يعد موضوع ارتفاع الأسعار من المواضيع الشائكة، خاصة وأنه يتعلق بمصدر لشكوى باتت تتواتر على نحو يكاد يكون يوميا من جانب أغلب الشرائح الاجتماعية والفئات الاقتصادية في دبي وغيرها، سواء تعلقت هذه الأسعار بالمواد أو بالخدمات الاستهلاكية.

ولم تقتصر الشكوى من ارتفاعات الأسعار التي امتدت لفترة غير متوقعة بعد أن تجاوزت مرحلة «المؤقت» على ذوي الدخول الضعيفة والمحدودة والمتوسطة، بل شملت كذلك فئة كبيرة من رجال الأعمال.وهو ما حصل مع المقاولين الذين علا صوتهم خاصة في العام 2004، عندما تكبّد بعضهم خسائر كبيرة كان مردها ارتفاع أسعار مواد البناء، كالحديد والاسمنت، بشكل غير منطقي، ما استدعى تدخل حكومة دبي التي اتخذت إجراءات فاعلة في هذا الصدد.منذ ذلك الوقت تبوأت مسألة البحث عن حل «استراتيجي» لمسألة ارتفاع الأسعار ومحاولة التخفيف من وطأتها على عاتق مختلف شرائح وفئات المجتمع وحتى الحكومة مكانة عالية الأهمية عند أصحاب الشأن في هذا الموضوع.

ولهذا الغرض قامت غرفة تجارة وصناعة دبي استجابة لحاجة ماسة تتبدى بين مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية بإعداد «نظام» أو «مشروع» مهمته إصدار مؤشر للأسعار بدبي.

«البيان الاقتصادي» التقت د. بلعيد رتاب، المدير التنفيذي في إدارة البيانات والأبحاث في غرفة تجارة وصناعة دبي، ليلقي الضوء على الدور الذي تقوم به الغرفة في دبي لمعالجة مشكلة ارتفاع الأسعار. وليتحدث باستفاضة عن النظام الجديد الذي ستصدر أولى مؤشراته في أبريل المقبل.

* وحدة مؤشر الأسعار

يعود د. رتاب في حديثه إلى بداية عام 2005، عندما تم استحداث وحدة داخل إدارة «البيانات والأبحاث» في «غرفة تجارة وصناعة دبي»، أطلق عليها اسم «وحدة مؤشر الأسعار»، وتكونت من خمسة موظفين تم تدريبهم بشكل شامل على مختلف التقنيات واللوازم الفنية المتعلقة بتطوير مؤشر الأسعار.

وكانت الخطوة الأولى لهذه الوحدة تحديد المشكلة للخروج بنتائج مقبولة تتعلق بطرق ونماذج متعارف عليها محلياً وعالمياً، تمكّن كل مجموعات العمل والحكومة ومتخذي القرارات والناس من التعرف على مسألة ارتفاع الأسعار وإيجاد الحلول المناسبة لها.

باشرت وحدة «المؤشر» عملها بتكليف من مجلس الغرفة. وعملت على تطوير نظام متطور جداً يساعدها على تجميع الأسعار. وإحدى أدوات هذا النظام جهاز الـ «بي دي أي»، الذي يُدخل فيه الموظف المتواجد في محل تجاري معين سعر سلعة معينة، ليقوم الجهاز بنقل السعر إلى الإدارة مباشرة، فيدخل في كومبيوتر خاص مهمته.

إضافة هذا السعر إلى القائمة التي تنتمي إليها السلعة المنتقاة. ليأتي دور مراقبة صحة الرقم. ثم تبنى بعد ذلك عليه الإضافات التي ستشكل في نهاية المطاف قائمة البيانات أو المؤشر السعري لكل سلعة على حدة.

ويشرح د. رتاب تفاصيل عملية جمع الأسعار وفقاً للنظام المستخدم التي تجري بحسب توقيت زمني محدد، لمنتجات معينة وفي أماكن مختارة ومحددة إحصائياً، وبحسب حالات مدروسة حيث لا يستطيع الموظف المسؤول عن تجميع الأسعار أن يغير في المكان، أو أن يأخذ منتجا آخر عوضا عن المنتج المحدد في النظام.

وتشمل عملية جمع الأسعار كل المواد المستهلكة، والتي تُنظّم حسب مجموعات مختلفة، كمجموعة «الخضراوات والفواكه»، ومجموعة «الأسماك ومشتقاتها»، ومجموعة «الحليب ومشتقاته»، وغيرها من المواد الاستهلاكية.

ويضيف د. رتاب، أن هذه الأنظمة المحددة تضبط توزيع كل المنتجات، ولا تقتصر على المواد المستهلكة فقط، بل تشمل الخدمات ذات الصلة، كالتعليم والعناية الصحية والنقل، إلخ. كما يوفر النظام معلومات دقيقة عن كل ما يستهلكه السكان.

