بقدر ما داعب حديث الرئيس الأميركي الأخير أمام الكونجرس الأميركي بشأن تقليص الاعتماد على نفط الشرق الأوسط خيال البعض بأن يحقق أحلامهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي الأميركي في مجال النفط.

وتقليل اعتماد الولايات المتحدة على الإمدادات الخارجية، فإنه وبالقدر ذاته، أثار أقوال الرئيس الأميركي قدرا من الشكوك حول مدى إمكانية الولايات المتحدة خفض تبعيتها للخارج في مجال إمدادات الطاقة.

وذلك في ضوء التقديرات التي تشير إلى تزايد التبعية الأميركية، بفعل تضخم الطلب من جانب، ونضوب الاحتياط النفطي الأميركي من جانب آخر، فضلا عن نشوء مخاوف من التأثيرات المتوقعة لهذا الخفض على قطاعات الاقتصاد الأميركي.

فقد أعد الديمقراطيون في مجلس النواب اقتراحا يهدف إلى خفض الواردات الأميركية بنسبة 40% عن المستويات المتوقعة لها في عام 2025، وهو ما أثار جدلاً واسع النطاق حول مدى الإمكانية الواقعية لتحقيق هذا الهدف.

وجاء الاقتراح من جانب ماريا كانتويل عضوة مجلس الشيوخ، وبموجبه، يكون من المتعين على الرئيس الأميركي العمل على خفض الواردات بمقدار 7.64 ملايين برميل من النفط يوميا بحلول عام 2025، وجري التقدم بالاقتراح بوصفه تعديلا على نص مشروع قانون الطاقة الشامل الذي تدور مناقشته الآن في مجلس الشيوخ.

ويأتي هذا الاقتراح على خلفية قيام الولايات المتحدة في الوقت الراهن باستيراد 58% من إمداداتها النفطية، وأنه من المقدر أن تقفز هذه الواردات إلى 19.1 مليون برميل يوميا بحلول عام 2025 عن مستواها الحالي البالغ كميته 13 مليون برميل يومياً.

خلافات داخل الكونجرس

ويبدو أن أعضاء الكونجرس الأميركي سواء من الجمهوريين أو الديمقراطيين على اتفاق بأن استيراد ما يزيد على نصف الاستهلاك الأميركي من مناطق مضطربة يعرض الاقتصاد الأميركي لمخاطر جمة.

ولكن تثور الخلافات داخل الكونجرس حول الكيفية التي بها يمكن للولايات المتحدة أن تقلص استهلاكها، وما هو مدى تأثير الإجراءات التي سيتم اتخاذها في هذا المجال على قطاعات الاقتصاد الأميركي.

وفي هذا الإطار، يقول السيناتور بيرون دورجان في معرض دفاعه عن اقتراح كانتويل »لقد صرنا معتمدون وبشكل ميئوس منه على النفط الأجنبي، وأن خفض وارداتنا بنسبة 40% مسألة قابلة للتحقيق«.

ويعطي قانون الطاقة الذي تم صياغته بوساطة لجنة الموارد الطبيعية والطاقة بمجلس الشيوخ، ويجرى مناقشته في الوقت الراهن، مهلة عام للإدارة لكي تضع خطة لتخفيض الطلب الأميركي على النفط بواقع مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 4% عن المستويات المتوقعة في عام 2015 .

ووفقا لتوقعات وزارة الطاقة الأميركية، فإنه من المقدر أن تستهلك الولايات المتحدة 24.7 مليون برميل يومياً بحلول عام 2015، بارتفاع نسبته 20.9 مليون برميل يومياً عن المستوى الحالي.

تحديد نقطة الانطلاق

ويدور الجدل في مجلس الشيوخ حول ما إذا كان الهدف الوارد في نص مشروع قانون الطاقة يتيح نقطة انطلاق كافية لتخفيف الطلب الأميركي على النفط الخارجي.

وهو ما حدا بالسيناتور بيتي دومينيسي واضع مشروع قانون الطاقة ورئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ، للتذكير بأن أي شخص يعتقد أنه بمقدر الولايات المتحدة أن تفعل أكثر من ذلك، فمثل هذه القناعات لا تستند إلى الكثير من الجدارة.

ولكن لا توافق ماريا كانتويل عضوة مجلس الشيوخ على هذا التقييم بقولها »إن هناك هدفا من مشروع القانون، ونحن نعتقد أن هذا الهدف ضيق لدرجة كبيرة«.

وهي تعني بهذه الإشارة ما تضمنه مشروع القانون من استهداف خفض الطلب الأميركي على النفط بواقع مليون برميل يومياً، وفي رأيها أن هذا الهدف غير كاف لتغيير مسار الاعتماد الأميركي على النفط من الخارج.

ويتفق معها في هذه الرؤية المجلس الأميركي لكفاءة استخدامات الطاقة والذي أعتبر أن تقليص الطلب بمقدار مليون برميل يومياً الهدف يعادل ثلثي الواردات الأميركية من المملكة السعودية في الوقت الحالي.

وقد جرى جدلاً مماثلاً في عام 2003، لدى مناقشة مجلس الشيوخ تشريعا للطاقة، وأبان هذا الوقت، كتبت وزارة الطاقة مذكرة إلى المشرعين تشرح فيها أن خفض الطلب بمقدار مليون برميل يومياً خلال عقد، سيكون له تأثير ضخم على القطاعات الصناعية والسكنية والتجارية.

بسبب عدم امتلاك هذه القطاعات الكثير من الوسائل التي تعينها على التكيف مع خفض الطلب على الطاقة.

