أنجز المخرج التلفزيوني الجزائري المعروف عبد الله تيكوك شريطا علمياً حول شجرة الزيتون في سياق سلسلة «دروب الزيت والزيتون» التي ينجزها اتحاد تلفزيونات البحر الأبيض المتوسط «كوبيام» والمتمثلة في عشرة أعمال حول الشجرة المباركة التي تعد الجامع لشعوب المنطقة.

ويحمل الشريط الذي وقعه المخرج تيكوك عضو مكتب الاتحاد العربي الإفريقي لفيلم البيئة عنوان «أنشودة الزيتون». ويمكن لكل تلفزيونات اتحاد البحر الأبيض المتوسط أن تترجم العمل بلغاتها، حيث يتم إرسال النسخة الدولية بلا تعليق.

وعن فكرة عمله يقول المخرج الجزائري الحائز على 24 تكريماً من بينها خمس جوائز دولية: «الفكرة انطلقت من الاجتماع الذي عقده الاتحاد بالجزائر عام 2002،

حيث فكر المجتمعون في موضوع يكون جامعاً لشعوب منطقة البحر الأبيض المتوسط بضفتيه، فكان شجرة الزيتون، وتم التأكيد على أن تراعي الأعمال خصوصيات كل بلد في الثقافة والعادات المرافقة لزراعة الزيتون وجنيه والانتفاع به.

وحرص المكلفون بإنجاز هذه الأعمال أن تكون في أسلوب مشوق من خلال فكرة واضحة يمكن متابعتها من البداية إلى النهاية دون أن يمل المشاهد، متنقلين بين مختلف الجوانب المتعلقة بزراعة الزيتون مثل الجانب الاقتصادي والتجاري إلى الاجتماعي والثقافي».

ويضيف: إن الهاجس جاءه بعد أن شارك في معرض الزيت والزيتون الذي يقام سنوياً ببجاية في منطقة القبائل المعروفة بثقافة الزيتون، هناك جاءت الفكرة، لماذا لا أبدأ من هنا؟

صحافي يأتي ليغطي معرضاً لزيت الزيتون وحينما يسأل الناس يقول له أحد الشيوخ إنه علينا المحافظة على عاداتنا القديمة في جني وعصر الزيتون، فيتساءل هل الفلاحون المشاركون في المعرض قد أضاعوا الطرق التقليدية الخاصة بالزيتون؟

فيجد أن مئات المعاصر الحديثة قد غزت المنطقة وصارت تهدد الطرق التقليدية، ويجد أن العمل الحديث الخاص بالزيتون قد يعطي الراحة أكثر ويختزل الزمن، وتضيع بالمقابل عادات جميلة وطقوس رائعة كانت ترافق موسم الزيتون. ولهذا يقرر الصحافي أن يرحل بحثا عن العادات القديمة الباقية في هذا الشأن.

ويذهب الصحافي إلى الشيوخ ويأخذ منهم المعلومات بشأن الزيتون، فيؤكدون له أن أقدم أشجاره تقع في منطقة الأهجار بأقصى الجنوب الجزائري، والتي تحمل الرسوم الحجرية القديمة. فيرحل إلى هناك لكنه لا يجد أثرا لتلك الأشجار فيستنتج أن الجفاف قد قضى عليها منذ مئات السنين.

ويواصل الرحلة والبحث إلى أن يعثر على ضالته، في منطقة كانت تشتهر بزراعة الحبوب ولا سيما القمح والشعير، والتي كانت تسمى في العهد الروماني بـ «مخازن روما». أي كانت الحبوب تجلب منها إلى روما، أما الزيتون فلا احد كان يعتقد أن يكون له حضور هناك. بل الشائع أن منطقة القبائل وجيجل هي المشهورة بزراعة الزيتون.

؟ تعايش الزيتون مع النخلة

والمثير أكثر أن الصحافي يعثر على أشجار الزيتون في المنطقة الجنوبية من ولاية حنشلة بالأوراس شرق البلاد، وهي منطقة شبه صحراوية، وهناك تتعايش شجرة الزيتون مع النخلة في انسجام عجيب، والمثير أكثر أن أهالي المنطقة ما زالوا يحافظون على عاداتهم الزراعية القديمة.

فقبل الشروع في جني الزيتون تحمل شابة في مقتبل العمر من كل أسرة شمعة وتوقدها عند أقدم شجرة زيتون بالمنطقة. وبعدها يذبح الناس الأغنام والأبقار تيمنا بالموسم الجديد، حيث يفرق اللحم على كل السكان. وتشارك كل العائلة في جني الزيتون وسط الأغاني والأهازيج والفرح.

وبعد الانتهاء من عملية الجني يحمل المحصول إلى معصرة تقليدية تقع وسط القرية يعود وجودها إلى آلاف السنين. هي عبارة عن حجر كبير مستو وحجرة أخرى على شكل عمود كبير يدفعه رجلان متقابلان بالأرجل، وبجانبهما امرأة ترمي حبات الزيتون تحت الحجر القوي لتدهس وتعصر. وهناك ساقية حجرية يسيل عبرها الزيت وبقايا الزيتون.

وتؤدي إلى بركة مبنية من الحجر فيها ماء نظيف. وبعد عملية الطحن، تدخل امرأة إلى البركة وتحمل إناء تغرف به الزيت الذي يكون قد طفا على الماء، وتداوم العمل ساعات حتى لا يبقى في البركة سوى الماء.

ويتساءل الصحافي لماذا توكل المهام للمرأة أكثر من الرجل في هذه العمليات المتعاقبة، ويستخلص أن المرأة هي رمز الخصب والنماء. وهي رموز اكتسبتها منذ القدم حيث تعد أثرا من آثار المجتمع الزراعي.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي