تعتبر شركة آرسيلور الفرنسية رمزاً للنجاح الصناعي، جنباً إلى جنب مع مجموعة الفضاء الفرنسية ـــ الألمانية (إيرز). فبعد عقود من إعادة الهيكلة وملايين الاستثمارات، وفقدان آلاف الوظائف، أصبحت فرنسا القوة الدافعة وراء اندماج صناعي، جمع بين أطرافه مصالح فولاذية فرنسية، اسبانية، بلجيكية، ومن لوكسمبورغ، والتي خلقت بطلاً عالمياً ناجحاً.

ولهذا السبب أحدث عطاء ميتال ستيل، المعادي لشراء الشركة، صدمة حادة في فرنسا، حيث ما زالت آرسيلور، تعتبر فخر الصناعة الفرنسية بالرغم من أرومتها الأوروبية ففي غضون ساعات، هب رجال السياسة والقيادات العمالية، هبة رجل واحد، مناشدين رئيس الوزراء دومنيك دوفيلبان، التصدي لاستحواذ ميتال على آرسيلور التي توظف 30.000 شخص في فرنسا حتى إن وزير المالية، الليبرالي المعهود.

والرئيس السابق لتيليكوم، أعرب عن قلقه إزاء الطريقة التي طرحت فيها عملية الاستحواذ سيما بالنظر إلى طبيعتها العدائية ولا ريب أن النمو في منطقة الشرق الأوسط، يحركه قطاع الطاقة فقد دفع التعطش العالمي لمنتجات الطاقة أسعار السلع إلى ارتفاعات قياسية .

وسرّع من عملية تطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال فقد ازداد الطلب على الغاز الطبيعي المسال، مع قيام المملكة المتحدة والولايات المتحدة باستيراد كميات كبيرة منه، وارتفاع حجم الطلب من قبل الاقتصادات الناشئة بما في ذلك الصين والهند.

ويستحضر الساسة في ذاكرتهم، التجربة التي سمح خلالها لشركة ألكان الكندية، بالاستحواذ على بتشني مجموعة الألمنيوم. فبالرغم من تعهداتها بالنسبة للوظائف فإن مواقع بيتشني، واصلت اغلاقها.

وما زالت تجربة العطاء الأجنبي المديدة ماثلة في أذهان كثير من الفرنسيين. غير أنه لم يتضح بعد، ماهية الاجراءات التي يمكن للحكومة أن تتخذها لايقاف هجمة ميتال الشرسة.

فهي لا تملك أسهماً في أرسيلور، ويتحدث كثير في مجالسهم الخاصة عن رغبتها في تجنب اثارة زوبعة »دانون« أخرى، عندما قامت الدنيا ولم تقعد، اثر الشائعات التي ترددت عن نية بيبسي كولا الأميركية، شراء صانعة الألبان الفرنسية.

والتي اعتبر آنذاك ضارة بسمعة البلاد التجارية غير أن العطاء أثار مخاوف أخرى في غير مكان، ففي أسبانيا أعرب قادة عماليون، واحدى الحكومات الاقليمية على الأقل عن مخاوفهم، من خفض الوظائف في مصانع أرسيلور الستة.

وفي لوكسمبورغ، حيث تعتبر أرسيلور، أكبر المشغلين المستقلين قالت وزارة الاقتصاد، انها سعيدة حتى الآن بنموذج آرسيلور الاجتماعي والصناعي. غير أنه لم يتضح بعد مدى الأثر الذي سيخلقه عرض ميتال، على التوظيف في ارسيلور، أو الاستثمار في البلاد.

وفي المقابل، فإن كسب تأييد الحكومة يمكن أن يشكل دعماً لميتال باعتبار أن لوكمسبورغ هي أكبر المساهمين الفرديين في ارسيلور، بحصة تبلغ 5.6 في المئة.

وعلى فرض نجاح عرض ميتال ستيل القوي لشراء ارسيلور، فإن السؤال المحوري الماثل أمام صناعة الفولاذ العالمية، هو ماذا بعد ذلك، وعلى فرض استعداد لاكشمي ميتال، البليونير الهندي، الذي يرأس ميتال، للتفكير في صفقات ضخمة لاعادة هيكلة صناعته، فإن بعض كبار مصنعي الفولاذ.

قد يتساءلون عما اذا كان الدور سيأتي عليهم في دائرة اهتمامات ميتال. وقد يدفع ذلك البعض منهم إلى دراسة الطرق الكفيلة بتحويلهم إلى محاور كبيرة من خلال الاندماجات والدفاع عن أنفسهم »في مواجهة عملاق عالمي جديد«.

ولو جرى، وتحقق اندماج ميتال ـــ ارسيلور، وهو أمر في حكم المؤكد فإن الشركة المتوسعة ستتمتع بناتج سنوي يفوق 100 مليون طن من الفولاذ، وهو ما يفوق بثلاث مرات ناتج منافسيها مجتمعين وهي نيبون ستيل وجي اي اف اليابانية.

وبوسكو الكورية الجنوبية وتعتبر ميتال أكبر الشركات العالمية المنتجة للفولاذ، في حين تحتل ارسيلور التي أسست منذ أربع سنوات من خلال اندماج ثلاث شركات أوروبية لتصنيع الفولاذ المرتبة الثانية.

ويتحرك كل من ميتال، وغاي دوليه الرئيس التنفيذي لارسيلور، برؤية متشابهة، لبناء شركتيهما من خلال الاندماجات بحيث يتسنى لهما التنافس بصورة أفضل على المستوى العالمي.

والحصول على فرصة أفضل لاملاء الأسعار. خصوصا وأن الطلب العالمي على الفولاذ سيزداد بصورة كبيرة خلال العقد المقبل، يقوده الاستهلاك المتزايد في كل من الصين والهند.

ومن جانبه، قال غاي دي سيلرز رئيس مجلس إدارة HB ادفايزرز، المجموعة المالية التي تتخذ من لندن مقراً لها، إن رؤية اندماج شركتي ميتال وأرسيلور تضع مفهوماً مختلفاً على ما سيحدث في المستقبل في صناعة الفولاذ.

وفي ضوء الرؤية الجديدة، فإن في قائمة الاستحواذات المرتقبة وشبه المؤكدة لميتال، هي شركة نيبون ستيل، وهي الشركة التي تأتي في المرتبة الثانية مشاركة وراء ارسيلور، في توريد الفولاذ إلى صناعة السيارات لتصنيع هياكلها.

وهو حفل يرغب ميتال في توسعته، وقد شكل الإنتاج العالمي من الفولاذ المسطح لهياكل السيارات 75 مليون طن سنوياً بقيمة 50 مليار دولار من إنتاج عام 2005، من أصناف الفولاذ كافة والتي بلغت 1.1 مليار طن.

ومن المتوقع أن يبلغ إنتاج الشركتين، فيما لو تحقق اندماجهما، من صناعة الفولاذ المسطح لهياكل السيارات 21 في المئة.

فيما سيصل تآلف ميتال ارسيلور نيبون إلى 29 في المئة، ومن غير المتوقع أن يلقى الاندماج المقترح بين ميتال وارسيلور والتوجه المحتمل إلى نيبون ستيل اعتراضاً من لجان مكافحة عدم النزاهة.

وبالرغم من الحصة السوقية الكبيرة التي ستستحوذ الشركات الثلاث مجتمعة عليها في صناعة فولاذ السيارات، فإن ثمة تداخلاً جغرافياً محدوداً بين أنشطة ميتال الحالية في فولاذ السيارات التي تتركز في الولايات المتحدة، وارسيلور وتيبون اللتين تتعاملان بصورة شبه حصرية في أوروبا وآسيا، على التوالي.

ومن الجدير بالذكر أن رسملة نيبون ستيل السوقية تبلغ 25 مليار دولار، وهي أعلى بقليل من السعر الذي أعرب ميتال عن استعداده لدفعه إلى ارسيلور وكان ميتال سبق أن أعرب عن احترامه لنيبون ستيل، التي يقوم ميتال بالتعاون معها من خلال عملية مشتركة لمصنعين صغيرين للصقل في الولايات المتحدة.

وتلوح في الأفق تكتلات منفصلة لشركات أخرى، كتحركات دفاعية وثمة أفكار للاندماج بين يواس ستيل، وتايز سن كروب الألمانية، واللتين تعتبران من الشركات العالمية العشر الأولى المصنِّعة للفولاذ.

غير أن أياً من الشركتين أو من شركات تصنيع الفولاذ الكبرى، يجد في نفسه القدرة على منافسة الصفقات الجسورة التي أنجزتها كل من ميتال وارسيلور، خلال السنوات الخمس الماضية، ولو تحقق لميتال الانتصار في ما يمكن اعتباره معركة مطولة لشراء ارسيلور، فإنه سيفسح المجال أمام شركته لتزداد كبراً.

ترجمة: وائل الخطيب