حذر تقرير للأمم المتحدة الدول العربية من خطورة التوجه لتوقيع اتفاقيات شراكة واتفاقيات تجارة حرة ثنائية من بعض الدول المتقدمة اقتصاديا ومنها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
وأكد التقرير الذي تلقته المؤسسات الاقتصادية في الدولة ان خطورة التوجه الجديد نحو الاتفاقيات الثنائية لا يكمن فقط في السرعة التي يتم بها عقد هذه الاتفاقيات بل أيضا في نوع الالتزامات التي تفرضها هذه الاتفاقيات إذ تقدم الدول النامية على وجه العموم التزامات تتجاوز في معظمها ما قدمته هذه الدول في إطار منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الإقليمية .
وان كلفة هذه الالتزامات قد تكون اكبر من الفوائد المتوقع حصادها وتؤدي إلى تغيير مجرى التجارة وتحويله عن مجراه الصحيح.
وأشار التقرير الذي أعدته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب أسيا »الاسكوا« ان التوجهات لتوقيع اتفاقيات شراكة وتجارة حرة منفردة قد تكون دوافعها على الأغلب سياسية وإنها غير واضحة الآثار على الاقتصاد المحلي وتعرض ليس فقط مصير النظام التجاري العالمي المتعدد الأطراف للخطر بل مصير التكامل الإقليمي والأقاليمي.
وان هذا الأمر يدعو إلى القلق العميق.ورجوعا إلى التفاصيل يرى تقرير الاسكوا انه في زمن العولمة والتكتلات الإقليمية الضخمة أصبح من الضروري ان تسعى الدول العربية إلى التكامل فيما بينها، وذلك لمواجهة التحديات التي فرضتها التطورات الاقتصادية الجديدة كالانفتاح السريع للاقتصادات العالمية على بعضها البعض.
وما رافق ذلك من منافسة السلع القادمة من الدول الصناعية والكبيرة للسلع المحلية في الدول النامية، بما في ذلك الدول العربية بحيث ان العالم العربي لم يتمكن حتى الآن من ان يستحوذ على أكثر من 3.5 في المئة من إجمالي التجارة الخارجية والصورة لا تختلف كثيرا على المستوى الإقليمي .
حيث نجد ان نسبة التجارة البينية العربية لم تتخط 8.8 في المئة من مجمل التجارة الخارجية العربية في عام 2004، علما ان منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (الغافتا) دخلت حيز التنفيذ الكامل مع مطلع عام 2005 وذلك بإعفاء المنتجات، ذات المنشأ العربي والداخلة في التجارة فيما بين الدول العربية تماما، من الرسوم الجمركية والضرائب ذات الأثر المماثل.
ويوضح التقرير ان هذا السرد يضع العالم العربي أمام تحديات جمة من ناحية التعامل والتبادل التجاري والاتفاقيات التي تحكمها: فالتوجهات العالمية الحالية التي تحكم الاتفاقيات التجارية الدولية هي اما ثنائية أو إقليمية أو متعددة الأطراف.
ويضيف: من الواضح ان موضوع التكامل الإقليمي لم يكن أكثر أهمية، في أي حقبة مضت، مما هو عليه الان. فنظام التجارة العالمي الجديد، الذي نضج في ظل منظمة التجارة العالمية، سمح بقيام التكتلات الإقليمية وأعطاها استثناء من مبادئ الجات الأساسية بهدف استيعاب تكتلات كبيرة قائمة مثل الاتحاد الأوروبي.
ومن الملفت للنظر ان المادة 24 من الاتفاقية لم تستوعب التكتلات القائمة وحسب وإنما شجعت على قيام المزيد من التكتلات الإقليمية خصوصا بين الدول النامية إضافة إلى المادة 25 التي تسمح للبلدان المتعاقدة جماعيا منح تنازلات في ظل اتفاقية الجات، ذلك اضافة إلى المادة 5 من الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات والمعادلة للمادة 24 من اتفاقية الجات لكن في مجال الخدمات.
غير ان تشجيع التكامل الإقليمي ضمن الاتفاقيات الدولية بدأ في عام 1979 ضمن جولة طوكيو ومن خلال شرط التمكين الذي كان موجها إلى الدول النامية.
وفي الوقت الذي اعتبرت فيه الدول النامية ان التكامل الإقليمي مقبول ومتجانس مع إطار منظمة التجارة العالمية برزت على السطح مؤخرا توجهات جديدة قد تكون دوافعها على الأغلب سياسية.
من قبل بعض الدول المتقدمة اقتصاديا، تدعو إلى الدخول في اتفاقيات شراكة واتفاقيات تجارة حرة ثنائية بين دول نامية ومتقدمة كما هو الحال في اتفاقيات الشراكة الأوروبية المتوسطية واتفاقات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وبعض الدول العربية.
فيجب الحرص على الا تطغى الاتفاقيات الثنائية على بعض الامتيازات التي توفرها الاتفاقيات المتعددة الأطراف، وان تكرس وتثبت النواقص التي تظهر في التطبيق العملي في الاتفاقيات المتعددة الأطراف.
ووفقا للتقرير فقد قامت بعض الدول العربية بتبرير سعيها لعقد اتفاقيات ثنائية مع دول متقدمة باعتبار ان منظمة التجارة العالمية لم تتمكن من إقناع الدول المتقدمة بتقديم التنازلات المرجوة إلى الدول النامية وان التماثل في هياكل الإنتاج بين الدول العربية سيبقي أبدا معوقا أساسيا للتكامل الاقتصادي الإقليمي.
ان الاسكوا ومن خلال سعيها الدؤوب نحو تكامل إقليمي بين الأقطار العربية كاملة مقتنعة بأن الاتفاقات الإقليمية لا تقوم على التماثل بل على التكامل.
وان ما يمنع التجارة ليس تماثل البضائع بل العراقيل الجمركية وغير الجمركية. فعلى دول العالم العربي، وبدلا من السعي وراء اتفاقيات ثنائية، ان تعمل على تطبيق التحرير الجمركي الكامل المتفق عليه في الغافتا.
وان تعمل على الغاء المعوقات غير الجمركية التي ما زالت تؤخر اتمام تحرير التجارة العربية البينية في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وتحقيق التكامل الإقليمي والتي من أهمها: عدم اكتمال قواعد المنشأ التفصيلية، والإجراءات الإدارية والجمركية غير الشفافة، وعدم نضوج آلية تسوية المنازعات وارتفاع كلفة النقل.
وترى المنظمة الدولية ان التكامل الإقليمي يقوم على الإنتاج حسب تكلفة الإنتاج، ولذلك فإن إعطاء الحرية الكاملة في التبادل وإلغاء كل القيود الجمركية وغير جمركية سيدفع في اتجاه التكامل الإقليمي.
وبذلك على دول العالم العربي ان تسعى إلى زيادة معرفتها في ما يتعلق بالتجارة الدولية وقضايا النظام التجاري العالمي الجديد، ما سيساعد في زيادة الاستثمارات الأجنبية داخل المنطقة العربية وقد يدفع إلى عودة جزء من الاستثمارات العربية في الخارج، ويساهم بطرح آلية إقليمية لتحقيق التنمية المستدامة في المنطقة.
وانتهى التقرير إلى ان خطورة التوجه الجديد نحو الاتفاقيات الثنائية لا يكمن فقط في السرعة التي يتم بها عقد هذه الاتفاقيات بل أيضا في نوع الالتزامات التي تفرضها هذه الاتفاقية، اذ تقدم الدول النامية التزامات تتجاوز في معظمها ما قدمته هذه الدول في إطار منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الإقليمية.
فكلفة هذه الالتزامات قد تكون اكبر من الفوائد المتوقع حصدها وتؤدي إلى تغيير مجرى التجارة وتحويله عن مجراه الإقليمي الصحيح.
وهذا الأمر بالنسبة للاسكوا يدعو إلى قلق عميق، فالدول النامية والتي كانت بمجملها حذرة من ناحية الفوائد المتوقع حصدها من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية تقوم الآن بعقد اتفاقات ثنائية غير واضحة الآثار على الاقتصاد المحلي وتعرض ليس فقط مصير النظام التجاري العالمي المتعدد الأطرف للخطر بل مصير التكامل الإقليمي أيضا.
