تبدأ الصالات المحلية اليوم بعرض فيلم روب مارشال الجديد، «ذاكرة فتيات الجيشا» عن رواية أرثر غولدن المتخصص في التاريخ والفن الياباني والذي لا يخفي إعجابه الشديد بالثقافة اليابانية وبسحرها الجذاب، الفيلم أثار الكثير من النقد الايجابي والسلبي داخل بلد الرواية وخارجها، فاعتبره البعض من اليابانيين ان الحكاية التي قدمها غولدن تشعره بالعار القومي، واحتج غيره على نشر الكتاب أو عرض الفيلم داخل اليابان، ولم يتوقف الأمر عند حدود اليابان بل وصل إلى الصين، كون بطلة الفيلم صينية الممثلة زايي زانغ، فاعتبر الجمهور أن العار لحق بهم أيضاً بأن تؤدي فتاة صينية دور مومس يابانية، حول الرواية والفيلم التقت مجلة «باست سينما» الأميركية آرثر غولدن والمخرج روب مارشال.

قال مؤلف الرواية أولاً: الدافع الرئيسي لكتابتي الرواية هو التقائي خلال عملي في العاصمة اليابانية «طوكيو»، بزميل كان والده رجل أعمال مشهور، ووالدته من فتيات الجيشا، وكان الشاب يتمتع بشخصية فريدة مليئة بالغموض وبالأسرار التي تبدت لي مقدسة، فرحت أفكر بحياته عندما كان طفلاً.

وبدأت اتخيلها، واقترب رويداً رويداً من الأم، إلى درجة اصبحت فيها بعيداً عن الأبن، لكنني لا أستطيع تخيل سلوكها وقناعاتها والخ.. من تفاصيل احتاج لها للكتابة وخصوصاً وأنا لست روائياً فمجال عملي هو في تاريخ الفن تحديداً، إضافة الى ان فتاة الجيشا لا تتحدث عن طبيعة عملها، وهذا لوحده أمر صعب جداً، إلى حين أن التقيت بأحد الاصدقاء بعد عودتي إلى أميركا واخبرني بأن احداهن وافقت معه بأن لتخبره عن اسرار هذه المهنة، فاتصلت بها على الفور، ثم عدت إلى اليابان وجلست بالقرب منها لثلاثة أشهر وأنا استمع وأسجل حتى استطعت ان أنجز كتابي الأول، الذي شكل تحدياً لي لانني كنت مضطراً لأن أعبر عدة مراحل منها: من الأميركي إلى الياباني، من رجل يعيش في التسعينات زمن كتابة الرواية إلى امرأة كانت تعمل في الثلاثينات، والعبور بين ثقافتين الأميركية واليابان، والى زمن ما قبل الحرب وخلالها وبعدها، والأهم في رأيي هو كيف يمكن آن أرى ذلك كله من وجهة نظر انثى هي أولاً وأخيراً صاحبة التجربة».

وحول سؤال عن احساس الجمهور الياباني بالعار بعد نشر الرواية وانتاج الفيلم، أضاف ارثر غولدن: «حقيقة لا أعرف سبباً» منطقياً عن هذا الشعور، فلست بمخترع للقصة، بمعنى أنني لم أقم بتأليف نوع الشخصية، فهي جزء من الثقافة اليابانية لمئات السنوات. البعض يرون في فتاة الجيشا بائعة هوى، وآخرون يرون فيها راقصة أو ساقية شاي أو قارئة للشعر، وتأليفي تبنى كل هذه الأفكار مع قدرتي على السباحة في دواخل الشخصية الاستنباطية، وتحويلها من خادمة مبهمة المشاعر لدينا جميعاً، إلى إنسان يعاني ويباع جسده وتتكسر روحه، فبطلة فيلمي يتم بيعها من قبل أهلها إلى دار فتيات الجيشا بسبب الفقد والعوز، وهي استسلمت لقدرها ولم تجد سوى الحب لوحده يستطيع إخراجها من القعر إلى الحياة، فالحب العظيم والشاعري في هذه الرواية يمثل طريق المجد الذي يسعى إليه كل إنسان لديه مشاعر صادقة.

عمل روب مارشال منذ منتصف تسعينات القرن الماضي كمنمرج كوريغرافي في ثلاثة أفلام على التوالي هي: «السيدة سانتا كلوز»، «كريدل ويل روك»، و«آني» الذي اخرجه بالكامل وكان أول أعماله، وقدم بعده «شيكاغو» الشريط الاستعراضي القوي في العام 2002، الحائز على جائزة النقاد كأفضل سيناريو وإخراج في أميركا، وهو بطبعه تجذبه تلك الروايات حول الشخصيات النسائية التي تؤدي دوراً ما في المجتمع، فيحاول إعادة اكتشافهن من جديد وتحويل حياتهن المعروفة وغير المعروفة إلى صور تخلدهن كما يقول: «أعجبت بعمل آرثر غولدن، فهي مكتوبة بأسلوب سينمائي حقيقي، وفيها ما أغراني بتحويلها إلى صورة سينمائية بعيداً عن نوع اختصاصي «الكوريغرافي الغربي» اذا صح التعبير، فالتصاميم العامة لحركة الجسد في هذا الفيلم مستوحى أو أكثر، أنه مبنى بالكامل على الرؤية اليابانية وروحها الثقافية.

ويضيف: «إن كنت تسألني عن دافع المخرج العالمي ستيفن سبيلبيرغ لكي ينتج هذا الفيلم، وإن كان مقصده الربح المادي الكبير الذي يمكن ان توفره هذه النوعية من التمثيليات عادة، فلا أعتقد ان الأمر على هذه الشاكلة التي تقلل من أهمية سينمائي بحجم سبيلبيرغ، فهو ان كان ينزع باتجاه التجارية المحضة، لما كنا شاهدنا له هذا الكم الهائل من الأفلام الممتعة، والتي سجلت في تاريخ السينما على أنها رائعة، ودعني أقول لك ما تعرف بأن السينما صناعة تجب الدقة فيها، وتوزيع جيد يعود بالأرباح لكي يتم تقديم الأعمال الجديدة التي تمنح الصانع والمشاهد على سواء المتعة المطلوبة. لذلك استغل الفرصة في حديثي معكم لدعوة المشاهد إلى متعة حكاية هذا الفيلم وليمتعونا بآرائهم بعد العرض».

حسين قطايا