في الهندسة التي طغت على العقود الأخيرة، أمسى النقاش البنّاء بشأن القيم صعباً في بعض الأحيان بل أشبه بالمستحيل. وفي يقظة صورة عالم الميكانيكيّات، أصبح لدينا نظرة تعدّدية عن القيم. فمتى ناقشنا حسنات عمل ما وسيّئاته - في الهندسة، التخطيط، المناظر الطبيعيّة ـ يُعتَبَر كلّ منّا صاحب «نظرة»، أو موقف، أو توجّه نحو القيم. ونادراً ما تبرز طريقة مترابطة نظريّاً لمزج قيم مختلف الناس.
لذلك، إذا كانت المسألة عامّة، فإنّما نقدّم لكلّ إنسان بكلّ بساطة الفرصة ليعبّر عن وجهة نظره بقوّة قدر ما يستطيع، أملاً بأن يوصلنا الحوار الديمقراطيّ الذي نثيره، بطريقة ما، إلى نقطة متوازنة في الوسط تقريباً.
وهذا بالتحديد ما حدث في نقاش القرن العشرين بشأن بناء المشاريع، التخطيط والأعمال، نقاش قد يحدث في أيّ ظرف عامّ. وعندما تُثار مناقشة بشأن ما يمكن القيام به في جزء ما من مدينة، يعتبر أحدٌ ما أنّ معالجة الفقر هي الأولويّة، فيما يرى آخر أنّ البيئة هي الأهمّ.
وينطلق شخص من زحمة السير أساساً لنقاشه، فيما يعتبر آخر أنّ جعل الأرباح الناتجة من التطوّر في حدّها الأقصى عاملاً مرشداً. فوجهات النظر هذه كلّها إنّما هي فرديّة، شرعيّة، ومتعارضة بطبيعتها.
ومن المسلّم به أن لا وجهة نظر واحدة يمكن بها مزج كلّ هذه الحقائق، بل إنّ هذه الحقائق تُقال بكلّ بساطة هنا وهناك في الأسواق أو في منتديات عامّة.
ولكن، بدلاً من الرؤية الواضحة، بدلاً من تنمية وعي عامّ عمّا يجدر القيام به في مبنى، حديقة عامّة، أو حتّى في مقعد صغير في حديقة، باختصار عمّا هو جيّد، فإنّ الحالة تبقى تلك التي تَشنّ فيها حرباً وجهاتُ نظر مختلفة ومتضاربة في ذلك العمل الذي، وإن سعى إلى التوازن، بقي غير مُدرَكِ إدراكاً حسناً.
يقوم المهندسون باختيارات مختلفة وخصوصيّة، لأنّه يستحيل، في وجهة النظر العالميّة الميكانيكيّة، العمل ذهنياً بدون القيام بخيارات خاصّة كتلك. يكاد يكون كلّ مهندس يعمل اليوم مكرهاً على القيام بعمل مماثل. ولكن، ها هو مهندس يدافع عن البيئة؛ فهو يسعى إلى الحفاظ على الطبيعة. ولكن كيف القيام بذلك؟
فعلى سبيل المثال، منذ سنوات خلت، لم تتمكّن دراسة أجريت حول أرض نبتت فيها أجمة جعلتها أكثر عرضة للحرائق فوق هضاب بركلي من الإجابة هذا السؤال.
أيجدر إزالة الأشجار والأغصان المقطوعة منها لحمايتها من أيّ حريق قد يندلع أم تحويلها إلى حديقة عامّة مفيدة؟ أيجدر تركها بمظهرها الفوضويّ والبريّ للحفاظ على مساكن الطيور والشتول التي تولد فيها (وجهة نظر بيولوجيّ) أم الإبقاء على حالها لتوفير المال فحسب (وجهة نظر الجامعة)؟
أيجدر بها أن تكون بريّةً جامحةً أم ساكنةً مروّضةً؟ تتعلّق المسألة، مرّة أخرى، بوجهات النظر ضمن الإطار الميكانيكيّ. فتختار من بين وجهات النظر المتعارضة، ولكن، أوقع اختيارك على أحدها أو على مزيج منها، فالخيار، أيّاً يكن، فهو فرديّ واعتباطيّ.
لم يكن الجواب في القرنين العشرين والحادي والعشرين على النتيجة الاعتباطيّة في الفكر الميكانيكيّ حتّى الآن إلاّ الحفاظ على الكرامة وخصوصيّة القيم بالتأكيد. وهو ما يشبه القول إنّ: «العلم يطلعنا على الوقائع فحسب. أمّا عندما يعود إلى المرء التفكير في ما عليه القيام به، فتلك مسألة خصوصيّة «مسألة ترتبط بالفنّ أو الأخلاقيّات».
إنّه حقّنا الطبيعيّ بالتفكير في قيمٍ خاصّة بنا. فوجهة النظر العالميّة العلميّة التي نعرفها لن تطلعنا على القيم بل يقضي واجبنا الديمقراطيّ على أن نقوم به من أجلنا نحن.
ولكنّ كلّ ذلك لا ينفكّ يجعل «الحياة» في المدن والمباني والمناظر الطبيعيّة تبدو غير واقعيّة.
كما لو أنّها لم تكن يوماً. كما يجعل كلاًّ من العمل التعاونيّ، المساعدة والاتّفاق الاجتماعيّ صعباً جدّاً في المبدأ، إذ إنّه يتمتّع بتساهل سطحيّ يبدو أنّه يشجّع، في الواقع، الاعتباطيّة الأساسيّة للأفكار المتجذّرة في وجة نظر ميكانيكيّة للطريقة المصنوع بها العالم.
فما نحن بحاجة إليه هو وجهة نظر يمكن مشاركتها، رأي يمكن العوامل العدّة التي تؤثّر في البيئة أن تتعايش فيه بشكل متناسق، حتّى نتمكّن من العمل معاً - لا عبر المواجهة والجدال ـ بل لأنّنا نتشارك وجهة نظر واحدة كليّة عن هدف موحّد للحياة.
بقلم: المهندسة زينة مالك