كشف رؤساء مجالس إدارات شركات خليجية تصنّع منتجات الألبان والعصائر أن إدراج أسمائها، عن طريق الخطأ، في قوائم مقاطعة البضائع الدنماركية، قد ألحق بها خسائر وصلت قيمتها إلى 5 ملايين دولار أسبوعيا. وقال هؤلاء لـ »البيان« إنّهم.
وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، بشكل خاص، قد دقوا ناقوس الخطر وتأهبت فرقهم التسويقية لوضع الخطط والاستراتيجيات التي من شأنها الدفاع عن صورة شركاتهم في الشارع الاستهلاكي بعد أن رفعت منتجات شركاتهم عن رفوف المتاجر في أسواق استهلاكية كبرى مثل السعودية والإمارات ودول أخرى.
وانخفض التداول بأسهم بعض هذه الشركات المدرجة في الأسواق المالية، بينما حققت الشركات المقفلة خسائر مباشرة.ويقول المسؤولون في هذه الشركات إنهم يواجهون »أشباحاً« تسيء إلى سمعة شركاتهم عن طريق »دس« وتناقل معلومات مغلوطة في منتديات الانترنت.
أو توزيع منشورات في الشارع، تحث على مقاطعة بضائعها، رغم أنها عربية منذ أكثر من ربع قرن، بعد أن تخلصت من شراكاتها مع الدنماركيين في ثمانينات القرن الماضي.
ومؤخراً، لجأ بعض الشركات إلى هيئات الدين والجهات الشرعية لطلب فتاوى تطمئن المستهلكين، كما تم اللجوء إلى الحكومات لكي تتحمل مسؤوليتها في الدفاع عن قطاع الصناعة الوطنية.
ووصل الأمر إلى تدخل الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي وطلبها رسميا من الجهات المعنية المساعدة على رفع أسماء بعض الشركات عن قوائم المقاطعة، بعد تأكدها، عن طريق إرسال مفتشين إلى المصانع، أن تلك الشركات لا تتعاون بأي شكل مع الدنماركيين.
وتضررت بشكل خاص شركتان إحداهما كويتية، هي شركة الألبان الكويتية الدنماركية (كي دي دي)، بسبب اللبس الذي سببه وجود وصف »الدنمارك« في اسمها، وأخرى سعودية.
هي الشركة السعودية لمنتجات الألبان والأغذية (سدافكو)، بسبب علاقة قديمة ربطتها عند التأسيس مع إحدى الشركات الدنماركية في العام 1976، قبل أن تتوقف تلك العلاقة في العام 1987.
التباس
وقال محمد عزت جعفر، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب في شركة »كي دي دي«، وهي كويتية مقفلة، إنه، »وبالرغم من كل الخسائر التي نتكبدها يوميا، لا نخطط لصرف موظفين.
ونأخذ على عاتقنا تحمل تلك الخسائر غير المنطقية أو المبررة«. ويعمل في الشركة أكثر من 1500 موظف في مركزها التصنيعي في الكويت، إضافة إلى مكاتبها في السعودية والإمارات وقطر والبحرين والأردن ولبنان ودول أخرى.
وتنقل مئات مواقع المنتديات، وتلك المخصصة للمقاطعة، يوميا، عشرات الرسائل التي تحث مستهلكي الخليج والعرب والعالم الإسلامي على مقاطعة بضائع الشركة الكويتية: »بدأت الشركة نشاطها في العام 1962 مع شراكة دنماركية ضئيلة.
حيث استفدنا من خبرتهم التكنولوجية، لكننا ومنذ العام 1982 لا تربطنا أي علاقة مع مستثمرين دنماركيين، ورأسمال الشركة كويتي 100%، كذلك تصنيعها، غير أن اسم الشركة صار مدعاة لبس في الفترة الأخيرة«.
