أجمع خبراء ومحللون ماليون، على أن القرارات الصادرة عن بعض الشركات المدرجة في أسواق المال المحلية، فيما يتعلق بزيادة رؤوس أموالها، حملت الأسواق عبئاً كبيراً، ووضعت المستثمرين تحت ضغوط مرهقة، أدت في المقابل إلى قيامهم بعمليات تسييل واسعة لأسهمهم.
والخروج من السوق، تحت شعار الهروب من علاوات الإصدار المرتفعة، والتي ستسحب من الأسواق ما يقارب 18 مليار درهم على أقل تقدير، الأمر الذي حرمهم حقهم في المساهمة بهذه الشركات، مما دفع أسعار الأسهم للهبوط بقوة نظراً لوفرة عروض البيع.
وطالب الخبراء، في لقاءات خاصة مع »البيان«، جميع المساهمين والمستثمرين، بحضور الجمعيات العمومية، التي ستكون جمعيات ساخنة وسيحتد فيها النقاش، والتي من خلالها سيتمكنون من إيصال صوتهم لمجلس الإدارة وعدم موافقتهم على علاوات الإصدار، وأشاروا عليهم بمناقشة أرباح الشركات وتوقعات أدائها المرتقب في المرحلة المقبلة والأرباح المتوقعة خلال العام 2006.
وجاء فريق آخر من الخبراء، ليؤكد على أن بعض البنوك باتت بحاجة لزيادة رؤوس أموالها لتتمكن من رفع تصنيفاتها الائتمانية ومضاعفة قدرتها على الإقراض وضخ السيولة للأسواق.
إلا أنهم أشاروا إلى أن بعض الشركات تستطيع أن تقوم بخطوة رفع رأس المال دون اللجوء إلى المساهمين وسحب السيولة من الأسواق، سواء من خلال أسهم المنحة أو إصدار سندات طويلة الأجل أو من خلال الاقتراض من مؤسسات مالية.
واعتبر آخرون أن زيادة رؤوس الأموال المقبلة ستفرض على الشركات عبئاً اقتصادياً كبيراً يتمثل بأرباح تتماشى مع مقدار النمو في رأس المال وتوزيعات أرباح مماثلة للتي تم توزيعها عن العام 2005.
تأثير سلبي لقرارات رفع رؤوس الأموال
محمد علي ياسين المدير العام لمركز الإمارات للأسهم والسندات يقول في معرض حديثه »لاحظنا قيام الكثير من شركات المساهمة العامة في العام الماضي برفع رؤوس أموالها، للاستفادة من وفرة السيولة في أسواق الدولة بدلاً من ضخها في شركات أخرى، مثل بنك الخليج الأول وإعمار وأبوظبي التجاري وبنك الشارقة«.
وأضاف ياسين أن هذه العمليات كانت ناجحة وإيجابية في حينها، تبعاً لدورها المساند لموقف الشركات والذي عزز من وضعها السوقي اعتباراً للمشاريع التوسعية الكبيرة التي أعلنت عنها أو تلك التي مازالت طي الدراسة والبحث.
وبالفعل أثبتت هذه المشاريع نجاحها وأتت على المستثمرين بمردود كبير في ظل السيولة المالية الكبيرة والثقة الممنوحة لهذه الشركات، وتمكنوا جميعاً من تغطية معظم اكتتاباتها خلال العام 2005.
وأكمل ياسين قوله »لكن قرارات رفع رؤوس الأموال التي أعلنتها بعض الشركات المساهمة في الربع الرابع من العام 2005 والربع الأول من العام 2006، جاءت بتأثير سلبي على المستثمرين.
حيث أظهرت هذه العمليات ضغطاً شديداً على المساهمين في تلك الشركات، وزادت العبء المادي عليهم، بالتالي فإنهم وجدوا أنفسهم مجبرين ـ في ظل المنافسة الكبيرة على الأسواق ـ على أن يقوموا ببيع أسهمهم بدلاً من الاحتفاظ بها ليفقدوا بذلك حقهم في المساهمة بالشركة، وهو السبب الرئيسي وراء زيادة المعروض في الأسواق وزيادة الضغط على الشركات بشكل مستمر«.
