بدأت الرقابة على السينما بالاهتمام بتوافر عوامل الأمان من أخطار الحريق وحفاظاً على على أرواح الجمهور، لكن مع بدايات العروض الأولى للسينما عالمياً ثم محلياً بدأ نوع آخر من الرقابة أشد خطراً وهو الرقابة علي مضمون الأفلام بعد أن أثار بعضها الكثير من الجدل حول مدى تأثيرها علي الجمهور والذي كانت غالبيته من العامة، وهي عروض فيها من الإثارة والعنف ما لفت إليها الأنظار في الخارج والداخل.
في كتابه «السينما والرقابة في مصر» الذي صدر مؤخراً عن إحدى هيئات وزارة الثقافة المصرية يتتبع الناقد السينمائي محمود علي تطور القوانين والقرارات التي نظمت إنتاج وعرض الأفلام السينمائية هذه الفترة بداية من المادة 23 من لائحة مسارح الإسكندرية الصادرة في 29 يونيو 1904 على كل من يشغل محل تمثيل أن يقدم قبل التشغيل جدولاً لمحافظ المدينة بالمناظر والروايات التي ينوي تمثيلها وأن يحصل منه على الموافقة عليها ويمنع منعاً باتاً كل منظر وكل رواية من نوع مغاير للآداب، وللبوليس الحق في إيقاف تمثيل الروايات والمناظر من هذا القبيل .
وبعد إنشاء دور عرض سينمائي بالقاهرة ـ بعد الإسكندرية -عام 1898، وبعد سلسلة من الحرائق فيها تسببت في أضرار مادية وبشرية، ظهرت لائحة المسارح في 12 يوليو 1911 التي تمثل أول تشريع خاص بنظام شؤون المسرح والسينما من حيث إجراءات الترخيص وتوافر عوامل الأمان للجمهور، وقد كانت السينما قبل هذا التاريخ تندرج تحت قانون المحلات العمومية وتنص المادة رقم 10 منها على ما يلى: ممنوع ما كان من المناظر أو التشخيص أو الاجتماعات المخالفة للنظام العام وللآداب، وللبوليس الحق في منع ما كان من هذا القبيل وإقفال التياترو عند الاقتضاء.
في نوفمبر 1928 تم توحيد الرقابة على الروايات التمثيلية واسطوانات الفونوغراف والرقابة على أشرطة السينما في إدارة واحدة بقرار نص على: «حيث ان تشابه العمل الذي تتطلبه هاتان المراقبتان يقضي بتوحيدهما ويدعو إلى أن يعهد إليهما إلى هيئة مستوفية شروط القدرة على القيام بها تقرر:
أولاً توحيد الرقابة على أشرطة السينما والروايات التمثيلية واسطوانات الفوتوغراف ثانياً: تأليف لجنة من الموظفين الآتي ذكرهم لتنفيذ هذه الرقابة من: وكيل الأمن العام ورئيس القسم الفني ومندوب من الإدارة الأوروبية وأربعة مفتشين من وزارة الداخلية أعضاء ولهذه اللجنة أن تستأنس برأي ذوي الخبرة سواء من مصالح الحكومة في المعاهد أوالجمعيات أو النوادي الفنية».
ولما كانت عضوية اللجنة مقتصرة على موظفي الحكومة فقد لاقت نقداً شديداً من الصحافة لخلوها من الفنانين والكتاب ولهذا وبناء على طلب من وزارة المعارف أصدر وزير الداخلية قراراً في يونيو 1934 بضم عضو يمثل وزارة المعارف في اللجنة وهو «زكي طليمات» مراقب الأوبرا الملكية، ثم انتدب لنفس اللجنة « توفيق الحكيم» عن وزارة المعارف بقرار آخر.
وقد نشر المؤلف وثيقة مهمة عبارة عن مذكرة قدمها توفيق الحكيم للجنة يقول في ديباجتها: «إن دور السينما اليوم تكثر من عرض مشاهد تمثيل تقبيل الرجل المرأة في مواضع مثيرة من جسمها تقبيلاً طويلاً يوقظ في الخاطر الشهوات الجنسية السفلي ويهيج في النفس الرخيصة الخسيس من المشاعر وليس بخافٍ أن عرض هذه المناظر قد فعل فعله في الناس وأدى إلى الانقلاب الملحوظ في الأخلاق ووضع أمام أعين الشباب صوراً وأمثلة تغري بالتقليد، وألقى في روع أهل الحيل فكرة خاطئة عن معنى الحرية التي تجعلها المدنيات سمة لها.
وبعد استعراض لموقف الغرب من هذه الأفلام ينهي توفيق الحكيم مذكرته قائلاً: «وإن مصر التي جرى قضاؤها على اعتبار التقبيل المنطوي على شهوة دنيئة في طريق عام فعلاً علنياً فاضحاً يستوجب عقاب فاعله لأنه يؤذي المارة في حياتهم ويسيء إليهم في كرامتهم وعفتهم لخليقة أن تحمي أبناءها من شر هذه المناظر التي تعرض في دورالسينما وأكثرها فعل فاضح مفسد الفاسق ولما كانت التبعة في تدهور الأخلاق الآن في مصر تقع في أكثر الأحول على السينما التجارية بما تلقيه للناس من غذاء ضار ولما كانت هذه خطيرة على الأمة المصرية وعلى شخصيتها التي ينبغي أن يحرص على حفظها من عوامل الانحلال لذا أضع تحت نظر اللجنة الموقرة هذه المذكرة أملاً أن تكون موضع النظر والبحث، راجياً أن تؤدي إلى تقرير قاعدة حاسمة تحرم عرض كل ما يخدش الكرامة ويسيء إلى الأمة». وقد صدرت قرارات عدة قبل معاهدة 1936 وبعدها بإعادة تشكيل اللجنة وبرغم تغير الوجوه فقد ظلت الآليات ثابتة. التعليمات الرقابية لم تصدر بقانون.