وتواجه الشركة دعوات لتغيير اسمها في أوساط مستهلكي منتجاتها أو أعضاء في مجلس إدارتها، إلا أن دعوات بالمقابل ترفض تغيير الاسم لأنه سيفتح بابا آخرا للأقاويل ويثبت الاتهامات الباطلة بحق الشركة: »هناك انقسام حاد في هذا الشأن، ونحن لم نقرر بعد ما إذا كنا سنبقي على الاسم أو سنغيره«.
وعن السياسة التي تتبعها الشركة في وقت الأزمة، يقول جعفر أنه لا يتوجب الوقوف في مواجهة المشاعر الجماهيرية المتأججة، »فأي محاولة للاصطدام بالمستهلك في هذه المرحلة قد تؤدي إلى ردود فعل مضرة أكثر«.
إلا أنه بالمقابل يعمل من أجل توعية المستهلك بأن شركته لا علاقة لها بالدنمارك: »نلجأ إلى كافة الوسائل الممكنة، ونخاطب كل شريحة بحسب اهتمامها والآراء التي تؤثر فيها«.
شرع و»فتاوى«
ولا يستبعد أصحاب الشركات الخليجية المتضررة أن تكون »هوجة« المقاطعة قد سمحت لمنافسين لهم بالاندساس في صفوف المحرضين، عن طريق نشر أسماء منتجاتهم على الانترنت أو توزيع منشورات في الشوارع.
إلا أن جعفر يقول إنه يفضل أن يعمل بحسن النية، »إلا أنه إذا لم يتغير الوضع في ظل كل الإثباتات التي قدمناها وسنقدمها في الفترة المقبلة لكل من هو معني، في سبيل دحض الأقاويل الباطلة، لا يمكننا إلا أن نشعر أن هناك عملية إيذاء منظمة«.
وواجهت »كي دي دي« مشاعر المقاطعة المرتكزة على مبادئ دينية، بالسلاح ذاته، وحصلت من جهات شرعية في الكويت ودول خليجية أخرى على ما يشبه »فتاوى« تدعو المستهلكين إلى عدم مقاطعة منتجاتها.
وقال الدكتور محمد الطبطبائي، عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في الكويت، في رسالة موجهة إلى الشركة: »بعد اطلاعي على الوثائق المرفقة بشأن عقد تأسيس الشركة ومكونات الإنتاج التي أفادت بها الإدارة العامة للجمارك.
فقد تبيّن لي عدم وجود مستثمرين دنماركيين أو اشتمال المنتجات على مشتقات تستوردها الشركة من الدنمارك، لذا أدعو الله لكم بالتوفيق«. ورداً على سؤال عن مدى وقع هذه الرسائل في نفس المستهلك السعودي أو الإماراتي كونها صادرة عن جهات من ذات بلد المنشأ في الكويت، يقول جعفر:
»نسعى إلى استقدام شهادات أخرى من كل هيئات موثوقة في كل سوق على حدة«، ومقابل اللين الذي تبديه الجهات التجارية في دبي وأبوظبي، لا تزال الشركة تواجه صعوبات في إعادة منتجاتها إلى الرفوف في إمارة الشارقة وإمارات أخرى، ناهيك عن السوق السعودي.
من جهتها، لجأت الشركة السعودية »سدافكو« إلى القرآن الكريم مستهلة بعض إعلاناتها بآيات تحرّض المؤمنين على التبيّن من صحة الأنباء قبل أن يصيبوا »قوماً بجهالة«، كذلك استخدمت كلمات الداعية الإسلامي السعودي الشهير سلمان بن فهد العودة في الإعلان.
وهي تقول: »إن شركة سدافكو المصنعة للأغذية ليست لها علاقة بالمنتجات الدنماركية«. كذلك عبارة للشيخ الدكتور عبد الله المطلق تقول: »لا يجوز مقاطعة حليب السعودية سدافكو لأنه وطني 100%«.
وتشمل قائمة الشركة علامات تجارية مثل: سعوديا حليب السعودية، ماجستيك عصير السعودية، كريسبي شيبسي ومعجون طماطم السعودية. أما لائحة »كي دي دي« فتشمل الحليب والقشطة والجبنة واللبنة والعصير ومعجون الطماطم والزيت والزبدة والآيس كريم ومنتجات أخرى.
أعلى المستويات
وكما وصلت الدعوات إلى مقاطعة الشركات الدنماركية إلى أروقة المؤسسات الرسمية العربية، كجامعة الدول العربية التي يطالبها بعض الأعضاء بعقد قمة استثنائية لمناقشة أزمة الإساءة للإسلام من قبل صحف دنماركية وأوروبية، فإن الدعوات لفك »حصار المقاطعة« عن منتجات بعض الشركات العربية المتضررة قد وصلت رسميا إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي.
وفي كتاب وجّه منذ أيام من قبل إدارة الهيئة العامة للصناعة بالكويت إلى هيئة التقييس لدول مجلس التعاون الخليجي (مقرها المملكة السعودية)، طالب الدكتور يوسف البحر »بإحاطة الجهات المعنية في الدول الخليجية باتخاذ اللازم نحو رفع المقاطعة عن منتجات الشركة«.
وتم إرفاق الخطاب باسطوانة مدمجة (سي دي) تتضمن صورا للمواد الأولية ومواد العبوات، تم التقاطها من قبل مفتشين أوفدتهم الهيئة العامة للصناعة الكويتية إلى مصانع ومخازن »كي دي دي«، وتثبت أن تلك المواد غير مصنعة في الدنمارك. يقول جعفر: »نأمل أن يثمر تدخل مجلس التعاون في حل الأزمة قريبا«.
ربيع الإعلانات
واستفاد عدد كبير من الصحف من الإعلانات التي بادرت الشركات المتضررة إلى حجزها ونشرها في الصحافة الخليجية، وخاصة في سوقي السعودية والإمارات.وازدهرت العائدات الإعلانية للصحف، وحقق بعضها في فترة لا تتجاوز أسبوعين عائدات غير متوقعة قدرت بمئات آلاف الريالات ـــ الدراهم.
وعن الأمر، يقول مجلس إدارة »كي دي دي«: »نحتاج إلى الصحافة كوسيط أساسي لنقل رسالتنا في هذه المرحلة الحرجة، وبالنسبة إلى تكاليف الإعلانات، فنحن كنا نفضل أن نستثمرها في نشاطات أخرى.
إلا أنه يجب التعامل مع الواقع والإقرار بحاجتنا الشديدة إليها، لنقل وجهة نظرنا وعرض إثباتاتنا«. وحمل بعض هذه الإعلانات عناوين ملفتة، مثل: »قاطعوا المنتجات العربية.. هل هذا منطق؟ تحقق قبل أن تصوّب سهام المقاطعة على نفسك. كي دي دي عربية 100%«.
وفي إعلان آخر لـ »سدافكو«، يظهر رجل سعودي، ذو ملامح بدوية، حاملا سبحة وعبوة »حليب السعودية«، وقد كتب تحته: »إن لم يكن هذا الحليب سعودياً 100%، فأنا دنماركي 100%«.
وأطلقت »كي دي دي« على موقعها على الانترنت حملة بعنوان »اطمئن«، تشير إلى أن مصدر تصنيع كرتون عبواتها هو جدة في المملكة السعودية، بينما المواد الأولية لمنتجاتها من بلدان لا تشمل الدنمارك: »الطماطم من البرتغال والمانغا من الهند«.
كادر (1)
الصناعة الوطنية والسيكولوجية الجماهيرية
لطالما دعم المستهلك في منطقة الخليج العربي صناعته الوطنية. ولطالما تضرر بعض هذه الصناعات عند أول »عاصفة« مقاطعة هبت على رفوف المتاجر. وحين يشتد عود المقاطعة، فإن الحديث عن »أخطاء« يتم استبعاده.
بعاطفية مطلقة لا تريد أن تسمع أو تناقش أو تحلل. وصناعة الألبان والعصائر واحدة من الصناعات المزدهرة في منطقة الخليج، إلا أن حجم إنتاجها لا يلبي الحاجة الاستهلاكية بشكل كامل.
تأسيسا على ذلك، فإن مقاطعة بضائع عربية لا دخل لها بالدنمارك، سوى أنها تحمل اسما من هنا أو كان لها علاقة مع الدنماركيين من هناك، لا يصيب الهدف، فتستقر الطلقة في صدر صناعات تشغّل الآلاف من الأيدي العاملة، وتؤمن خيارا استهلاكيا يتميز بالجودة والسعر المناسب، الذي لا يحرق الجيوب كما تفعل شركات »الخواجات«، لمجرد أن بضائعها تحمل أسماء بحروف لاتينية.
في مثل هذه الظروف، ستستفيد الصناعة الأجنبية، التي لا يمكننا في مطلق الأحوال الاستغناء عن منتجاتها، لكنّ وجود »الوطني« يمكن له أن يخلق توازنا في غيابه سوف تظهر جبال من »الزيدة« الاسترالية فجأة على أبواب المتاجر.
وتدفع شركات معينة مزيدا من الأموال لكي تنال حظ عرض متميّز في وقت الأزمة. في الأمس، كانت »أميركانا« واليوم »الألبان الكويتية« و»السعودية لمنتجات الألبان والأغذية«.
وهي شركات ساهمت منذ ستينيات القرن الماضي في تأسيس بنية صناعية حقيقية في منطقة الخليج، وغزت منتجاتها الدول العربية وحصّلت سمعة ومصداقية، حتى أن بعض الدول، مثل لبنان، كان المستهلك فيها يثق بالمنتج الخليجي.
في مجال الألبان والعصائر، أكثر من المنتج المحلي في الفترة التي تلت انتهاء الحرب الأهلية، إيماناً منه بجودة تلك المنتجات والأنظمة الرقابية الموجودة في الخليج والتي تضمن معايير جودة عالية.
ماذا يحصل إذا؟ وكيف يمحى تاريخ شركات لها تاريخها لمجرّد أن هناك من دسّ اسمها، عن حسن أو سوء نية، في قوائم مقاطعة متسرعة. هل ديمقراطية الانترنت، أم ديكتاتورية منتديات الشات التي تنتقل فيها المعلومات، كما الفطر في يوم رطب؟
ولماذا يجب أن يظل المستهلك العربي موصوفا طوال الوقت بالتسرّع وعدم التحقق من جوهر الأمور والاكتفاء بالسطح؟
لا أحد يزايد على الحق المقدّس في مقاطعة منتج أو شراء آخر، لكم المطلوب قليل من الاستقصاء عن قيمة تلك المعلومات التي تغزونا يوميا بواسطة البريد الالكتروني أو رسائل النقّال. من جهة أخرى، فإن الشركات الوطنية المتضررة، تتحمل أيضاً جزءا من المسؤولية، فخطابها »الوطني« لا يظهر إلا وقت الأزمات.
في الوقت الذي يتوجّب عليها أن تكون حاضرة لتسويق هذا المفهوم وتمتينه طوال الوقت، لكي لا يطاح بمنتجاتها عند أول عاصفة تخطئ مرات في اتجاه أي »غابة« تريد أن تهب.
أصحاب المتاجر أيضا يجب أن يتحملوا مسؤولياتهم في دعم المنتج الوطني، الذي لطالما حقق لهم فوائد كبيرة في مواجهة التضخم الذي يسببه غلاء المنتج الأجنبي، وان يسعوا إلى تثقيف المستهلك لا مجاراته في »الحق والباطل«.
يروي أحد أصحاب الشركات أن منتج الطماطم الذي ينتجه لم يرفع عن الرفوف، بينما رفعت الأجبان والحليب، وحين سؤاله صاحب المتجر عن السبب، قال له: »المستهلك العربي يعرف أن في الدنمارك أبقار وليس طماطم«!
كتب ـــ إبراهيم توتونجي:
