»ليس كل ما يلمع ذهباً«.. حكمة قديمة يعرفها الجميع تقريبا..ولكن من المؤكد أن تلك المصنوعات الذهبية التي تشتهر بها بلدة شفاباخ الألمانية تجعل أي شكوك تثيرها مثل هذه الحكمة بلا أساس. إذ إن هذه البلدة تحول الذهب إلى رقائق متألقة تخطف الأبصار.
ورغم أن الطرق على الذهب الخام يبدو للوهلة الأولى وكأنه عمل عنيف غليظ يصم ضجيجه الآذان إلا أنه في حقيقة الأمر ليس إلا عملا شديد الدقة والإحكام. فعلى سبيل المثال نجد أحد المتخصصين في هذا العمل بالبلدة وهو هربرت فستنر ينهال بمطرقته على الكتلة المؤلفة من خام الذهب والمغطاة بالجلد مرة تلو الأخرى بلا توقف تقريبا.
وبإيقاع منتظم يطرق هذا الرجل على تلك الكتلة الصغيرة إلى أن يشعر بعد ساعتين ونصف الساعة من العمل الشاق أن بوسعه وضع مطرقته جانبا وهو يشعر بالرضا عما قام به من عمل.
وهكذا تتحول 6836 من قطع خام الذهب إلى 2500 من الرقائق الذهبية التي يمكن استخدامها في المخطوطات والأيقونات التي يتم وضعها واستخدامها في المساجد والكنائس والقصور في مختلف أنحاء العالم.
وللمشغولات اليدوية الذهبية باع طويل في ألمانيا. ويبلغ عدد من يعملون في حرفة طرق الذهب وتشكيله وصياغة رقائق منه في شفاباخ 150 شخصاً من بينهم فستنر (60 عاماً) بالطبع .
ويعد ذلك الرجل خبيرا في مجاله حيث يدير ورشة الرقائق الذهبية في شفاباخ وهي واحدة من ثماني ورش مماثلة تنتج الصفائح الذهبية في تلك البلدة التي تطلق على نفسها اسم »عاصمة الرقائق الذهبية في العالم« رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز 38 ألف نسمة.
وفي وقت من الأوقات كان عدد العاملين في هذه الحرفة يصل إلى 1500 شخص يتوزعون على مئة شركة. ويتذكر فستنر تلك الأيام بالقول: »كان بوسع المرء أن يسمع صوت الطرق على المعادن المنبعث من داخل البيوت. أما اليوم فلا توجد سوى شركتين فقط تقومان بتصنيع منتجاتهما من الرقائق الذهبية المطروقة يدويا بالكامل.
ويمكن للمرء أن يجد الرقائق الذهبية المصنوعة في شفاباخ في أي مكان في العالم يسعى قاطنوه إلى استخدام الذهب في زخرفة وتزيين جدران المكان سواء لإبراز مدى الثراء الذي يتمتعون به أو في مضمار الزخرفة ذات الطابع الديني.
وعلى سبيل المثال قدم العمال المهرة في مجال صياغة الذهب من تلك البلدة الألمانية وحدهم 800 ألف من الرقائق الذهبية البالغ عددها 1.2 مليون التي استخدمت في تذهيب قبة الكنيسة الموجودة في مجمع ليز إنفاليد بباريس في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
كما أنتج هؤلاء الصناع أيضا 120 ألفا من هذه الرقائق من أجل مبنى المحكمة العليا في ليون. ولا يقتصر الأمر على فرنسا فحسب إذ إن الكثير من الرقائق الذهبية المصنوعة في شفاباخ استخدمت في قصر سلطان بروناي.وفي العاصمة المجرية بودابست استخدمت تلك الرقائق الذهبية لتزيين كاتدرائية القديس ستيفان وكذلك المتحف الوطني في المدينة.
إلى جانب ذلك لجأ القائمون على مشروع إعادة إحياء البلدة القديمة في مدينة كراكوف البولندية إلى صناع الرقائق الذهبية المهرة في »فرانكونيا« وهو الاسم التاريخي الذي يطلق على منطقة في جنوب ألمانيا تضم حاليا ثلاثا من مقاطعات ولاية بافاريا لتزويدهم بالرقائق التي يحتاجونها في هذا المشروع.
وتحظى الرقائق الذهبية المصنوعة في شفاباخ بإقبال كبير أيضاً من جانب المساجد في العالم العربي والكاتدرائيات الأرثوذكسية في بلدان شرق أوروبا. وتكتسب الأيقونات التي توضع على جدران الكنائس الأرثوذكسية قيمتها بشكل خاص من الرقائق الذهبية المصنوعة يدويا التي تستخدم في تذهيبها والتي تأتي من هذه البلدة الألمانية.
وعلى الرغم من أن فستنر الذي يحتاج مئة جرام من الذهب الخام لصنع 1500 رقيقة ذهبية مطروقة قد أمضى 46 عاما في هذا العمل إلا أنه لا يبدي الكثير من المؤشرات على أنه قضى تلك الفترة الطويلة يعمل في مجال طرق الذهب.
ومع أن هذا العمل يبدو شاقا ورتيبا إلا أن فستنر يقول: »لا يمكن أن أتصور أن هناك عملا آخر أفضل منه. ما هي الحرفة التي يمكن أن تمنحك هذا القدر من الحركة والنشاط. لست بحاجة إلى ناد رياضي. إنني أتمتع بلياقة بدنية كما لو كنت شابا في العشرين من عمره«.
(د.ب. أ)
