فازت موانئ دبي العالمية في حرب العروض على شراء شركة »بي آند أو« البريطانية بعدما فضل غريمها وهو شركة »بي. اس. إيه« السنغافورية الانسحاب من حلبة المنافسة أثر تلقيه صدمة عرض موانئ دبي الذي سلبه القدرة على مواصلة المنافسة.
وبالتالي، تمكنت موانئ دبي من حسم المعركة لصالحها بعد أشهر من المنافسة الشرسة مع غريمها السنغافوري فيما راق للكثير من المحللين توصيفه بالحرب وإن كانت تختلف جذريا عن الحرب بالمعنى المألوف والدارج في الأذهان، فقد كانت المعلومات وقود هذه المنافسة أو بالأحرى الحرب، وكانت العروض سلاحها، و الاستحواذ على شركة »بي آند أو« هدفها.
وتمثل العرض الذي أفقد شركة »بي إس أيه« توازنها و غير موازين القوى بين الغريمين في سرعة البرق في تقديم شركة موانئ دبي العالمية في 26 يناير الماضي عرضا بقيمة إجمالية بلغت 7.2 مليارات دولار وبمعدل 520 بنساً للسهم الواحد، متغلبة بذلك بنسبة 10.6% على العرض السنغافوري الذي بلغ 6.4 مليارات دولار.
حسم حرب العروض
وقبل عرض »موانئ دبي« كانت الشركة البريطانية أعلنت موافقتها على عرض شركة »بي اس إيه« السنغافورية البالغ قيمته 6.4 مليارات دولار لشراء الشركة باعتبار أن العرض السنغافوري تجاوز عرض موانئ دبي العالمية السابق والبالغ 5.7 مليارات دولار.
لكن بعد قرار مجلس إدارة شركة »بي آند أو« بتفضيل العرض السنغافوري عقد مديرو »موانئ دبي العالمية« التنفيذيين اجتماعا لإصدار بيان يتضمن ردهم على العرض السنغافوري، وبالفعل تم تقديم العرض الجديد الذي فاز بالصفقة مفشلاً بذلك عرض الشركة السنغافورية.
وتضمن عرض دبي شرطين أساسيين هما، أولاً عدم تأجيل اجتماع الجمعية العمومية لشركة «بي آند أو» عن الموعد المقرر وهو 13 فبراير، والثاني عدم قبول أي عرض آخر يقل عن 546 بنساً للسهم الواحد. واعتبر الكثير من المحللين أن هذا العرض أشر على إصرار شركة موانئ دبي العالمية على الذهاب إلى أبعد مدى للفوز بهذه الحرب .
وبالفعل، كان لهذا العرض أثره الفعال في التغيير الكامل لمسار توجه الأمور إذ انحاز مجلس إدارة شركة »بي آند أو« لصالح عرض شركة موانئ دبي العالمية، بعدما أظهروا وفي اليوم ذاته تفضيلهم للعرض السنغافوري. واعتبر مديرو شركة »بي آند أو« عرض موانئ دبي العالمية بأنه منصف ومعقول.
وقالوا إنهم تلقوا توصية بقبوله من جانب شركة سيتجرون جلوبال ماركتس المحدودة وشركة »إن إم روتشيلد أندسونز« المحدودة والمعروفتين بخبرتهما الكبيرة في الصفقات الكبرى. وأوضحوا أنهم أوصوا بالإجماع أن يقبل حملة الأسهم عرض موانئ دبي العالمية الجديد.
وأدى عرض شركة موانئ دبي العالمية إلى تغيير توازن القوى بين الغريمين حيث تطايرت الأنباء من سنغافورة ودبي لترسم معالم النهاية لهذه المنافسة الشرسة، إذ أشارت سنغافورة إلى أن السعر هكذا يفوق قيمة الأصول. وألمح رئيس وزرائها لي لونغ إلى أن شركة بلاده للموانئ قد لا تريد أن تجاري موانئ دبي العالمية في هذه الصفقة، وأن هناك سعراً مناسباً وهناك التزام نحو كل مشروع. وأشار إلى أن سنغافورة لا تملك البترول أو الغاز.