ويحقق الغرض منه عبر تحديد الميزانية التي تصرف على سلعة معينة من المنتجات والخدمات لكل أسرة وحجم الطلب عليها، عبر دراسة كل مجموعة سكانية اجتماعية على حدة، بعد تقسيم السكان إلى خمس مجموعات حددها النظام بمجموعة السكان «المواطنين»، ومجموعة السكان «العرب»، ومجموعة السكان «الآسيويين»، ومجموعة السكان «الأوروبيين»، ومجموعة «العمال».

* تقسيمات سكانية وجغرافية

كما قسّم النظام دبي إلى 6 مناطق جغرافية مختلفة، ويرجع د. رتاب السبب في ذلك إلى أن كل منطقة من هذه المناطق، تقطنها مجموعة سكانية تختلف بالدخل وبنماذج استهلاكها عن بعضها البعض، حيث تختلف على سبيل المثال نماذج استهلاك السكان الأوروبيين عن نماذج استهلاك السكان الآسيويين، سواء تعلق الأمر بكمية الحليب أو الملابس أو الجرائد..

من هذا المنطلق، يأخذ النظام بعين الاعتبار كل الاختلافات في نماذج الاستهلاك لمختلف المجموعات السكانية في مختلف المناطق في دبي.

وتتم مسألة تجميع الأسعار على أساس شهري للمواد التي تتغير أسعارها بسرعة، كالخضار والفواكه والأسماك.. ليقوم النظام بتجميعها على فترات «ربع سنوية»، مشتملة على كل ما هو متضمن من منتجات وخدمات في النظام.

ويقول د. رتاب أن هذه العمليات تؤهل الوحدة في نهاية المطاف لمقارنة سعر كل مجموعة من المنتجات والخدمات عمّا كانت عليه في الشهر المنصرم والشهر الذي يتبع، وتتابع الوحدة تطور هذه الأسعار في مختلف الشهور، وفق مقاييس شهرية، وربع سنوية ونصف سنوية وسنوية.

* من المستفيد؟

وبعيداً عن العملية الميكانيكية للنظام، يبقى السؤال الأهم، من هم المستفيدون من نتائج هذا المؤشر؟ يجيب د. رتاب بأن الجميع مستفيد من هذا المؤشر: الحكومة، ورجال الأعمال، والمستهلكون على حد سواء، لأن مؤشر الأسعار هذا يساعد هذه الجهات على إعادة النظر في الأنظمة الاقتصادية لتكون إعادة نظر صحيحة.

والمؤشر عند صدوره سيكون مرجعا للجميع في التعاطي فيما بينهم خاصة بعد أن يتم التعارف عليه، ويصبح مقبولاً محلياً وإقليمياً وعالمياً، وذا مصداقية عالية، تعتمد عليه المجموعات الثلاث لوضع خططها أو الوصول إلى حلول لمشكلاتهم.

* حجة لزيادة الراتب

ويستطيع المستهلكون أن يتعرفوا من خلال هذا المؤشر على حركة الأسعار، نسبة ارتفاعاتها، ومناطق ارتفاعها، ومقارنة أسعارها مع أسعار منتجات استهلاكية أخرى.

ويرى د. بلعيد أن قراءة حركة الأسعار تمكّن المستهلك على الأقل من أن يعيد النظر في الميزانية الاستهلاكية لأسرته وترتيبها حسب ما يراه مناسباً أو يتناسب مع قدرته الشرائية، هذا من جانب.

من جانب آخر، يستطيع المستهلك بناء على مؤشر الأسعار أن يُطالب المؤسسة التي يعمل بها بزيادة أجره في حال ارتفعت الأسعار بشكل كبير يصعب معها مجاراة وتيرتها. وبالتالي سيكون المؤشر حجة يستند عليها المستهلك عند مطالبته صاحب العمل بإعادة النظر في أجره.

* رجال الأعمال

أما الفئة الثانية المستفيدة من المؤشر، فهي فئة رجال الأعمال الذين يساعدهم المؤشر برأي د. رتاب على وضع خططهم المستقبلية، سواء لجهة ما يتعلق بشراء المواد الخام لمؤسساتهم ومصانعهم، أو في وضع الخطط الإنتاجية، ما يمكنهم من إعادة حساباتهم الحقيقة المربوطة بمدخول الشركة، وإعادة حساب قيمة رصيد الشركة.

ويعطي د. رتاب مثالاً على ذلك، الشركات التي تستأجر مساكن لعمالها، فهذه الشركات بعد قراءة مؤشر الأسعار ستصبح قادرة على إعادة حسابات التكاليف التي قد تترتب على ارتفاع الإيجار بشكل أدق.

* تقييم النمو

وكما سيستفيد كل من المستهلك ورجال الأعمال من مشروع مؤشر الأسعار، يؤكد د. رتاب أن الحكومة ستستفيد بدورها من هذا المشروع عبر إعادة تقييم النمو الاقتصادي بالطرق الحقيقية التي تعبر عن تطور الأسعار الحقيقي داخل الدولة.

