ثمة ما يثير في حصول فيلم آنج لي «بروكباك ماونتن» على هذا الكم والنوع من الجوائز. أولها في مهرجان فينسيا السينمائي الدولي بخطفه «الأسد الذهبي»، مروراً بـ «الكرة الذهبية»، وجائزة النقاد، وغيرها من مهرجانات مغمورة ومشهورة.
والفيلم حقيقة يتحلى بجرأة التصريح عن موقف من العلاقات «المثلية» التي اصطلح تسميتها تاريخياً بالعلاقات الشاذة، لكن آنج لي لا يراها كذلك، وهو حمل شريطه رؤيته الخاصة الحاسمة التي لا تفترض أو تتوقع بقدر ما هي تقريرية نهائية، مستخدمة كل المفردات البصرية لتأكيد مبتغاها.
يبدأ الفيلم من مقدمة إيمائية تظهر سأماً للشاب الأميركي في ستينات القرن المنصرم، يمتلك سيارة عتيقة، لا يلبث أن يغضب منها فيرفسها خلال انتظاره لتقديم طلب للعمل كراعي أغنام عند صاحب قطعان كبيرة جداً.
ثم يلتقي بزميله الذي يحصل على ذات العمل بالوقت نفسه، فيذهبان إلى الجبال البعيدة في موسم الشتاء القارس مع قطعانهم، حيث الوحدة الكاملة بين رجلين، فيخفف المخرج من حدة هذه العزلة باستعراض تصويري طويل ومضجر للطبيعة، إلى حين أن يقع «الحادث» الأول الجسدي بينهما.
فهو يريد هنا أن يعلن أن هذا الأمر ما قبل «المدنية» أي في المجتمعات الرعوية الأولى كان جزءاً من الطبيعة، إذ إن الشذوذ مصطلح اخترعته «المدنية» بتطوراتها الاقتصادية الاجتماعية، فحين تنتهي مدة عملهما ويتفاجأ رب العمل بعلاقتهما، يعودان إلى المجتمع فيفترقان، ويتزوجان،
وينقطعان عن الاتصال ببعضهما، حتى تمر بضع سنوات فيهاتف الذي لعب دور الذكر في العلاقة الممثل (هيث ليدغر)، «الأنثى»، الممثل (جاك غلينهال)، فيلتقيان وتشاهد زوجة الأول زوجها يقبل صديقه في فمه، وتبدأ علاقتهما من جديد على حدود المدينة ومن داخلها إلى خارجها،
فيلجآن دائماً إلى مواقع الطبيعة والخ.. في حوارات دائمة تدور حول كيفية مواجهتها للموقف داخل المجتمع، وكيف يستطيعان ان يكونا معاً أبداً، خصوصا وأنه يتبدى أن العلاقة هنا ليست عابرة أو سقطة، بل إنها علاقة حب فيها الرومانسي الغامض والجارف، وفيها مستوى من العنف الذي يبديه الذكر،
ولا يلبث ان يعكس ذاته على الآخر فيتماثل معه بعلاقته بعائلته، ولايجد بداً أنج لي في النهاية ليستطيع التخلص من السرد المطول والمكرر إلى حد الفظاعة إلا ان يترك بطله «الأنثوي» يقتل بظرف غامض غير مفهوم، ويتعمد من خلاله مراكمة الايماءات الرمزية، التي عجت بالفيلم وتركته يرزح تحتها.
الفيلم مرشح لنيل ست جوائز أوسكار ولا يستبعد أن ينال بعضها، من عقلية بروتستانتية سياسية تريد تدمير البنية الأخلاقية للمفاهيم الكاثوليكية الراسخة والمشتركة مع تكريس مفاهيم الحضارة الإنسانية حول السلوكيات الجنسية.إذ إن الأمر لو كان جزءاً من الطبيعة كما يحلو للمخرج أنج لي ان يرى، فمن المفترض أن نراه منتشراً بين الحيوانات على أقل تقدير.
فالجنس ارتبط منذ البدء بالتناسل، ومن دون أدنى شك أثرت التطورات الاقتصادية وما نتج عنها من أشكال اجتماعية تأثر بها الفرد نفسيا في سلوكيات لا يمكن الاصطلاح عليها سوى تسمية «الشذوذ» قبل بها أنج لي أو لم يقبل ليس من أهمية في هذه المساحة، قد يكون الفيلم حاز على مستويات تقنية وفنية جيدة، لكنه طويل ومضجر وموجه وتقريري إلى حد كبير.
حسين قطايا

