هناك تمثالان صغيران لرجلي أعمال أنيقين، أحدهما يحمل حقيبة ويجري، يسابق الوقت، وآخر يسترخي على الكنبة، ببذته الزرقاء، هادئ الأعصاب، كما يليق بمدير محنّك. الدميتان ستجدهما في مكتب رجا طراد، أحد أبرز وجوه الصناعة الإعلانية في المنطقة، موضوعتان برفق في مكتبه في مبنى »ليوبورنيت« الصاخب في مدينة دبي للإعلام.

وهو، الذي تجاوز العقد الخامس من عمره، شخصية فيها من تمثاليه بعض الصفات: فهو لا يزال يعرف كيف يسابق الوقت ويتحمس للأفكار الجديدة، وفي المقابل، يتميّز بتلك الحكمة التي تجعله يدير دفة الأمور بنجاح، كمدير تنفيذي لمجموعة »ليوبورنيت« في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ العام 2001.

يسمونه »الحكيم«، وهو تحد أكثر منه لقباً في مهنة الإعلانات التي تتطلب العمل على جبهات حامية طوال الوقت، بقفازات من حرير.. قفازات الإبداع!

حين وطأت قدما طراد أول مرة عتبة الإعلانات، ذلك العالم الساحر، كان شابا في الخامسة والعشرين من عمره، تخرّج لتوّه من الجامعة الأميركية في بيروت.

كان ذلك تحديدا في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وأصوات الرصاص تلعلع في سماء العاصمة اللبنانية بيروت، وفي أرجاء الوطن الصغير كافة. كان البلد يتهيأ لسنوات مريرة آتية من الدمار والتشريد، لكنّ الشاب طراد كان يتهيأ لقدره الذي سيودي به إلى أرفع المناصب في دنيا الإعلانات.

لم يحمل بندقية، كغالبية مجايليه من الشباب اللبناني في تلك الفترة، ممن آمن بالخيار الدامي للأحزاب آنذاك، بل »امتطى« حلما وقلما وطموحا كبيرا أودى به إلى مقعد الرئيس التنفيذي لنطاق الشرق الأوسط وشمال افريقيا في واحدة من أكبر الشركات الإعلانية في العالم، ومنطقتنا: مجموعة »ليوبورنيت«.

بحلول العام 2006، يكون طراد قد أمضى مع الشركة أكثر من ربع قرن ولا يزال يختزن في ذاكرته الكثير من الأحداث والتواريخ والأسماء التي يسوقها بحماسة وشفافية لافتتين. من مكتبه، يدير هذا الرجل شؤون أكثر من 400 موظف يتوزعون على ثمانية مكاتب بين الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وقطر ومصر ولبنان والأردن.

فريق عمل يخدم بناء وترسيخ وتواصل علامات تجارية مهمة، ينال الجوائز المحلية والعالمية، ويعمل بولاء كامل لفلسفة الشركة: we creat ideas that inspire enduring belief.

يقول: »في اللحظة التي أدرك فيها اللبنانيون أن الحرب ستطول، كان عليهم أن يغالبوا الموت ويستمروا بممارسة العيش«. يتذكر تلك المرحلة التي كان يعمل فيها مسؤولا تنفيذيا لخدمة العملاء في وكالة »يونغ أند روبيكوم«، قبل أن ينتقل الى »ليو بورنيت« في العام 1981 كمدير لخدمة العملاء،

ليصبح بعد ثلاث سنوات مديرا إقليميا لخدمة العملاء (فيليب موريس): »كان لدينا أربع مكاتب موزعة في المناطق اللبنانية، وكان الراديو فون وسيلة للتواصل في عز الحرب«. بعد ست سنوات، انتقل إلى البحرين مديرا إقليميا يشرف على عمليات الشركة في البحرين والإمارات والكويت. في العام 1991، أصبح مديراً إقليمياً لمنطقة الشرق الأوسط،

وسرعان ما حصل على منصب الرئيس التنفيذي. في العام 2000 صار نطاق الشرق الأوسط من مهامه أيضا، ليصبح في 2001 الرئيس التنفيذي للمجموعة: »افتخر بكل الوقت الذي أمضيته في الشركة ولا يزال لديّ الكثير لأعطيه.

أنتمي الى جيل يعمل من دون أن يسأل ما هو المقابل، لأنه يؤمن أن المقابل سيحصل عليه مع الجهد والعطاء، أما جيل اليوم فهو يفكر بالخطوة الثانية قبل أن يخطو الأولى«. لكنّ بيئة عمل »ليوبورنيت« مختلفة: »هناك ولاء كامل للشركة«.

أشاع طراد الكثير من القيم بين فريق عمله من »الليوبورنيتيين«، وجعلهم يؤمنون بها: »أقول للموظفين تواضعوا لأن التواضع قيمة من قيم الحياة، ولأن الذي يعمل في مهنة الإعلانات يجب أن يكون نبيلا، فالإبداع قيمة إنسانية لا تتناقض مع قيمة التواضع. الاثنان في سلة واحدة، فإن كنت متواضعا سيكون إبداعك صادقا وهذا مفتاح أساسي للنجاح في صنعتنا«.

ليس التواضع فقط، فالدقة والاهتمام بأدق التفاصيل هي أيضا من صفاته التي يعرفها عنه الموظفون: »الشيطان يسكن التفاصيل، وأنا أهتم بالتفاصيل لكي أطرد الشياطين«.

تلك »الشيطنة«، هل صحيح أنها صارت سمة غالبة لمهنة الإعلانات، وأساليب المنافسة غير الأخلاقية باتت هي الطاغية؟ يجيب طراد: »لا ليست الصورة على هذا السوء، لكنني لا أنفي وجود الهفوات والثغرات، كما هو الحال بالنسبة إلى أي صناعة أخرى«. يقول إن صناعة الإعلانات في المنطقة تحتاج إلى إطار جدي يناقش قضاياها: »وهو ما نسعى لتشكيله على الدوام«.

على أجندة طراد للعام 2006 الكثير من المشاريع التي ستكمل بها »ليوبورنيت« انتعاشا على صعيد الأعمال، عرفته تحديدا خلال السنتين الأخيرتين مع »تضخم« حافظة العملاء: »أنا متفائل جداً، وقد كسبنا الكثير من العملاء المحليين«.

ميلكو، براون، دبي القابضة، دناتا، المراعي، ايبكو، استثمار وغيرها الكثير من العلامات التجارية، انضمت إلى لائحة وكالة »ليو بورنيت« في السنتين الماضيتين: »لم يعد ينقصنا شيء، والعمل الإبداعي الذي يصدر اليوم عن مكاتبنا في المنطقة، يضاهي،

وأحيانا يتفوّق، على عمل زملائنا في مكاتب الشركة العالمية. لقد نلنا أعلى التقييمات، والإدارة في شيكاغو تعتبر مكاتبنا في بيروت ودبي والقاهرة جواهر في تاج ليوبورنيت«.

كيف يقضي طراد وقته حين يرتاح قليلا من حمل التاج؟ »أنا مدمن على مشاهدة الأفلام السينمائية واللقاءات الاجتماعية والسفر«. والعائلة؟ »لها الحصة الأكبر من العاطفة، وزوجتي تلعب دورا مهماً في حياتي، له انعكاس مؤثر على شخصيتي ونجاحي المهني«.

كتب إبراهيم توتونجي