شكلت الثقافات الشرقية على الدوام سحراً خاصاً، جذب الكثير من الغربيين إليه لأن الحضارة الإنسانية بزغت في الشرق وانبثق عنها العالم القديم، الذي من ضلعه ولد العالم الجديد، الذي ظل طموحه نحو الشرق صاعداً بضراوة مع المستشرقين مؤسسي هذا العلم المغذي لعلوم كثيرة في الغرب »الجديد«. في فيلم »مذكرات غيشا« يظهر النفس الاستشراقي في خلفية العمل قبل ان يتحول إلى السينما وبعد تحوله.
فالرواية أصلاً كتبها آرثر غولدن المتخصص في تاريخ »اليابان« خاصة والشرق الأقصى عامة، وهو من المستشرقين الجدد، الذين لم يخفوا اعجابهم وانجذابهم إلى ما أنشد إليه أسلافهم القدماء الذين شاطروهم المهنة ذاتها.
ففي قصته حاول غولدن تجميع كل العناصر التي تقدم المكان على أنه خصوصي، وبما انه كذلك يمكن استنباطه، ويمكن إضافة كل ما يعجب الغربي ان يجد وان يفسّر من محتويات واقع يعتقد بأنه مكتشفه الأول، ولعل هذه العقدة (الاكتشاف) رزح تحتها علم الاستشراق عموماً.
الفيلم يحكي قصة فتاة يبيعها أهلها في زمن الفقر والجوع عشية الحرب العالمية الثانية، إلى منزل يقدم خدمات مشبوهة بما فيها، خدمات فتيات »الغيشا« اللواتي يحرصن على تعلم الرقص والعزف الموسيقي.
ونظم الشعر وشرب الشاي و»الساكي«، إضافة إلى خدمات جسدية أخرى. الفتاة الصغيرة تتحول إلى خادمة منبوذة ومضطهدة في هذا المنزل وهي لا تفهم ماذا يحصل لها، سوى انبهارها بما تسمع عن فتيات »الغيشا« اللواتي يعملن في هذا المنزل.
وهي تتعرض لمضايقات عنيفة من إحداهن إلى أن تلتقي برجل وسيم يكبرها بعقود يحسن إليها ويشتري لها قطعة حلوى فتحتفظ بمنديله لعلها تلقاه عندما تكبر، فهي تقرر أن هذا حبها مع انها قاصر.
واللافت هو أداء الطفلة التي لعبت دورها »سوزوكا« بعد تدريبهالثلاثة أشهر على يد مخرج وهو الكوريغرافي روب مارشال، الذي حرك كل ممثليه في هذا الشريط بمساحات بين الظل والضوء، فجاء أداء بطلة الفيلم الصينية زايي زانغ مبهراً مع منافستها ومواطنتها جونغ لي المقنعة تماماً كفتاة تعيش تناقضات كثيرة بحكم عملها. فهي تسقط بالحب المحظور على فتاة »الغيشا« .
وتعوض حرمانها من عشقها بالمؤامرات التي تحيكها ضد »الغيشا« الجديدة المؤهلة لوراثة المكان، وهي المطلق عليها اسم »سايورا« التي يرتفع مهرها ليكون الأكبر في تاريخ هذه المهنة.
تتسلل كاميرا مارشال إلى ثنايا هذا العالم، وإلى الدواخل الإنسانية لشخصيات الرواية، لكنها لا تلامس عمق الأشياء. ولا الأحداث. فتمر الحرب العالمية الثانية مروراً هامشياً، حتى بدا أن الياباني منسجم تماما مع الهزيمة التي تعرض لها من جراء احتلال أميركا لليابان. وهذا أمر غير صحيح.
فالمرأة »الغيشا« تحولت إلى عاهرة عادية ورجل الأعمال الذي قاتل في الحرب العالمية الأولى وفدا بنفسه صديقه يتحول إلى »قواد« حتى يرضى عنه »العقيد« الأميركي فرحة ترميم مصنعه المدمر. فالمخرج لم يقرأ الرواية من زاوية أخرى يستطيع من خلالها كتابة النص من جديد للسينما.
بل استخدم السردي المباشر من دون إضفاء إية رمزيات أو إشارات تغوص في ما وراء الحدث أو في تأثر الأشخاص بحركية الزمن السياسي والاجتماعي، فإذا كان هم صاحب الرواية سرد ذاكرة سرية لفتيات »الغيشا« قلة منهن يصرحن بها.
أي أن فتاة »الغيشا« عادة لا تتكلم عن تجربتها، فالمخرج لا يعرف كيف يستفيد من هذا المحكي ببلادة أحياناً، من أن يصبح حيوياً ومتصاعداً نحو آفاق واسعة وقادرة على إظهار ما يخفي أصحاب التجربة. فهو فاته أن أي فن همه الأول ليس ما حدث بالفعل بقدر ما كان يمكن حدوثه.
ولقد أبدع مارشال بالطبع في تصميم الرقصات، لأن هذه مهنة في الأصل، وكان دخوله إلى عالم السينما من هذا الباب، ويمكنه أن يكون مخرجاً لأفلام استعراضية أكثر من أعمال روائية أو ذات صفات مركبة بين تنويعات مختلفة في عالم الفن السابع. الفيلم إجمالاً من مستوى متوسط، سيجد فيه المشاهد انفتاح الشاشة على عالم غامض من دون الغوص فيه.
حسين قطايا
