نسمع يوماًَ بعد يوم عن تسليم مئات أو آلاف الوحدات السكنية في المشاريع »المدن« التي تقوم بتطويرها كبرى شركات التطوير العقاري في الدولة كشركات »إعمار العقارية«، و»نخيل«، و»دبي القابضة«، و»صروح العقارية«، وشركة »الدار«.
وعلى الرغم من دخول هذه الأعداد الكبيرة من الوحدات، التي تختلف طبيعتها وأحجامها وأسعارها بين مشروع وآخر، لا يزال السوق متعطشاً لمختلف أنواع الوحدات السكنية، حسبما أظهر هذا التحقيق الذي رصدت فيه »البيان« آراء بعض المختصين في هذا القطاع.
فقد أكد هؤلاء المختصون على ضرورة توفير الوحدات السكنية لذوي الدخل المحدود، بعد أن كانت شخصيات رسمية وغير رسمية قد أكدت لـ»لبيان« في تحقيقات سابقة، أن حجم الطلب على العقار لن يشهد تراجعاً في المدى المنظور مع تنامي عدد السكان وزيادة قوة العمل في الإمارات، حيث نما سكان دبي لوحدها بنسبة 31% خلال الفترة من 2000 إلى 2005 ليصل إلى 1.3 مليون نسمة.
بداية يؤكد سالم الموسى، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي في شركة »فالكون سيتي أف وندرز« أن شركته حرصت قبل إطلاق مشروع »فالكون سيتي« الذي يضم عجائب الدنيا السبع ضمن مشروع »دبي لاند« على توفير الوحدات السكنية بما يتلاءم مع مستويات ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة المعيشية، مؤكداً أنه لا يمكن تطوير مشروع دون أن يستهدف جميع شرائح المجتمع.
ويتضمن المشروع تشييد نحو 4000 وحدة سكنية، ومن المرجح ان يرتفع هذا الرقم إلى 5000 وحدة سكنية، بالإضافة إلى تنفيذ نحو 12 برجاً من المباني ذات الارتفاعات المختلفة بحسب المخططات الأولية.
ويقول الموسى إن »فالكون سيتي« تطور مشاريعها بناء على دراسات جدوى دقيقة وأرقام معينة ووفقاً لما في السوق من معطيات، مشيراً إلى أن الشركة سارت في المشروع بعد أن أظهر السوق في حينها حاجته لما نقوم بتشييده من أنواع مختلفة من الوحدات السكنية.
ويؤكد أن شركته لمست من خلال مشاركتها في المعارض العقارية ميلاً في السوق المحلي لدى المشترين نحو شراء فلل »تاون هاوس« الملاصقة لبعضها البعض، والتي لا تتجاوز مساحتها 5000 قدم مربع، ولا يزيد عدد غرف النوم فيها عن ثلاث، ولا ينقص عن اثنتين،
ولا يقل ثمنها عن المليون ونصف المليون درهم. كما لمسوا طلباً على الفلل من »سيمي دي داتش« التي تلتصق بالفيلا المجاورة بها في جزء منها. و»دي تاتش« المستقلة بالكامل عما يجاورها ولها سور يحيط بها.
ويرى الموسى أن ذوي الدخل المحدود الذين يشكلون الشريحة الاجتماعية الأوسع في المجتمع تختلف إمكانياتهم عن بعضهم البعض بحسب واقعهم. ويقول إن بعض ذوي الدخل المحدود يبحثون عن وحدات سكنية بأقل قيمة سعرية، وتحديداً عن الشقق السكنية التي توفرها الأبراج في الأسواق الثانوية، كـ »الاستديو« أو الوحدات التي تتألف من غرفة نوم واحدة وغرفتين وثلاث غرف كحد أقصى،
فيما يبحث آخرون عن وحدات سكنية مستقلة بفارق سعري يقدرون عليه، كالوحدات التي تقع في المشاريع الضخمة، وتوفر العديد من المرافق التجارية والثقافية ومرافق الترفيه والتسلية ومراكز التسوق والفنادق والمطاعم والنوادي الصحية والمدارس والحدائق.
من جهة أخرى يؤكد الموسى أن توجه أغلب المطورين إلى بناء الوحدات الفاخرة في الفترة الماضية تحكّمت فيه أمور مختلفة، كقيمة الأرض وقيمة البناء والخدمات المستقبلية ونوعية الاستثمار وحاجة السوق ومسألة التمويل التي لم تكن متوفرة كما هي اليوم إلى جانب تركيزهم على مردود استثمارهم، ونسبة الأرباح المئوية التي سيحققونها من ورائه، بالإضافة إلى موقع المشروع الذي يحدد بدوره الفئة المستهدفة.
ويشرح الموسى بالأرقام كيف تتحكم مسألة تكلفة نوع المشروع بقرار المطور، ويشير كمثال على ذلك كيف أن تكلفة تطوير برج تعتبر بنظر المطور أرخص من تكلفة تطوير الفيلا، حيث إن تكلفة بناء القدم المربع للفيلا الفخمة تساوي 300 درهم، في حين تقل تكلفة بناء القدم المربع للبرج بكثير عن هذا المبلغ.
ويشير رئيس مجلس إدارة »فالكون سيتي« إلى مشكلات عدة عانى منها ذوو الدخل المحدود في الفترة السابقة نأت بالمطورين عن تشييد العقارات لهذه الفئة. حيث كان المطورون يفضلون عدم المخاطرة في مشاريع تستهدف ذوي الدخل المحدود لتخوفهم من عدم مقدرتهم على سداد الأقساط المترتبة عليهم بالإضافة إلى مشاكل التمويل والشراء والتسديد وقلة البنوك أو الشركات الممولة آنذاك،
موضحاً أن عملية شراء أي وحدة سكنية كانت تتطلب من المشتري أن تتوفر لديه نسبة تتراوح بين 10% و30% من سعر الوحدة ليحصل على التمويل الذي يطلبه، وبشروط معينة.
ويرى الموسى أن المواضيع التي كانت تشكل عائقاً في هذه المسألة، بدأت بالإنحسار مع نمو حركة التمويل العقاري. ونوه في هذا السياق بالدور الذي بدأت تلعبه البنوك الإسلامية لتذليل هذه العقبات من خلال إتاحة الفرصة أمام متوسطي الدخل لشراء العقار المناسب لهم بشروط ميسّرة.
طرق جديدة
ويذكر الموسى طريقة يرى أنها قد تساعد في هذا المجال ويمكن ان يتبعها المطور »في أسوأ الأحوال« في حال لم يبع نسبة معينة من الوحدات. وتشبه هذه الطريقة ما تقوم به وكالات السيارات حيث يتفق المستأجر مع المالك على أن يستأجر منه الوحدة السكنية ليعود ويتملكها بعد أن ينتهي من قيمتها عبر أقساط الإيجار.
من جانبه ابتكر الموسى معادلة جديدة مختلفة تناسب ذوي الدخل المحدود، وينوي الكشف عنها وتطبيقها في مشروع مستقبلي ينوي إطلاقه خارج »دبي لاند« يستهدف هذه الشريحة الواسعة، مؤكداً أنها البداية مع هذه الفئة الاجتماعية المهمة.
مجتمع الأعمال
من جهته، يرى عبد الله عطاطرة، رئيس مجلس إدارة مجموعة »بنيان« الدولية للاستثمار أن التسهيلات الحياتية »الممتازة« التي توفرها دول الخليج والإمارات تحديداً، لرجال الأعمال والمستثمرين من مختلف بلدان العالم،
وتحول الإمارات إلى مركز مالي وتجاري وسياحي عالمي دفعت بهؤلاء للمجيء إلى الإمارات والإقامة فيها للاستثمار في اقتصاد الدولة، وهذا ما دفع بدوره المطورين إلى التركيز على بناء المساكن الفاخرة التي تلائم هذه الفئة.