وتوجه ياسين للمستثمرون بنصيحة مفادها »ينبغي على المساهمين في هذه الشركات، التواجد في الجمعيات العمومية، وإيصال صوتهم لمجالس الإدارة معلنين عدم موافقتهم على هذه الخطوة، وعدم التقاعس أو الانتظار إلى حين الحصول على موافقة وزارة الاقتصاد.
وهي فرصة كبيرة لهم لمعرفة أسباب هذه الزيادات والتعرف على التزامات الشركات المستقبلية والتي على ضوئها سيتعرف المستثمرين على تبعات هذا القرار، وخلاصة القول إن هذه القرارات والعمليات بحاجة للتنظيم وشرح موسع للمساهمين«.
زيادة الأسهم تحتاج لنمو مماثل في الأرباح
في المقابل يرى زياد الدباس مدير إدارة السوق الداخلية في بنك أبوظبي الوطني، أن زيادات رؤوس الأموال هذه ستؤدي إلى زيادة الأسهم المصدرة .
والتي تتطلب نمواً متزايداً مماثلاً في الأرباح للسنة الحالية، للحفاظ على عائد رأس المال، وقال الدباس »من جانب آخر هذه الشركات بحاجة ماسة للمحافظة على نسبة الأرباح الموزعة على المساهمين، فإذا ما وزعت 30% فهي بحاجة لتوزع النسبة نفسها في المرحلة التالية لزيادة الأسهم.
كل هذه الأمور تصب في زاوية توزيعات أسهم المنحة ونلاحظ أن عدداً من الشركات لم توزع من »الكاش« لتحافظ على سيولتها ولتستخدمها كسلاح لرفع سعر السهم«.
وأضاف الدباس مبرراً قيام البنوك في الوقت الراهن برفع رؤوس أموالها أنه جاء تبعاً لحاجتها للسيولة التي ستزيد بدورها القاعدة المالية للبنوك وترفع من حجم التصنيف الائتماني لتتمكن من توفير عمليات تمويل واسعة للمشاريع المرتقبة، ولكنه في المقابل أكد على أن هذه القرارات جاءت في وقت تواجه فيه الأسواق نقصاً في السيولة وحاجة ملحة لإيجادها.
وتوقع الدباس أن تكون الجمعيات العمومية المقبلة حافلة بالمعلومات ومجالس إدارات هذه الشركات مطالبة بالإفصاح عن توقعاتها للمرحلة المقبلة وأدائها في العام 2006 وخاصة فيما يتعلق بأعمالها التشغيلية، وتوقعاتها بالنسبة لأرباحها ليتمكن المستثمر أو المساهم من قراءة وضع هذه الشركة أو تلك.
المستثمرون مطالبون بتوفير 18 مليار درهم من زاوية أخرى اعتبر هيثم عرابي المدير التنفيذي لمجموعة الأصول في شعاع كابيتال، أن ردة فعل السوق تجاه هذه القرارات جاءت سلبية.
وترجمها المستثمرون بشكل مباشر وسريع من خلال عمليات بيعهم للأسهم، التي ظهر تأثيرها بوضوح في مستويات الأسعار المتداولة بين المستثمرين، فالسوق مطالب بـ 18 مليار درهم تقريباً كمحصلة أولية مستحقة على المساهمين.
وهو ما سيجبر المستثمرين على السعي وراء توفير هذه الأموال حتى لا يفقدوا حقهم في الاكتتاب والمساهمة في شركاتهم، وتوفير هذه السيولة لن تأتي إلا من خلال بيع الأسهم أو الاستدانة، وفي المحصلة ستحدث هزة للسيولة السوقية المتوافرة.
ولكن الأمر في الوقت الحالي لم يعد خطيراً لأن السوق والمستثمرين استوعبوا الخبر من خلال تراجع أحجام التداول وقيمة الأسهم ومستويات الأسعار التي نشاهدها في الوقت الحالي مثل إعمار على أكبر تقدير.