وفي قرار في أواخر الثلاثينات تضمن ثلاثين بنداً - منقولة من اللائحة الإنجليزية ـ موزعة على عدة محظورات ـ الأمور الدينية، الأمور السياسية، الأمور الاجتماعية، الأمور الجنسية، الجرائم، والقسوة، لكن د. إبراهيم عبده مدير الرقابة في مارس 1952 عقد اجتماعاً بالفنانين والصحفيين واتفق على أن تتضمن اللائحة الجديدة ست مواد فقط صيغت بذكاء لتشمل المواد الثلاثين وهي: توقير الملكية إذا تعرضت للتاريخ وعالجته في مسرحية أو أغنية أو فيلم، عدم التعرض للمبادئ المتطرفة سواء اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية سمعة مصر بحيث تعطي صورة طيبة في الخارج، عدم التعرض للمسائل الدينية ولو كانت في التاريخ، مراعاة الآداب العامة بالابتعاد عن الألفاظ النابية والأغاني الماجنة والمشاهد الفاضحة، وعدم التعرض لشخصية عمومية لا تتعدد نظائرها في الدولة أو من الحياة العامة.
ومن خلال استعراض الأخبار التي نشرت بالصحافة يوثق المؤلف لأول خبر نشر بجريدة البصير في 30 أغسطس 1916 يشير إلى وجود رقابة فعلية على الأفلام، يقول الخبر: «صدر قرار وزارة الداخلية بمراقبة محال السينما توغراف وعدم السماح لأصحابها بما يعرض من الصور إلا بعد أن يدفعوا رسما قدره 15 قرشاً عن كل متر وأن تكون مختومة من قلم الضبط بوزارة الداخلية وتنشر جريدة وادي النيل ـ بعد ذلك بيومين ـ خبراً جاء فيه: بدأت إدارة الأمن في تنفيذ القرار الخاص بمراقبة الصور المتحركة التي تعرض في محال السينما، وأصبح كل ما يعرض الآن بموافقة إدارة الأمن بحيث يمكن اعتبارها من الآن مسؤولة عن مغزى الروايات التي تعرض أمام الجمهور.
هذه الفترة شهدت أيضاً قيام شركات الإنتاج السينمائي العالمية بتصوير بعض أفلامها في مصر والشرق بوجه عام لما فيها من غرابة تجذب المشاهد الغربي، وقد هوجمت هذه الأفلام ـ التي تم عرضها في مصر ـ بضراوة وهوجم الرقيب الذي سمح بعرضها وقد امتلأت الصحف بمقالات الكتاب ورسائل القراء التي كونت في مجموعها جماعات ضغط ضد هذه الأفلام مما دفع وزير المالية إلى إصدار القرار الوزاري رقم 42 لسنة 1928 الذي يقول:«بعد الاتفاق مع وزارة الداخلية نظراً لأن المحافظة على سمعة البلاد في الخارج تقضي بمنع تصدير الأشرطة السينما توغرافية التي تؤخذ مناظرها في البلاد المصرية وتمثل عادات الأهلين وأخلاقهم ومعتقداتهم تمثيلاً مخالفاً للحقيقة قرر ما يلي مادة 1 ـ الأشرطة السينما توغرافية المأخوذة مناظرها في مصر لايجوز تصديرها إلى الخارج إلا بعد الحصول على ترخيص سابق من وزارة الداخلية إلخ.
وإذا كان القرار يعني الأفلام المصرية والأجنبية فإن الأولى وحدها هي التي كان يطبق عليها القرار، وقد قررت وزارة الشؤون أنها تعتزم عدم تصدير أفلام مصرية إلى الخارج إلا إذا بلغت المستوى الجدير بالإنتاج السينمائي في مصر مكانتها بين الدول من حيث تأليف القصة وإخراجها وخلوها من كل منظر أو حوار يمس الأخلاق الفاضلة أو التقاليد الصالحة بحيث تصبح دعاية طيبة لمصر في الخارج ولاسيما في البلاد العربية التي تربطنا بها أوثق الصلات، وهي نغمة مازالت تتردد».
ومن صور الرقابة الشعبية على الأفلام السينمائية القضايا المرفوعة من الأشخاص والهيئات ضد الأفلام والتي تطلب بمنع عرضها وأمثلتها الحديثة متعددة ومعروفة ويرصد المؤلف القضية الأولى من نوعها والتي رفعها عمدة بالفيوم على الممثل أحمد سالم يطالب بوقف عرض فيلم حياة حائرة لما فيها من تعريض به أي يتشابه اسم البطل مع اسمه وكذلك تدور أحداث الرواية في الفيوم وقد رفضت الدعوى كما أن البلاغات التي يرسلها مجهولون إلى وزارة الداخلية طالبت بمنع عرض بعض الأفلام لأنها تروج للشيوعية.
في الجزء الخاص بالتطبيق يؤكد المؤلف على ضياع مستندات الرقابة وسوء تخزينها فلم يجد من بين خمسمئة فيلم انتجت بين عامي 27 :1952 إلا أوراق حوالي مئتي فيلم فقط، لذلك حرص على توثيق كل ورقة اطلع عليها خوفاً من ضياعها بعد ذلك.
خدمة« وكالة الصحافة العربية»
القاهرة ـ«البيان»: