يبدو أن الصيغة الوسط التي توصل إليها اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط في أواخر الشهر المنصرم، بشأن الحفظ على مستويات الإنتاج للمنظمة دون تغيير، لم تفلح في تهدئة المخاوف بشأن مستقبل الإمدادات النفطية، في ظل احتدام الجدل حول الملف النووي الإيراني،.
وما يرافقه من حالة سيولة وعدم تأكد تسود السوق بشأن ما سيؤول إليه الوضع، وانعكست تلك الحالة على أسعار العقود الآجلة لشهر ديسمبر 2010 والتي حامت حول مستوى 65 دولاراً، وهو ما يعد مؤشرا على أن أسعار النفط ستبقى عند هذه المستويات حتى نهاية العقد الحالي.
ومثل اتفاق منظمة أوبك في اجتماعها في 30 يناير الماضي، بالإبقاء على مستوى الإنتاج كما هو دون تغيير، بمثابة حل وسط بين مواقف بعض الدول التي اعتبرت أسعاره مرتفعة.
وهو ما يستدعي ضمنيا ضرورة رفع مستويات الإنتاج لمواجهة تلك الأسعار المرتفعة، ومواقف دول أخرى كإيران التي رأت أن السوق لا يعاني من نقص في الإمداد، بل يزيد حجم الإمداد على الطلب بمقدار مليوني برميل يوميا.
وهو ما يستدعي من وجهة نظرها أن تقوم أوبك بخفض مستويات الإنتاج. وغذت تصريحات إدموند داكوري رئيس أوبك المخاوف بإشارته إلى أنه من غير المحتمل أن تقوم منظمة أوبك برفع حصص الإنتاج إذا ما تفاقمت الأزمة الإيرانية سوءا.
معربا عن اعتقاده بأنه لا يوجد بالضرورة دور تلعبه أوبك إذا ما قررت إيران وقف الإنتاج أو اضطرت لأن توقف إنتاجها.
تزايد حالة السيولة
وفي ظل حالة عدم اليقين التي تسود السوق بشأن الملف النووي الإيراني، وفي ظل ورود إشارات عن ردود فعل إيرانية متوقعة في حالة ما إذا تم فرض عقوبات عليها، حيث هدد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بأن ترد إيران على أية عقوبات بوقف إمدادات النفط التي تبلغ 2.6 مليون برميل يوميا والتي تمثل 5% من الإمداد العالمي.
كما حذر وزير النفط الإيراني من عواقب أي عمل عقابي ضد بلاده بأنها سوف تؤدي إلى أزمة في قطاع النفط. في ظل هذا الوضع الملبد بالغيوم وعدم وضوح الرؤيا، برزت توقعات تتنبأ بأن تسجل أسعار النفط ارتفاعات فائقة في حالة فرض عقوبات على إيران.
وقد عزز تلك التوقعات تصاعد المخاوف من هجمات المسلحين على المنشآت النفطية في نيجيريا وهو الأمر الذي ضعضع الثقة في سوق يعاني من حالة تشدد.
وفي هذا الإطار تكهنت كون هاك محررة وحدة استخبارات الإيكونوميست أن السيناريو السيئ هو وقف إيران لإمداداتها النفطية، وهو ما سينطوي على انعكاسات ضخمة.
حيث لن يكون أمرا مفاجئا أن نرى السعر يصعد إلى ما يزيد على 90 دولاراً للبرميل. وقدرت المخاوف بشأن إيران وأضافت بالفعل 10 % علاوة مخاطر إلى سعر النفط والتي يمكن أن تبقي لأشهر مع تصاعد الأزمة الإيرانية.
وفي السياق ذاته، أشار أوين أوكلغان المحلل في بنك »بي إن بي باريبا« إلى أن استئناف إيران للبحوث النووية يعتبر الشغل الشاغل للسوق في الوقت الحالي، ورفع تقديراته لمتوسط أسعار النفط خلال هذا العام إلى 65 دولاراً للبرميل بسبب المخاطر الجيوسياسية.
وأوضح أن أسعار النفط ارتفعت بما يزيد على 60% خلال الحرب الأميركية على العراق ويمكن أن تحدث زيادة مماثلة للسعر ترسل السعر إلى 94 دولاراً للبرميل.
وقال انه مع وجود طاقة احتياط محدودة تكون الأسعار أكثر تأثرا بالصدمات السياسية. وان هناك حاجة إلى المزيد من الطاقة الإنتاجية حتى تتوفر وسادة تقي السوق من الصدمات، ولكن توفير تلك الوسادة يحتاج إلى سنوات.
وقدر روب لوفلين محلل النفط في شركة »مان فاينانشيال« أنه ربما يحمل الوضع في نيجيريا مضاعفات أكثر سوءا من تلك التي يحملها الوضع الإيراني بالنسبة لأسعار النفط فقد انخفض الإنتاج بالفعل بواقع 200 ألف برميل يوميا.
وقد أكد إدموند داكوري رئيس أوبك المخاوف عندما قال للصحفيين انه من غير المحتمل أن ترفع منظمته من حصة الإنتاج إذا ما تفاقمت الأزمة الإيرانية سوءا. حيث قال أنه يعتقد انه لا يوجد بالضرورة دور تلعبه أوبك إذا ما قررت إيران وقف الإنتاج أو اضطرت أن توقف الإنتاج.
ارتفاع العقود الآجلة
وتفاعل السوق مع هذه المشاكل الجيوسياسية، بأن أظهر تجار النفط استعدادهم لدفع أسعار قياسية للحصول على إمدادات النفط بعد خمس سنوات من الآن وهو ما يعكس تزايد الشكوك بشأن إمكانية تراجع أسعار النفط.
فقد أغلقت العقود الآجلة لشهر ديسمبر 2010 عند سعر 64.45 دولاراً للبرميل وهو اعلى سعر خلال شهر، فقد ارتفع السعر بنسبة 68% في العام الماضي في بورصة نيويورك التجارية مع تكهن المستثمرين بالمزيد من المكاسب وسعي مصافي التكرير لتثبيت تكاليف الإمدادات.
وقد تجاوز سعر العقد الآجل للنفط الخام تسليم عام 2010 في بورصة نيويورك التجارية مستوى 50 دولاراً للبرميل على مدار ثمانية أشهر متواصلة في حين كان سعره منذ عامين مضيا نحو 27 دولاراً للبرميل.
ويضمن مشترو العقود الآجلة الحصول على إمدادات نفطية في سعر وتاريخ محددين. وقدمت إشارات السوق القليل من المساعدة في ضوء أسعار الطاقة المرتفعة خلال العام الماضي والتي قادت إلى جني منتجي النفط أرباحا قياسية، بما في ذلك شركة إيسكون موبيل، وفي التوقيت ذاته، زادت التكاليف بالنسبة للمستهلكين.
وشركات على غرار »بي بي« وتوتال أعطت مليارات الدولارات لحملة الأسهم في صور توزيع الأرباح وإعادة شراء الأسهم وهو ما قيد الاستثمارات في قطاع الطاقة.
وقال إيان هندرسون مدير صندوق الموارد الطبيعية في JPMorgan. والذي يتولى إدارة أموال بقيمة 1.1 مليار دولار.
»أنه أمر مثير للأهمية أن هناك أناساً مستعدين لشراء النفط عند هذا المستوى من السعر لإمدادات في عام 2010 وأنه غير مقبول سياسيا الإقرار بأن الإمداد لن ينمو بنفس وتيرة نمو الطلب. ولكن هذا ما هو موجود في الواقع فعلا.
ويختلف الصعود الحالي في أسعار العقود الآجلة عن حالات الصعود السابقة فعلى سبيل المثال في سبتمبر 2000، عندما وصلت أسعار النفط الخام إلى 37.20 دولار للبرميل، بسبب القلق من النقص المحتمل في المخزونات فإن العقود الآجلة تسليم ثلاثة سنوات ظلت عند مستوى 20 دولاراً للبرميل وهو علامة ثقة بأن النفط سوف يكون متاحا عند سعر منخفض.
وقال جون ووتر لوي المحلل في شركة Wood Mackenzie Consultants Ltd ان أسعار عقود النفط الآجلة تسليم نهاية هذا العقد تعكس وجهات نظر هؤلاء الذين يعتقدون بأن إنتاج النفط قد وصل إلى مستوى الذروة .
وأنه سوف يبدأ في التراجع مع نضوب الحقول القديمة، كما تعكس في الوقت ذاته وجهات نظر التجار الذين يتشككون بأنه سوف يتم إنفاق أموال كافية على الاستثمارات بما يكفي لضخ المزيد من النفط.
وأضاف جون ووتر لوي ان بعض الناس لا يعتقدون ببساطة أن موارد النفط موجودة بوفرة، وبعض الناس يقولون بان هناك احتياطات موجودة ولكنهم يتساءلون ما إذا كانت الاستثمارات ستكون كافية لتجاري الإمدادات نمو الطلب ولكن كلتا المجموعتين غير مستعدتين للاعتقاد بأن السوق سوق مزود بشكل كاف بالإمدادات.
وقال آريين ميرتي المحلل في Goldman Sachs Group Inc والذي تنبأ في مارس الماضي بأن يصل سعر النفط إلى 105 دولارات للبرميل بأن تقديراته قد تكون محافظة إذا ما كانت نظرية ذروة النفط صحيحة.
ومازال منتجو النفط متشككين في أسعار اليوم ويتجنبون الاستثمار في المشروعات التي ربما يخسرون أموالهم إذا ما انخفضت الأسعار.حيث بقي سعر النفط عند مستوى 20 دولاراً للبرميل خلال سنوات عقد التسعينات. وهبط إلى مستوى قريب من 10 دولارات للبرميل في عام 1998.
وقال لي رايموند الرئيس السابق لشركة إيكسون موبيل للكونجرس في شهر نوفمبر الماضي بأن الأسعار وصلت إلى مستوى الذروة وان الإنفاق على الاستكشاف والتنقيب يهدف إلى الحفاظ على استقرار السعر عندما تتأرجح وتتقلب أسعار السلعة.
وقال جون براون الرئيس التنفيذي لشركة »بي بي« في نوفمبر بأنه يتوقع أن تهبط الأسعار إلى 40 دولاراً للبرميل خلال السنوات المقبلة.
وقال روبرت سكينر مدير مؤسسة أكسفورد لدراسات الطاقة ان الشركات المنتجة للنفط ترتكب خطأ فادحا إذا ما اعتقدت أن الأسعار سوف تعاود الهبوط مرة أخرى، وبالتالي فانهم يمتنعون عن ضخ استثمارات في الصناعة النفطية.
وأشار إلى أن هناك منحنى لقوة الطلب في الدول النامية مختلف عما كان عليه الوضع في السبعينات. وسوف تطلق أسعار النفط المرتفعة المتواصلة حتى نهاية العقد إشارة للشركات والحكومات بأن الاستثمارات مطلوبة لتعزيز الطاقة الإنتاجية.
و في السياق ذاته قال آنثوني مينان نائب مدير إعمال النفط والبترول الدولية في شركة ميتسوبيشي »ان أي تأجيل في الاستثمارات سوف يكون بمثابة حماقة على الأجل الطويل«.
وقال تور كارتييولد المحلل في شركة Statoil ASA وهي أكبر شركة نفط نرويجية ان الطلب في المستقبل يعتمد على استمرار نمو الاقتصاد العالمي.
ويقدم النمو القوي في الطلب ووجود مخاطر بوقف كبير في الإمدادات توليفة مثالية لارتفاع الأسعار ويبدو أن أسواق النفط لديها الكثير من الحافز لأن تكون متفائلة بشأن المدى المتوسط حيث سيكون المحرك الرئيسي هو الطلب.
وتتنبأ وكالة الطاقة الدولية التي تقدم النصيحة للحكومات بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان بشأن سياسات الطاقة بأن الطاقة الإنتاجية الاحتياطية والتي توفر الحماية ضد مخاطر توقف الإمدادات سوف تكون متاحة بحلول نهاية العقد الجاري.
وتتكهن الوكالة أن الطلب على النفط سوف ينمو إلى 92 مليون برميل يوميا في عام 2010 بزيادة على مستوى الاستهلاك في العام الماضي والذي بلغ 83.3 مليون برميل يوميا في العام الماضي.