ويشير عطاطرة إلى أن حاجة رجال الأعمال والمستثمرين إلى نوعية معينة من الخدمات والتسهيلات الحياتية، ساهمت في إعطاء المطورين دافعاً أكبر لتشييد وحدات ذات فخامة عالية تسابقوا على تزويدها بكل وسائل الراحة والفخامة والعصرية، عندما لمسوا استعداد هؤلاء المستثمرين لدفع مبالغ مغرية في مقابل أن يعيشوا هذا النمط من الحياة، لأن معظمهم لا يحب الإقامة في الفنادق ويفضل امتلاك بيته الخاص الذي يتوافق مع نمط حياتهم وطبيعة عملهم.
وفي السياق عينه، يرى عطاطرة أن تسابق المطورين لبناء السكن الفاخر ساهم في جذب شريحة واسعة من المستثمرين والسياح إلى الإمارات، ما شكل عامل دفع للاقتصاد من خلال استثمارات هؤلاء المستثمرين الجدد في مختلف القطاعات الاقتصادية المحلية.
من جهة أخرى، يؤكد عطاطرة على حاجة السوق العقاري للوحدات السكنية الاقتصادية التي تلائم متطلبات وإمكانيات ذوي الدخل المحدود الذين يشكلون أوسع شريحة في المجتمع، فيشير إلى جهود مجموعة »بنيان« إلى التركيز على تشييد الوحدات السكنية التي تلائم جميع الفئات الاجتماعية،
وذوي الدخل المحدود على وجه الخصوص حيث قامت بتوفير أكثر من 3500 وحدة سكنية منذ انطلاقتها، لذوي الدخل المحدود في كل من دبي والشارقة، بأسعار بدأت بـ 400 ألف درهم ووصلت لحدود 700 ألف درهم حينها. كما كشف عطاطرة عن نية »بنيان« إطلاق مشاريع عدة في الفترة المقبلة تستهدف هذه الفئة في كل من أبوظبي ودبي والشارقة.
إرضاء جميع الفئات
وحرص مطورو مشروع »أساطير« الواقع ضمن مشروع »دبي لاند« على تأمين احتياجات مختلف فئات المجتمع نظراً لتفاوت مستوى المعيشة في الإمارات وفي دول الخليج، كما تقول فوزية الخنجري، المدير العام في مشروع أساطير »ليجند«.
وتضيف أن المشروع يوفر ما يناسب مختلف الطبقات، وأن الجزء السكني منه الذي استثمرته شركة »تنميات« السعودية، يضم حوالي 500 فيلا فاخرة و1800 وحدة سكنية تقع ضمن أبراج سكنية.
وتشير إلى أن طبيعة مشروع »دبي لاند« وتركيزه على الجانب الترفيهي، طبعت معظم الوحدات السكنية بالمشروع بطابع الفخامة، التي تلائم »العوائل المقتدرة« التي ترغب في أن تكون قريبة من وسائل الترفيه في المشروع.
وتأكد الخنجري على حاجة السوق لأن يوفر المطورون فيه جميع انواع الوحدات، ولمختلف الفئات الاجتماعية، لأن الناس يطلبون مستويات واحتياجات تختلف بحسب مستوياتهم الاجتماعية ومقدراتهم المادية. مشيرة إلى ما توفره مشاريع شركات التطوير الرئيسية في الدولة كشركة »نخيل« و»إعمار« العقارية، و»دبي القابضة« في هذا المجال.
لغة الأرقام
أما عمر عبيد مدير تطوير الأعمال في مشروع »قرية الحمرا« الذي تتواصل أعماله التطويرية في إمارة رأس الخيمة لتسليم عدد كبير من الوحدات فيه خلال هذا العام، فيؤكد من واقع ما تحقق في المشروع الذي حقق نسبة مبيعات بلغت 65% لمستثمرين مواطنين وأجانب الطلب الكبير على الوحدات السكنية الاقتصادية، التي بيع معظمها خلال فترة وجيزة.
ويقدم عبيد تأكيداً بلغة الأرقام يوضح فيه حاجة السوق الملحة للوحدات الإقتصادية وإقبال الناس لشراء مثل هذا النوع من الوحدات حيث تم بيع جميع »الاستديوهات« التي تبلغ مساحتها 55 متراً مربعاً، وتبدأ أسعارها من 285 ألف درهم.
