ظل التكامل الاقتصادي العربي شعاراً طوال الخمسين سنة الماضية، شعاراً أكدته الصحافة وتناولته كل أجهزة الإعلام وأدرجته مؤتمرات اقتصادية عدة في جداول أعمالها، كما أدخلته بعض المنظمات العربية المشتركة في برامج وظائفها،

ومن أولها مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، ومع ذلك لم يفكر أحد من كل هؤلاء في أن يتقدم بخطوات لتنفيذه أو التمهيد له بخطط اقتصادية فوقية ولا أن يؤخذ هذا التكامل في الاعتبار عند إعداد خطط التنمية والمشروعات الإنتاجية التي تنشئها الدول العربية حتى لا تنافس بعضها البعض. ويكون هناك أساسا للتكامل الاقتصادي المستقبلي!

وفي أواخر يناير الماضي قامت الجمعية الجغرافية المصرية بعقد ندوة حول التكامل الاقتصادي العربي، وعلى الرغم من انه تمت مناقشة جوانب عدة من هذا التكامل وتحدث فيها عدد كبير من أقطاب الاقتصاد العربي من بينهم الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية،

فان ما تم بهذه الندوة لم يختلف عن أية ندوات أو مؤتمرات ناقشت هذا الموضوع من قبل ووضعت فيه توصيات ونظريات حفظت في الأدراج ولم ينفذ منها شيئاً حتى الآن، وذلك بالرغم من أهمية تحقيق التكامل الاقتصادي في تقوية الاقتصاد العربي ومعالجة المشاكل الاقتصادية التي تواجه شعوب الدول العربية.

وفي كلمته أمام الندوة أكد الدكتور احمد جويلي أهمية قيام تكامل اقتصادي عربي وربطه بمراحل التنمية في البلاد العربية، وذلك في ضوء المتغيرات الايجابية الجديدة التي طرأت مؤخراً على الاقتصاد العربي، وبهذه المناسبة يهمني ان اذكر الملاحظات التالية والتي كانت محل اعتبار الندوة :

- أوضحت البيانات المتاحة عن الاقتصاد العربي ان هناك زيادة ملحوظة في الناتج الإجمالي على مستوى الدول العربية حيث بلغ 860 مليار دولار أميركي عام 2004 بالمقارنة بحوالي 722 مليار دولار أميركي عام 2003 وان جانباً كبيراً من هذه الزيادة يرجع الى زيادة الصادرات البترولية بعد ارتفاع أسعار البرميل الى حوالي 70 دولاراً أميركياً،

بالإضافة الى قيام أغلب الدول العربية بتطبيق أنظمة الإصلاح الاقتصادي الهيكلي الذي أثر بدوره على معدل النمو السنوي بالنسبة للأسعار الثابتة والذي سجل زيادة بحوالي 7 % في عام 2003 / 2004 مقابل 7,6 % في عام 1999 / 2000.

ـ حققت التجارة الخارجية قفزات كبيرة حيث بلغت 400 مليار دولار أميركي عام 2004 مقابل 300 مليار دولار أميركي عام 2003 أي هناك زيادة بحوالي 100 مليار دولار أميركي نتيجة الزيادة في قيمة الصادرات البترولية التي مثلت حوالي 70 % من إجمالي قيمة الصادرات،

غير ان الأهمية النسبية للتجارة الخارجية العربية ،ما زالت ضعيفة ومحدودة بالنسبة لإجمالي التجارة العالمية، علماً بأن أغلب الزيادة في واردات الدول العربية كانت من الآلات والمعدات وهو مؤشر ايجابي لزيادة الاستثمارات في المنطقة العربية.

ـ تم تنفيذ منطقة التجارة الحرة بين الدول العربية بالكامل منذ يناير 2005 وكان قد بدأ تنفيذها جزئياً وتدريجياً منذ عام 1998، ولقد ساعدت المنطقة الحرة على زيادة التبادل التجاري البيني بين الدول العربية في السنوات الأخيرة حيث كانت الصادرات البينية عام 1998 حوالي 3,13 مليار دولار أميركي فزادت الى 7,34 مليار دولار أميركي عام 2004 أي بنسبة 163 % خلال ست سنوات،

أما الواردات البينية فكانت حوالي 1,13 مليار دولار أميركي عام 1998 فزادت الى 6,36 مليار دولار أميركي عام 2004 اي بنسبة زيادة قدرها 180 % خلال ست سنوات، وهو ما يوضح ان التدهور التجاري البيني الذي استمر ما يقرب من خمسين سنة سوف ينتهي قريباً.

ـ بدأت الاستثمارات العربية البينية في التزايد نتيجة الطفرة الكبيرة في الفوائض المالية في الدول الخليجية بسبب ارتفاع أسعار البترول، كما حققت البورصات العربية ارتفاعاً ملحوظاً خلال العام الماضي خاصة في الأسواق المالية الخليجية والمصرية وذلك الى جانب زيادة رؤوس الأموال العربية التي اتجهت الى هذه الأسواق قادمة من الخارج،

وقد تم إنشاء ثلاثة اتحادات نوعية عربية عام 2005 أهمها الاتحاد العربي للاستثمار المباشر واتحاد المستثمرات العربيات، والمعروف ان الاستثمار المباشر هو الطريق العملي الوحيد للتنمية الاقتصادية العربية وزيادة الإنتاج العربي في مجموعه والحد من الواردات وإعادة التوازن التجاري إلى المنطقة العربية.

غير ان هناك تحديات تقف أمام التنمية الاقتصادية العربية في مواجهة تحقيق التكامل الاقتصادي العربي واستمراره شعارا فقط، ومن بين هذه التحديات :

ـ تفاقم مشكلة البطالة التي وصلت الى حوالي 20 % من القوة العاملة العربية، وهو ما يعنى ان هناك حوالي 25 مليون عاطل في الدول العربية 60 % منهم من الشباب والخريجين وهى نسبة تتزايد كل عام بمقدار 3 % نتيجة الخريجين الجدد الذين لا يجدون عملاً في المجالات التى يتخرجون فيها،

وهذا يرجع الى انه لا يوجد خطة تعليمية تربط التعليم بسوق العمل العربي على مستوى المنطقة العربية، كما انه مازال هناك قصور في البحث العلمي وتطوير هياكل الإنتاج بما يتفق مع إمكانيات العاملين الفنيين بالمنطقة العربية حيث يبلغ حجم الإنفاق العربي على البحث العملي 24,0 % فقط من إجمالي الإنفاق العالمي على البحوث العلمية والذي يبلغ 2 % في المتوسط بالدول المتقدمة.

- ندرة المياه في الدول العربية من أهم التحديات التي تقف أمام التنمية الاقتصادية العربية، حيث ان الدول العربية تستحوذ على 10 % من مساحة العالم ( حوالي 2,14 مليون متر مربع ) و 5 % من سكانه اى حوالي 300 مليون نسمة غير ان نصيبها من المياه لا يتعدى 5,0 % ، وهو مؤشر سلبي للتنمية الاقتصادية العربية ويتطلب اهتمام الدول العربية في وضع خطة أو خطوات تنفيذية لمواجهة هذا النقص في المياه،

لأنه يمكن ان يقوض أية توسعات اقتصادية على المستوى العربي الشامل، خاصة لمواجهة ما تصنعه إسرائيل من خطوات لزيادة حوزتها على المياه العربية وخلق مشاكل اقتصادية مستقبلية غير مرئية للدول العربية نتيجة هذا النقص المائي، وذلك بهدف الضغط للاستجابة للمخططات الإسرائيلية وللاستحواذ على اكبر كمية من الأراضي العربية.

ـ المؤشر السلبي للتعاون الاقتصادي العربي الذي تم التخطيط له منذ قيام جامعة الدول العربية عام 1945 عندما تم إبرام معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية، فباستثناء منطقة التجارة العربية الحرة التي تم تنفيذها أوائل يناير من العام الماضي، فان كل مشروعات التعاون الاقتصادي العربي متوقفة تقريباً ولم يتم منها شيئاً على المستوى الجماعي،

وعلى سبيل المثال فان اتفاقية اتخاذ جدول موحد للتعريفة الجمركية بين الدول العربية التي وافق عليها المجلس الاقتصادي العربي عام 1956 ظلت متوقفة طوال السنوات السابقة وان كانت قد ظهرت على الساحة من جديد منذ شهور في انتظار تعديلها والتوقيع عليها من الدول العربية،

كما ان هناك اتفاقات جماعية أخرى أعدت عام 1953 ولم تر النور حتى اليوم كاتفاقية تسوية المعاملات الجارية وانتقالات رؤوس الأموال بين الدول العربية، والتي اذا كان قد تم تنفيذها لأحدثت تغييرات كبيرة في المعاملات التجارية بين الدول العربية.

ـ ولا شك ان عدم تنفيذ السوق العربية المشتركة هو أكبر تحد أمام قيام تكامل اقتصادي عربي، بل أقول إن تنفيذ هذه السوق سيفرض هذا التكامل حتى دون تخطيط لأنها تتضمن حرية الانتقالات للسلع ولرؤوس الأموال والأشخاص ( عمال ورجال أعمال )،

وبالتالي تؤدي الى قيام المشروعات الانتاجية والخدمية الكبرى حيث يتوافر الطلب عليها مما يؤدي أيضاً الى قيام مجتمع عربي جديد يقوم على المعاملات التجارية الشفافة وبلا قيود وفي ضوء

منافسة شريفة وانتقالات رخيصة تغني عن الاستيراد من الخارج والتوجهات الأجنبية، ولعل هذه الاهمية الكبيرة للسوق العربية المشتركة هو ما دعا جامعة الدول العربية تحدد عام 2015 وتتدخل بوضع خطوات لانشائها في ضوء ما ذكره الأمين العام للجامعة خلال اجتماعه بالدوحة اواخر العام الماضي، وهو مؤشر ايجابي بقرب تنفيذ هذه السوق التي ستؤدي الى انقلاب اقتصادي جذري بالمنطقة العربية.

وعلى انه يهمني ان أوضح ان السوق العربية المشتركة وكافة مشروعات التعاون الاقتصادي العربي التي لم تنفذ حتى الان، تتطلب أولا الاهتمام برفع مستوى التنمية الاقتصادية العربية والتي لن تتم الا بالاستثمار المباشر ومن أموال عربية يستخدم اغلبها في استثمارات بالخارج

حيث يقدر البنك العربي جملة الاستثمارات العربية في الخارج بما يزيد على تريليون دولار ( تبلغ استثمارات السعودية وحدها بما يعادل 750 مليار دولار حسب إحصاءات نشرها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية ) تستخدم هناك في مشروعات متعددة ـ في عقارات وحسابات جارية وودائع بالبنوك الأجنبية وبورصات الأوراق المالية،

وهو ما يمكن سحبة بالتدريج وتحويله الى استثمارات بالمنطقة العربية وبالشروط التي يرتضيها المستثمرين العرب في الخارج وهي ان كانت يمكن ان تتساوى مع المزايا التي تستثمر بها الأموال العربية في الخارج او تزيد قليلا عنها فإنها تضع أساساً للتقدم الاقتصادي العربي المستقبلي الذي يؤدي الى الحصول على مقدرات الحماية للاقتصاد العربي وضد مشاكل البطالة والفقر التي تغرق فيها بعض الدول العربية كالسودان وموريتانيا وجيبوتي.

وذكر الدكتور أحمد خليل المطوع أمين منظمة الخليج للاستشارات الصناعية، في حديث نشر له مؤخراً، ان هناك أموالاً خليجية كبيرة مستثمرة في الخارج نتيجة المزايا التي تقدمها الدول الأجنبية،

وان صندوقا خليجياً واحدا من الصناديق الموجودة في دول مجلس التعاون الخليجي لديه استثمارات في الخارج قيمتها تصل الى 350 مليار دولار أميركي، وهو مؤشر لمدى ضخامة الأموال الخليجية والعربية المستثمرة في الخارج والتي اذا ما قدمت اليها مزايا استثمارية داخلية تتقارب أو تتفق مع المزايا التي تحصل عليها من الخارج فإنها ستعود للاستثمار داخل منطقة الخليج بوجه خاص وداخل المنطقة العربية بوجه عام، على ان ذلك يتطلب بعض النقاط التي تقتضي الإسراع بها :

(أ) إعداد قانون استثماري خليجي للاستثمار داخل الخليج يتضمن كل المزايا التي يمكن تقديمها للخليجين والعرب بوجه عام الذين يرغبون في الاستثمار داخل منطقتهم العربية.

(ب) تفعيل قانون الاستثمار العربي الموحد الذي صدر منذ أكثر من عشر سنوات ووقعت عليه تقريباً كل الدول العربية وبه مزايا عديدة للاستثمار، ولكنه لم يتابع حتى في أجهزة الإعلام.

(ج) وضع خطة استثمارية خليجية وعربية تتضمن المشروعات المشتركة والمحلية التي تشجع المستثمرين الخليجين على تنفيذها وذلك بمساعدة خبراء البحث العلمي، وهناك 3500 مشروع جاهزين للإنشاء داخل المنطقة العربية قام مجلس الوحدة الاقتصادية بتجميعها على مستوى الوطن العربي.

ان الاستثمار المباشر الذي نشأ من أجل تحقيقه اتحاد متخصص هو اتحاد الاستثمار العربي المباشر لا شك انه سوف يساعد على قيام التكامل الاقتصادي العربي وينقله من مجرد شعار نظري الى تنفيذ عملي لصالح الشعوب العربية في مجموعها، وهو ما سوف يساعد أيضاً على الإصلاح العربي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يأمل فيه كل الشعوب العربية.

ـ كاتب اقتصادي مصري