كما يساهم المؤشر برأي د. رتاب في إطلاع رجال الأعمال الذين يخططون للاستثمار في الدولة على الواقع الاقتصادي ومجالات الاستثمار المتاحة وحاجات السوق.

ويرى د. رتاب أن المؤشر الجديد سيكون واقعيا يعطي حقائق بيانية من واقع حال دبي، مشيراً إلى أن مؤشر الأسعار القديم الذي كان يعد على صعيد أبوظبي ويستنبط منه مؤشر أسعار دبي كان السبب في إعطاء نتائج غير منطقية.

من جهة أخرى، يؤكد د. رتاب أن مؤشر الأسعار الجديد لن تقتصر أهميته على المستوى المحلي، لأن استخداماته ستكون عالمية من خلال عمليات المقارنات العالمية.

* ارتفاع لا شك فيه

بدأ العمل بهذا النظام وبات جاهزاً تقريباً، وإلى اليوم جمعت مؤشرات أسعار الربع الثالث والرابع من العام الماضي، وتتواصل عمليات جمع المؤشرات اليوم.

وستستمر حتى شهر أبريل المقبل، حيث سيصدر عن الغرفة أول مؤشر للأسعار من واقع دبي. وهنا يجزم د. رتاب أن التوقعات تشير إلى ارتفاع لا شك فيه بأسعار مختلف أنواع السلع والخدمات في العام الجاري.

ويؤكد د. رتاب أنه لا يمكنه إعطاء إجابة مؤكدة حول ما إذا ارتفعت الأسعار خلال العام الماضي، نظراً لدقة النظام وصعوبته، التي تقوم على احتساب النسب المتعلقة بمختلف المجموعات الاستهلاكية، والمنتجات والخدمات ومختلف الشرائح وفترة المؤشر.

ويشدد د. رتاب على إمكانية الاستفادة من التجارب الجيدة في مختلف الدول التي سبقت دبي بإتباع هذا النظام، التي سهل النظام فيها الحوار بين مختلف الجهات، عبر الجمعيات التي تمثل جميع الأطراف، والتي يؤمن لها المؤشر إمكانية النظر إلى المستقبل بشكل أوضح.

كما يساعد المؤشر في عملية ضبط ارتفاع سعر أي سلعة بطريقة غير صحيحة، بسبب ارتفاع الطلب عليها على سبيل المثال.. ومن المعروف أن الإمارات دولة مستوردة في غالب الأحيان سواء تعلق الأمر بمواد استهلاكية مباشرة أو مواد يعاد تصنيعها محلياً.

فالدولة هنا من خلال عملية العرض والطلب تلعب دورا مهماً جداً عبر تسهيل عملية الاستيراد، عبر السماح للمستوردين على سبيل المثال أن يستوردوا سلعة معينة تعاني السوق المحلية من نقص المعروض منها.

ويشبّه د. رتاب مؤشر الاستهلاك بـ «آلارم» يقوم بتحديد مستوى ارتفاع الأسعار ومتابعة حركتها.. ما يسهل على الجميع المبادرة إلى حل المشكلة بعد ظهورها.

ويشير د. رتاب إلى ما حصل في عام 2004، عندما ارتفعت أسعار بعض مواد البناء بشكل «مهول»، ما دفع إدارة البيانات والأبحاث في غرفة تجارة وصناعة دبي إلى القيام بدراسات، بينت أن أسعار الحديد والإسمنت العالمية لا تعرف الارتفاع المهول الذي شهده البلد.

فوضعت مقترحات اتخذت على ضوئها حكومة دبي مباشرة قرارات، كان منها إلغاء الرسوم الجمركية عن هذه المواد. وهنا يؤكد د. رتاب أنه من خلال المؤشر يمكن استباق مثل هذه الأمور والبناء عليها.

مؤكداً في الوقت عينه على أن هذه الأمور في الدول التي يسودها ما يسمى «بالاقتصاد المفتوح» تمنع على الحكومة التدخل في مجرى الأسواق، حيث تترك الأمر رهناً بعمليتي العرض والطلب.. فيقتصر عمل الحكومة على محاولة تسهيل عملية العرض والطلب.

ويرى د. رتاب أن دبي ستشهد في نهاية المطاف بعد بضعة سنوات قليلة نوعاً من التوازن، لأن ارتفاع الأسعار فيها مرحلي، وهو نتيجة نموها الكبير وسعيها لأن تصبح مركزاً تجارياً عالمياً.. بالإضافة إلى مسألة النمو الديموغرافي.

والطفرة العمرانية التي تستدعي طلب يد عاملة جديدة تؤدي بدورها إلى زيادة الطلب على السكن والمواد الاستهلاكية والخدمات وغيرها. فارتفاع الأسعار مسألة مؤقتة، والمؤشر سيساعد رجال الأعمال والمستوردين في المرحلة المقبلة على تقدير حاجة السوق بناء على أرقام، بالإضافة إلى التشريعات التي تصدرها الحكومة.

كتب ضياء عبد العال: