لا نقلل من أهمية جهود التنمية في الدول العربية والخليجية الأخرى إن كررنا ما قاله البعض قبلنا من أن دبي تبدو للمراقب وكأنها وحدها تسعى إلى تحويل نفسها إلى محرك اقتصادي رئيسي للمنطقة العربية وما وراءها خلال السنوات العشر المقبلة من خلال بناء الهياكل والمؤسسات الاقتصادية والإنتاجية والمالية والخدمية والتنظيمية التكاملية التي تكفل لها تحقيق هذا الهدف الطموح.
ولا نقلل من فرص نجاح الخطط والمشاريع التنموية والاستثمارية في الدول الخليجية كلها إذا اقترحنا أن الفارق الأساسي بين منظومة الخطط والمشاريع الخليجية التي يجري تنفيذها أو التي تنتظر بدء التنفيذ أو استكمال الدراسات الخاصة بها سواء في دبي أو غيرها هو غياب أهم عامل اقتصادي في المنطقة عن منظومة الخطط والمشاريع هذه لا حضوره ونعني به النفط.
وفهم هذا الاختلاف الجوهري في طبيعة المشاريع أساسي للمستثمر الذي يحاول وضع استراتيجية استثمارية في المديين المتوسط والطويل فالتحديات التي يفرضها غياب، أو تغييب، النفط عن اقتصاد معين وشركات معينة ناشطة فيه تتطلب وجود نظرة بعيدة وقدرات إدارية وتخطيطية متميزة لتحقيق النجاح لذا لا ينطبق عليها ما ينطبق على الشركات العادية،
إلا أنه من الضروري للشركات المتوجهة إلى الساحتين الإقليمية والعالمية استغلال الفرص المتاحة في كل مكان تستطيع العمل فيه، ولا شك في أن ارتفاع أسعار النفط خلال الأشهر الـ 18 الماضية وفر فرصاً استثمارية لم يعرفها الخليج إلا في مرحلتين سابقتين: الأولى في بداية السبعينات، والثانية في بداية العقد الذي تلاه وقدمت آنذاك الفرصة التي أتاحت لدبي بدء عملية التنمية المتميزة التي يعرفها الجميع.
ولا يمكن الجزم الآن إذا كانت المرحلة الراهنة ستفوق عمر المرحلتين السابقتين أو أن سعر برميل النفط سيكون بعد 18 شهراً 100 دولار أو عشرة دولارات، لكن يمكن الجزم بأن غالبية الشركات التي لم تستفد من هذه الطفرة السعرية الجديدة لن تتمكن على الأرجح من الاستفادة من أي فرصة أخرى وعلى المستثمر أن يتجنبها وأن يتجنب الإشاعات التي تُنسج حول اقتراب يقظتها من سباتها الطويل.
ونطالب المستثمر الخليجي بما لا يُطالب به أي مستثمر في أي سوق استثمارية ناضجة إن توقعنا منه أن يكون عالماً اقتصادياً وخبيراً استثمارياً خطيراً ففي تلك الأسواق «جيوش» من الوسطاء والخبراء والمستشارين الاستثماريين الذين يقدمون النصائح للمستثمر ويحللون نتائج الشركات في قطاع معين قياساً ومقارنة بأداء الشركات في القطاع نفسه أو في القطاعات الأخرى،
إلا أن الأهم من وجود هؤلاء الوسطاء والخبراء والمستشارين، الذي لا يمكن للمستثمر أن يثق دائماً بحيادية تقييمهم وموضوعيته ناهيك عن انصباب اهتمام بعضهم على تحصيل العمولات فقط، كما ثبت في حالات معروفة، هو وجود الصحافة الاقتصادية والاستثمارية القادرة على دراسة نتائج الشركات وبياناتها ومقارنتها مع الشركات الأخرى ومع نتائجها السابقة ومن ثم تقديم التحليل الذي يساعد المستثمر على اتخاذ القرار.
وما لم تكن الصحافة الاقتصادية قادرة على أداء هذا الدور الطبيعي لمساعدة المستثمر فإن صفحاتها ليست في حقيقة الأمر سوى لوحة إعلانات حائطية للشركات بغض النظر عن محتوى هذه الإعلانات.
ولعلها، في حالات الإفراط والتكرار المتعمد، تساهم من دون أن تدري أحياناً في إضافة طبقة جديدة من الغشاوة الاستثمارية على عيون المستثمر بدلاً من إزالة طبقات وتدفعه إلى اتخاذ قرارات استثمارية فاشلة ما كان سيقدم عليها لو لم يقرأ مثل تلك الإعلانات.
ولا نقلل أو نتهم إدارة أية شركة في الخليج إذا كررنا ما يقوله بعض خبراء الاستثمار ومحاسبون قانونيون دوليون إن هناك مئة سبيل وسبيل نظامي أو قانوني أو محاسبي لتقديم نتائج شركة ما في صورة تعطي صورة زهرية وانطباعاً ايجابياً لا تستحقه في الواقع، وان هناك مئة طريقة وطريقة تبدو قانونية ونظامية «لتعظيم» الأرباح في حالات معروفة شملت تأجيل أو استباق دفعات أو نفقات أو مناقلات في الميزانيات.
ويزيد من احتمالات حدوث حالات مثل هذه أو غيرها «سباق» لا يبدو طبيعياً تماماً بين بعض الشركات في الخليج على إعلان أرباح قياسية لأنها ستكون مضطرة إلى الإعلان عن أرباح أعلى في السنوات التالية. وإذا افترضنا أن ارتفاع أسعار النفط يكمن وراء تحسّن الأداء وارتفاع الأرباح فماذا سيحدث لأسعار أسهم هذه الشركات إذا انخفض سعر النفط لسبب ما؟
ويرتكب المستثمر خطأ كبيراً إذا لم يأخذ في الاعتبار العامل الحاسم لسعر النفط في أداء معظم الشركات الخليجية فعليه أن يحاول استغلال هذا العامل في المدى القصير وهو يوجه عيناً إلى سعر النفط وعيناً إلى القطاعات التي يمكن أن تستفيد من هذا الارتفاع أكثر من غيرها.
لكن المستثمر الناضج يرتكب خطأ كبيراً أيضاً إذا قاس بالمقياس نفسه الشركات التي لا تعطي النفط في منظورها الاستراتيجي الأهمية ذاتها فمحرك القطار ليس كالعربات، وبعض هذه الشركات أثبت تميزاً في الإدارة وتميزاً في القدرة على اقتناص الفرص الاستثمارية أو خلقها.
إن هذا التميز هو الذي يصنع عمالقة الغد من أقزام شركات ومؤسسات اليوم وليس بالضرورة مستوى سعر النفط أو حجم الشركة أو رأس مالها أو قدراتها التمويلية الآنيّة.
ـ كاتب ومحلل اقتصادي
adel@bishtawi.com