وأضاف عرابي »الجمعيات العمومية المنتظرة ستولد نقاشاً حاداً، فهي مطالبة بالأساس بتبرير هذه الزيادات والحاجة لها وتفسير وضع أرباحها، والتي في المقابل هي مطالبة بتوزيعات مغرية.
ولكن بغض النظر لابد من قيام هذه الشركات بزيادة رؤوس أموالها في الوقت الراهن من خلال احتياطاتها وتوزيعات أسهم المنحة دون القيام بسحب السيولة بشكل موسع من السوق«.
وأشار عرابي إلى أن المستثمرين مازالوا متخوفين من تراجع أكبر تبعاً للأرباح التي خيبت توقعاتهم، إضافة إلى السيولة التي سيتم جمعها من السوق، والاكتتابات العامة التي باتت وشيكة، في شركة الاتصالات المتكاملة، ومصرف السلام البحريني، والتي أدت إلى ابتعاد حماسة المستثمرين.
وعلى هذا الأساس فإنه من الضروري أن يقوم المستثمرون بالتفاوض على تخفيض قيمة علاوات الإصدار المقترحة، التي ولدت نظرة تشاؤمية للسوق وأبعدت الحماسة لدى المستثمرين.
طرق أخرى لزيادة رأس المال
من جهته اعتبر عادل الحوسني »مدير مجموعة محافظ استثمارية«، أن البنوك بحاجة لزيادة رؤوس أموالها، وأن تتوسع في أعمالها لتزيد من أحجام الإقراض لديها، فتأثيراتها بشكل عام لن تكون سلبية بل إيجابية نظراً لحجم السيولة والإقراض الواسع الذي ستوفره للأسواق من خلال مضاعفة قدرتها 10 مرات.
وقال الحوسني »المشكلة تكمن بقيام البنوك بالمطالبة بعلاوات إصدار كبيرة، وهو الأمر الذي أضر بالأسهم والأسعار، نظراً لأن تكلفة الاكتتاب في هذه الأسهم ستصل إلى 400% و500%.
فلا يجب استخدام العلاوة كرأسمال مشغل، فالقانون يلزم الشركات بتمويل علاوات الإصدار، ولا يجوز استخدامها إلا من خلال المنحة، وما نراه حالياً يشير إلى أن هذه الشركات قامت بجمع علاوات الإصدار.
وضخها في مشاريعها على أنها رأسمال مستخدم، وعليه فإن الجهات المختصة وعلى رأسها وزارة الاقتصاد مطالبة بتعميم الوضع وإلزام هذه الشركات بتحويل علاوات الإصدار إلى أسهم منحة«.
وتطرق الحوسني إلى قضية مهمة مفادها أن بعض الشركات المساهمة قامت بالتلاعب بمصالح المستثمرين من خلال رفع رؤوس الأموال والمطالبة بعلاوات إصدار كبيرة وتوزع في الوقت نفسه أرباحاً نقدية، فكيف لهاتين الفكرتين أن تتفقا معاً، لذا فإن هذه الشركات مطالبة بتعويض المستثمرين وعدم إلحاق الضرر بهم.
وأكد الحوسني على أن الشركات تستطيع أن ترفع رأسمالها بطرق مختلفة كثيرة بعيدة كل البعد عن سحب السيولة من خلال اكتتابات كبيرة، أولها إصدار أسهم المنحة، فإذا لم تستطع أو تستفد منها فيمكنها إصدار سندات طويلة الأجل، فإن لم تستطع ذلك فيمكنها اللجوء إلى الاقتراض من المؤسسات المالية.
وإن لم تستطع فيمكنها أن ترفع رأسمالها دون طرح علاوات إصدار، فعلاوة الإصدار ما هي إلا استغلال للوضع المالي ولا يصب إلا في مصلحة المدراء التنفيذيين للشركات، ويبتعد كل البعد عن مصلحة المساهمين.
تحقيق: سمير حماد