ويشير المعارضون لمثل هذه المقاييس إلى أنها سوف تضع مصنعي السيارات الأميركيين في وضع تنافس غير مواتٍ لهم، وذلك في مواجهة المنافسين الأجانب الذين بمقدورهم إنتاج سيارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود.

وتعارض الإدارة أي تعديلات تضفي الصبغة القانونية على زيادة مقاييس الاقتصاد في الوقود لأنه هذا من شأنه أن يقلل من معايير الأمان في السيارة.

والمتشككون قلقون من أنه حتى لو تبني الكونجرس تعديلات كانتويل أو تعديل مجلس الشيوخ بخفض الطلب بمقدار مليون برميل يومياً، فإن التشريع خالٍ من أيه وسائل لفرض التخفيضات في الاستهلاك.

نضوب النفط الأميركي

ويصطدم مشروع القانون بواقع مرير، وهو اتجاه إنتاج حقول النفط الأميركية نحو التراجع، ويجسد حقل توندرا الشمالي هذا الواقع.

فعلي الرغم من استمرار تدفق النفط منه، إلا أن أعراض الإرهاق والاستنزاف قد ظهرت عليه، حيث تراجع إنتاجه بنسبة 75 % عن مستوى الذروة في عام 1987. ومن المتوقع أن يتواصل هذا التراجع .

ومازال النفط يتدفق من حقل خليج بريد هو أكثر من أي موقع آخر في الولايات المتحدة. ولكن تراجع إنتاجه يعكس اتجاه التراجع في الإنتاج النفطي للحقول في كل أنحاء الولايات المتحدة. فبعد سنوات من عمليات الحفر، تضخ الحقول القليل من النفط .

ولهذا الأمر، انعكاساته الضخمة على سياسات الطاقة الأميركية، ففي الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس جورج بوش وأعضاء الكونجرس عن الحاجة لتقليل الاعتماد على النفط من الخارج . صارت الولايات المتحدة أكثر اعتماداً على الخارج في تلبية احتياجاتها النفطية، مع تراجع الإنتاج الأميركي، وتصاعد الطلب.

وفيما توجد بعض النقاط المضيئة تتعلق بإنتاج النفط الأميركي، كالاكتشافات في خليج المكسيك، فإن النظرة الإجمالية توضح وجود تراجع متواصل، ومن المتوقع أن يستمر على هذا المنحى على الأجل المنظور والتي نعد محصلة طبيعية لعملية التراجع.

وتحاول شركات مثل »بي بي« تمديد عمر آبار النفط الأميركية، من خلال استخدام توليفة من التكنولوجيات الحديثة لضخ المزيد من النفط من تحت سطح الأرض، ولكن لن تكون هذه التكنولوجيات مفيدة في وقف هذا المسار التراجعي.

وعلى مستوى الولايات المتحدة، تراجع إنتاج النفط والغاز الطبيعي في العام الماضي، بمتوسط 7.2 ملايين برميل يوميا، وبمتوسط نسبته 36% منذ عام 1970، وفي خليج بريد هو، بلغ متوسط الإنتاج اليومي خلال العام الماضي نحو 450 ألف برميل يومياً، بتراجع نسبته 72% عن مستوى الذروة.

نمو الطلب المحلي

ولكن المحللين يقولون إن أياً من الخطط المعروضة على الكونجرس لن تقود إلى تقليل الاعتماد على الإمدادات النفطية الخارجية. وأن الشركات تفعل ما في وسعها لتعزيز الإنتاج من حقل برود هو والحقول الأخرى.

وقد تتخذ الخطوات للمساعدة في تقليل الاستهلاك، وهو ما قد يقود إلى تخفيف حدة عدم التوازن بين الطلب والعرض، بيد أن الجيولوجيين يقولون أنه في الأمد البعيد، سيكون السؤال الوحيد المطروح هو: ما مدى سرعة التراجع في الإنتاج؟

وتوجد القليل من الحقول الضخمة في الولايات المتحدة التي ما زالت تضخ النفط، ولكن الجيولوجيين الأميركيين يعتقدون أن أفضل التوقعات موجودة في المنطقة التي تبعد 60 ميلاً إلى الشرق من منطقة ويلد لايف، ولكن حتى مع إضافة كميات النفط هناك، فإنه من المقدر أن تتزايد واردات النفط الأميركية بشكل مؤثر.

وقال ديف هاوسكنيشت الخبير الجيولوجي في هيئة المسوح الجيولوجية الأميركية أنه من الممكن أن يؤدي التركيز الضخم على المناطق الأكثر مواتية إلى تعديل مسار تراجع الإنتاج.

ولكن ذلك سيكون بشكل مؤقت، وأنه إذا ما استمرت وتيرة زيادة الاستهلاك، فإنه سيكون مقدرا أن ترتفع واردات النفط الأميركية، بغض النظر عما يتم فعله داخلياً.

ويتركز الشطر الأعظم من الاحتياطات النفطية في منطقة الشرق الأوسط، وفيما عدا بزوغ مصادر بديلة للطاقة، وحدوث تراجع مؤثر في معدل الاستهلاك، فلن يكون لدى الولايات المتحدة – بحسب المحللين – سوى الاعتماد على الدول النفطية الرئيسية.

فعلى الرغم من شغل الولايات المتحدة المرتبة الثالثة بعد المملكة السعودية وروسيا في إنتاج النفط، إلا انها تحتفظ بنسبة 2% من الاحتياط العالمي، وتشكل الواردات، وفقا لأرقام إدارة معلومات الطاقة حوالي 58 % من إجمالي صافي الاستهلاك الأميركي من النفط. وسيقفز هذا الرقم خلال العقدين المقبلين إلى 68%.