وترجم المحللون هذه التصريحات على أنها إعلان بعدم إصرار سنغافورة على مواصلة المنافسة، وأنها مجرد بوادر أولية لإعلان الانسحاب من الصفقة وعلى الجانب، أظهر المسؤولون في شركة موانئ دبي العالمية الثقة بأن فوزهم بالصفقة بات قاب قوسين أو أدنى، وأن الشركة السنغافورية لن تقدم عرضاً أعلى من عرض موانئ دبي العالمية.
وجاءت ردود فعل شركة موانئ دبي العالمية على قرار مجلس إدارة شركة »بي آند أو« على لسان مديرها التنفيذي عبر محمد شرف الذي عبر عن سعادته لقرار الشركة البريطانية على اعتبار أن مسألة شرائها ينسجم مع إستراتيجية شركة موانئ دبي العالمية الطويلة الأجل.
وتلقف المراقبون والمتابعون للصفقة تلك الأنباء والتصريحات على أنها إشارات إلى أن المعركة قاربت على الانتهاء، باعتبار أن سنغافورة لم تكن لترفع عرضها أكثر من ذلك، وأن السعر المقدم من موانئ دبي العالمية يفوق بالفعل القيمة السوقية لأسهم الشركة البريطانية.
وبالتالي تأكد فوز موانئ دبي العالمية بالصفقة لعدم تقدم أي منافس بعرض جديد، وعدم تقدم سنغافورة بعرض أعلى.وهكذا، ارتفعت فرص موانئ دبي العالمية للفوز بصفقة شراء شركة »بي آند أو« مع توقع إعلان »بي. اس إيه« الانسحاب كلياً من المنافسة. وسبق هذا الإعلان، تهيئة الصحف السنغافورية الساحة لخبر انسحاب الشركة بتلميحها إلى أنه من غير المحتمل أن تتقدم الشركة السنغافورية بعرض جديد لشراء الشركة البريطانية، وأنها على وشك التخلي عن الصفقة.
توقعات وتكهنات
وتأكدت توقعات المحللين والمتابعين للصفقة، فلم تمض سوى أيام قليلة على عرض موانئ دبي العالمية، حتى أعلنت شركة »بي إس إيه« انسحابها من ساحة المنافسة ، وورد في بيان صادر عنها أن الشركة قررت عدم زيادة عرضها.
وبالتالي، فهي لم تعد تتابع مسألة الاستحواذ على شركة »بي آند أو« وأرسل هذا القرار سعر سهم شركة »بي آند أو« في 10 فبراير الجاري إلى انخفاض مقداره 3.9 % ليبلغ 516.75 بنسا وهو اقل قليلا من سعر السهم الذي عرضت موانئ دبي بــ520 بنسا للسهم. وقفز سعر سهم شركة »بي آند أو« بما يزيد على 70% منذ الإعلان عن عروض الشراء في أكتوبر الماضي.
وأصبحت الكرة في ملعب حملة الأسهم بعدما أوصى مجلس الإدارة بقبول عرض دبي. وبعدما أعلنت الشركة السنغافورية انسحابها بدت موافقة حملة الأسهم على انها مجرد تحصيل حاصل. وفي هذا السياق ، أظهرت شركة موانئ دبي العالمية ثقتها بأن حملة أسهم شركة »بي آند أو« سوف يدعمون عرض شراء الشركة البالغ قيمته 3.9 مليارات جنيه إسترليني
وهو ما يعطيها السيطرة على موانئ شركة بي آند أو في القارات الست ويجعل الشركة ثالث أكبر مشغل للموانئ في العالم . وقال سلطان أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة »نحن ننتظر تصويت حاملي الأسهم و لدينا الثقة كاملة«.
بدايات المنافسة
وتعود بدايات المنافسة بين شركة موانئ دبي العالمية وشركة »بي إس إي« السنغافورية إلى مطلع شهر اكتوبر الماضي، عندما طفت على السطح أنباء عن اهتمام شركة موانئ دبي العالمية بشراء شركة »بي آند أو« البريطانية.
ووفقا لرواية شركة »بي آند أو« والتي جاءت على لسان السير جون باركر رئيس الشركة فإنه لم يكن مطروحا في أجندتها طرحها للبيع، ولكن شركة موانئ دبي العالمية فاتحتها في مسألة الشراء وتقدمت باقتراح كان من الصعب رفضه لجاذبيته الشديدة. وأنه تلا ذلك عقد مباحثات صعبة بين الجانبين.
وأضاف أن وضع شركة »بي آند أو« وشركة موانئ دبي العالمية معا يخلق واحدة من أكبر ثلاث مجموعات تدير الموانئ في العالم، مشيرا إلى أن الاندماج بين شركتي بي آند أو وموانئ دبي العالمية له منطقه الإستراتيجي الملح وسوف يخلق فرصا هائلة بالنسبة للأعمال بالنسبة للشركتين والعاملين فيها.
وورد على لسان المسؤولين في شركة موانئ دبي العالمية رسائل تطمئن العاملين والإداريين في شركة »بي آند أو« بشأن مستقبلهم. ونقلت الصحف عن محمد شرف المدير التنفيذي لموانئ دبي العالمية قوله إن موانئ دبي العالمية تخطط للإبقاء على مقرات الشركة في لندن وأن مديرها التنفيذي روبرت وودز سوف يواصل عمله في إدارة أعمال الشركة، بالنظر إلى وجود القليل من التداخل بين أنشطة الشركتين.
وصعد سعر سهم شركة »بي آند أو« بما يزيد على 46% في أكتوبر الماضي، وذلك عندما أكدت شركة »بي آند أو« موضوع إجراء مباحثات الاستحواذ حيث سادت توقعات بوجود احتمالات لتفجر حرب عروض، وذلك على الرغم من عدم ظهور منافس محتمل آنذاك.
وناضلت كل من دبي وسنغافورة في الصراع والسيطرة على موانئ شركة »بي آند أو« في آسيا وأوروبا وأميركا في أعقاب ازدهار لثلاث سنوات في الشحن البحري على خلفية نمو الطلب الصيني وتوسع التجارة وانتعاش الاقتصاد العالمي.
تفجر حرب العروض
وتفجرت حرب العروض في الشهر الماضي عندما قامت شركة »بي إس إيه« بزيادة عرضها لسعر السهم إلى 470 بنسا للسهم وهو ما تجاوز عرض شركة موانئ دبي العالمية الذي عرضت شراء السهم بنحو 443 بنسا. وردت شركة موانئ دبي العالمية برفع عرضها لسعر السهم إلى 520 بنسا للسهم. وقالت شركة »بي إس أيه« إنه لكي تقوم شركة بي إس أيه بتقديم سعر أعلى فإن هذا لا ينسجم مع منطق الأعمال.
ودخلت وسائل الإعلام على الخط في نسج التوقعات والرهانات بالنسبة للصفقة حيث برزت أنباء عن أن شركة موانئ دبي العالمية سوف تقوم بتغطية العجز في صندوق المعاشات للشركة بدفعة نقدية مقدارها 152 مليون جنيه إسترليني على أن يعقب ذلك تقديم دفعات إضافية على مدار السنوات الخمس المقبلة.
كما رددت الصحف أسماء منافسين محتملين لعرض شركة موانئ دبي العالمية، وبرز اسم مجموعة تيماسيك القابضة المملوكة للحكومة السنغافورية وشركة Hutchison Whampoa ومقرها هونغ كونغ و شركة ميرسيك الدنماركية كمشترين محتملين.
كذالك أدلت وسائل الإعلام بدلوها في التكهن بالقيمة النهائية للصفقة، فعلى سبيل المثال في يوم 27 نوفمبر الماضي أوردت الصحف البريطانية الكثير من التقديرات بشأن قيمة الصفقة. وقالت إن شركة موانئ دبي سوف تعرض سعرا في نطاق يتراوح بين 420 و440 بنسا للسهم.
وقالت صحيفة »الفانيانشيال تايمز« إنه من المفهوم أن شركة موانئ دبي العالمية عرضت سعرا في حدود 430 بنسا للسهم. وقالت صحيفة »الديلي تليغراف« إن الطرفين وافقا على الصفقة من حيث المبدأ، وأن العرض مربوط بسعر 440 بنسا للسهم، ونقلت صحيفة ديلي ميل عن مصدر قريب من الصفقة قوله إنه من المتوقع أن يكون السعر فوق 420 بنسا للسهم.
وقالت مصادر لوكالة رويترز ان شركة موانئ دبي العالمية لن تقدم سعرا يتجاوز 460 بنسا. وقالت صحيفة »فاينننشيال تايمز« إنه ما زالت هناك حاجة لأن توافق شركة موانئ دبي العالمية على قيمة التزامها في صندوق المعاشات وذلك قبل أن يوصي مجلس إدارة الشركة بالتوصية لعرض شركة موانئ دبي العالمية.
جاذبية الصفقة
ويبدو أن شركتي »موانئ دبي العالمية« و »بي إس أيه« السنغافورية دخلتا حلبة المنافسة على شراء شركة »بي آند أو« البريطانية انطلاقا من إستراتيجية للأعمال طويلة الأجل، ففي الوقت الذي نظرت فيه الشركة السنغافورية إلى عملية الشراء بأنها سوف تساعدها لأن تكون أكبر مشغل للموانئ في العالم، فان شركة موانئ دبي العالمية نظرت إلى الصفقة على أنها ترسخ مكانتها كفاعل دولي في مجال إدارة الموانئ.
فمن جانب، تشغل شركة »بي آند أو« المرتبة الثالثة كأكبر مشغل للموانئ في العالم، وبالتالي فهي هدف مغر للفاعلين في هذا المجال. وقد تأسست الشركة في عام 1837، وتضم ثلاثة أقسام هي القسم اللوجستي (التموين والإمداد) والنقل والموانئ. وفي ذروة مجدها في العشرينات من القرن الماضي كانت تمتلك أسطولا مؤلفا من 500 سفينة.
وذلك قبل تحولها في الفترة التالية على الحرب العالمية إلى التركيز أكثر على الشحن البحري والموانئ . وعلى مدار تاريخها قلصت الشركة نشاطاتها في القطاعات الخارجة على مجال الشحن . وقد تم التكهن بالفعل بأن استحواذ شركة ميرسيك على شركة »بي آند أو نيدلويد« سوف يترك موانئ شركة بي آند أو عرضة للاستحواذ.
وتمتلك »بي آند أو« 29 ميناء تغطي البقعة الجغرافية الممتدة من الصين حتى جنوب إفريقيا، ما يؤدي إلى جعل موانئ دبي العالمية تشغل ثالث أكبر شركة في مجال إدارة الموانئ على مستوى العالم، ويجهض طموحات شركة »بي إس ايه« السنغافورية لأن تشغل مكانة أكبر شركة إدارة موانئ في العالم.
ومن ناحية أخرى، تشير التقديرات إلى أن حركة الشحن البحري ستشهد ازدهاراً خلال السنوات المقبلة وذلك على خلفية توسع التجارة الخارجية، وتحول آسيا وعلى الخصوص الصين إلى مركز لتصنيع المنتجات في العالم، بما يعنيه ذلك من اشتداد الطلب الصيني على خدمات الشحن البحري لنقل هذه المنتجات إلى أسواق التصدير في أوروبا وأميركا.
وفي هذا المجال، تنبأ صندوق النقد الدولي بزيادة التجارة العالمية بواقع 7.4 % خلال عام 2005 و 7.6 % في عام 2006، وبالتالي، تبدو محفظة موانئ شركة »بي آند أو« في آسيا وعلى وجه الخصوص في الهند بالإضافة إلى حقوقها في شمال أوروبا وأميركا مغرية للفاعلين في مجال إدارة الموانئ.
وعليه، بلغ حجم المناولة بالموانئ التي تديرها شركة »بي آند أو« في العام الماضي 13.8 مليون حاوية. واستحوذت محطات الحاويات الآسيوية والهندية على حوالى نصف هذا الحجم، ومع الأخذ في الاعتبار التوقعات أن معدلات المناولة في محطات شركة »سي إس اكس« التي استحوذت عليها شركة موانئ دبي العالمية يبلغ 12.5 مليون حاوية،
وبإضافة طاقة مناولة الحاويات في الموانئ التي تديرها شركة موانئ دبي العالمية، فإن السعة الإجمالية للمناولة لشركة موانئ دبي ستسجل رقما قياسيا يصل إلى 25 مليون حاوية، وهي بذلك تتقدم على محطات شركة »أيه بي إم« وتقترب بشكل وثيق من شركة »بي إس أيه« مع احتفاظ شركة هتشيسون بالمرتبة الأولى في إدارة الموانئ.
كتب مجدي عبيد