والشقق المؤلفة من »غرفة وصالة« بمساحة 100 متر مربع بأسعار تبدأ من 480 ألف درهم والشقق المؤلفة من »غرفتين وصالة« بسعر 750 ألف درهم والشقق المؤلفة من 3 غرف وصالة بسعر 980 ألفاً.
ويشير عبيد إلى أن تعاون »المشروع« مع بنك »إتش إس بي سي« من خلال برنامج تمويل ميسر أمن خلاله البنك نسبة60% من قيمة الوحدة لعملاء المشروع ولفترة 15 سنة وبفوائد متدنية ساهمت بشكل فعال في تسريع عملية البيع في المشروع.
ترقية العقار
من جهته يرى حسان أيوب، رئيس تطوير الأعمال ـ التطوير العقاري في شركة »تمويل« أن الطلب على الوحدات العقارية قائم بحسب المتوفر والموجود في السوق، الذي خرجت المنافسة فيه من إطار المنافسة السعرية لتغدو منافسة حول توفير الجودة لترقية العقار إلى درجة الفاخر.
ويشير إلى أن التطورات الحاصلة في هذا المجال دفعت بالمطورين لتوفير متطلبات كانت كمالية قبل سنوات لكنها أصبحت ضرورية ساهمت بالتركيز على الفخامة التي لا تلائم جميع الفئات الاجتماعية، حتى باتت الأمور التي كانت كمالية في السنوات السابقة، »ستاندرد« وأساسية وضرورة ملحة لجذب العملاء.
في الوقت نفسه لا يقلل أيوب من الحاجة إلى الوحدات الفاخرة التي يؤكد أنها تباع بسرعة كبيرة، مشيراً كمثال على ذلك إلى صعوبة إيجاد عقار في مشروع »تلال الإمارات«، »الذي إن وجد فيه فبأسعار خيالية« وإلى فلل »نخلة جميرا« التي زاد سعرها عن السعر الاصلي بنسبة 100% في بعض مناطقها.
ويرى أيوب أنه في ظل تراجع القدرة الشرائية في الفترة الاخيرة هناك توجه لدى المطورين لبناء عقارات بأسعار مقبولة، مع توفير برامج تمويلية لهم لاستقطاب هذه الشريحة الكبيرة من الناس، مشيراً إلى مشروع »انترناشيونال سيتي« الذي تطوره شركة »نخيل« التي يبلغ سعر القدم المربع فيها 580 درهماً.
من جهة أخرى يؤكد أيوب على الدور المهم الذي تلعبه شركات التمويل، من خلال توفيرها ما نسبته 95% من سعر العقار، وعلى اهمية التحالفات بين هذه الشركات مع المطورين العقاريين لتقديم حلول تمويلية تطال أوسع شريحة، كما فعلت »تمويل« التي اتخذت »نخيل« و»إعمار« و»دبي العقارية« كحلفاء استراتيجيين لها.
ضرورة ملحّة
ويضيف أيوب أنه مع استحواذ الإيجار على أكثر من 50% من دخل الفرد باتت السوق بحاجة أكثر للوحدات التي تستهدف ذوي الدخل المحدود، وباتت الحاجة إلى التمويل العقاري ملحة كي لا تضيع المبالغ التي تدفع على الإيجارات.
من جهة أخرى، ينفي أيوب أن تكون حركة السوق قد تدنت موضحاً أن السهولة التي واكبت عمليات البيع في السنوات السابقة، قد تغيرت اليوم بسبب النمو الحاصل وكبر حجم المنافسة وازدياد عدد المطورين،
ما أدى إلى توزع عملية الشراء على عدد أكبر من المطورين الذين بدأوا يتجهون لفتح قنوات أخرى للبيع ومحاولة تأمين مساكن بمستويات تلائم الشريحة الأوسع في المجتمع أي أصحاب الدخل المحدود.
كتب ـ ضياء عبد العال