية الطبيعة أمام أي اعتبارات أخرى، ويمكن القول إن هذه الممارسة توفّر بدورها حماية لعلامة الشركة التجارية، وتوفر لها تأميناً إضافياً ضد حوادث العمل خاصة فيما يتعلق بتوفر الثقة لدى الجمهور حول أهليّتها للتعامل مع مثل هذه الحوادث.

إعلانات «عنصرية»

ولا تقتصر الامتيازات التي تحصل عليها الشركات جراء التزامها بمنظومة قيمية من أخلاقيات العمل، على إمكانية حماية العلامة التجارية فحسب، وإنما أيضا على تجنّب الملاحقة القانونية. وتسعى الشركات التجارية إلى تجنّب المخاطر القانونية عبر تأمين الالتزام الصارم بمقتضيات القانون من قبل هيئاتها ومسؤوليتها وموظفيها ومورديها، وغالباً ما يتولى القسم أو الإدارة القانونية مسؤولية متابعة هذا الالتزام.

وفي الكثير من الحالات، تتداخل اعتبارات قانونية صرفة مع متطلبات الالتزام الأخلاقي، فقوانين العمل على سبيل المثال، خاصة تلك التي تعنى باحترام حقوق العمّال، تنطلق من قيم إنسانية وأخلاقيّة تحرّم الانتقاص من حقوق العمال بغض النظر عن مستوى مهاراتهم أو جنسيتهم أو عرقهم،

وبالتالي، فإن توفرت لدى شركة مقاولات وطنية ثقافة مؤسسية قائمة على احترام حقوق الإنسان والتعدّدية، فسيؤدّي ذلك إلى التقليل من احتمالات قيام العاملين بالشركة بما يسيء لهذه المبادئ، وبالتالي تعرّضها للملاحقة القانونية، كما أن مثل هذا الالتزام يعزز من فرص الشركة في إقامة شراكات مع مؤسسات خارجية قد ترى في مثل هذه المخاطر عائقاً أمام إبرام الاتفاقات التجارية.

وإذا ما تصفّحنا الإعلانات المبوّبة بالصحف الإماراتية، نجد العديد من إعلانات التوظيف، على سبيل المثال، من نمط «مطلوب لبنانية جذّابة بين سن الخامسة والعشرين والثلاثين، لشغل منصب مساعدة تنفيذية» والتي تضرب بعرض الحائط مبدأ الابتعاد عن كافة أشكال التمييز، على أساس العمر أو الجنس أو الخلفية الوطنية، فحتى في غياب نص قانوني يمنع مثل هذه الممارسات يبدو لنا أن نشر إعلانات من هذا القبيل تسيء إلى كرامة البعض وبالتالي إلى المجتمع ككل، ناهيك عن الإساءة إلى الصحيفة والمجلة الناشرة ذاتها.

حماية المستهلك

أما الامتياز الثالث الذي تحصل عليه الشركات لقاء التزامها بأخلاقيات العمل، فهو حماية مستهلكها. تشكل حماية المستهلك محوراً رئيسياً لاهتمامات المشرعين بالدول المتقدمة انطلاقاً من ضرورة صيانة الحق العام، وتتناول التشريعات جوانب متعدّدة منها ما يتعلّق بالصحة العمومية وبجودة السلع. ومصداقية الإعلانات التسويقية، وحق الجمهور بالمعرفة وغيرها.

وبحكم الضعف النسبي للأنظمة الرقابية بالدول النامية وعدم استكمال الإصلاحات القانونية فيها، يواجه المستهلك بعض الخروقات التي لا يطالها حكم القانون، والتي ينتج عنها فقدان الثقة بالمؤسسة المسؤولة عن مثل هذه الخروقات، على الرغم من عدم تعرضها لأي ملاحقة قانونية،

ويبرز هنا دور الإرشادات والسياسات التي تضعها المؤسسة التجارية لتأمين حقوق المستهلك انطلاقاً من قيم المؤسسة ذاتها وتقبّلها لمسؤوليتها الاجتماعية مما يقلل من احتمالات قيامها بما يتناقض مع مصلحة المستهلك وحقوقه.

ففي عام 1982، تم اكتشاف قوارير تحتوي دواء الثايلانول المسكن للآلام ملوّثة بمادة السيانيد السامة في إحدى صيدليات مدينة شيكاجو بالولايات المتحدة الأميركية، وتبيّن فيما بعد أن الأمر يتعلّق بعدد محدود من القوارير موجودة وفي الصيدلية المعنية دون غيرها،

قام بتلويثها عمداً شخصٌ مجهول، غير أن مجلس إدارة الشركة المصنّعة وفي اجتماع طارئ عقده فور الإعلان عن حالة التلوث، اتخذ قراراً بسحب سلعة الثايلانول ليس فقط بمدينة شيكاغو أو الولايات المتّحدة، بل أيضا من كل الأسواق العالمية، وحين سُئل رئيس الشركة عن السبب وراء القرار،

أشار إلى أن إحدى القيم الأساسية لشركته هي حماية أمن وسلامة المستهلك وبالتالي لم يتردد أعضاء مجلس الإدارة لحظة واحدة في اتخاذ قرار سحب الدواء من الأسواق.

وبيّنت دراسات ميدانية لاحقة أن شركة جونسون أند جونسون، وعلى الرغم من الخسارة الهائلة التي لحقتها نتيجة سحب الدواء من الأسواق، استعادت عافيتها بسرعة كبيرة بفعل زيادة ثقة الرأي العام بعلامتها التجارية وزيادة حجم مبيعاتها نتيجة لذلك.