أكد تقرير لبيت الاستثمار العالمي »جلوبل« حول الإستراتيجية الاقتصادية والرؤية المستقبلية والتمويل العام للإمارات أنه في ظل الارتفاع المستمر لأسعار النفط، أظهرت الحسابات المالية المجمعة للإمارات والتي تغطى الميزانية العامة للاتحاد ونفقات كل إمارة تحسنا كبيرا عما عهدته سابقا.

وذلك بارتفاع إجمالي الدخل بما نسبته 22.6 في المائة، وصولا الى 94.4 مليار درهم إماراتي في العام 2004. ويعزى هذا الأمر في الأساس لارتفاع الإيرادات النفطية.

والتي تمثل 78 في المئة من إجمالي الإيرادات، بما نسبته 29.2 في المائة، وصولا إلى 73 مليار درهم. في الوقت الذي تراجع فيه معدل نمو الإيرادات غير النفطية بما نسبته 4 في المئة في العام 2004، بعدما شهد عاما سابقا من النمو القوي.

ومقارنة بالارتفاع الذي شهدته الإيرادات، جاء ارتفاع إجمالي النفقات بنسبة 4.2 في المئة فقط، مما كان له دورا فعالا في الحد من حدوث عجزا ماليا.

ارتفاع أسعار النفط يواصل تعزيز الموارد المالية غني عن القول أن السبب الرئيسي خلف تحسن الموارد المالية خلال العام 2004 يعزى للارتفاع المتواصل الذي شهدته أسعار النفط.

فبنهاية العام 2004 تخطى سعر السلة المرجعية لمنظمة الأوبك 58 دولاراً أميركياً للبرميل، متخطيا بذلك النطاق السعري المتوقع للأوبك الحفاظ عليه.

وتماشيا مع توجهات العام 2003 الهادفة نحو الحد من ارتفاع أسعار النفط، قامت الدول الأعضاء بالأوبك برفع سقف إنتاجها ليتخطى الحصة المحددة لها في العام 2004 أيضا. فارتفع متوسط إنتاج الإمارات بما نسبته 5.2 في المائة، ليصل إلى 2.36 مليون برميل يوميا.

وبذلك بلغت الإيرادات النفطية للإمارات في العام 2004 أعلى مستوياتها على مدى أكثر من عقدين من الزمن. وقد كانت الإيرادات المحققة قياسية رغما عن استثناء الحسابات لعدة مصادر.

فعلى سبيل المثال لم يتم أخذ إيرادات شركة أبو ظبي الوطنية للنفط في الاعتبار عند وضع الموازنة، حيث يتم توجيه إيراداتها إلى مشروعات البنية التحتية الرئيسية أو استخدامها في تأسيس قاعدة الموجودات الأجنبية لإمارة أبو ظبي.

الإيرادات الضريبية تحقق قفزة كبرى

في الوقت الذي يعد فيه ارتفاع الإيرادات النفطية سمة سائدة في جميع دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الارتفاع المستمر للإيرادات غير النفطية في العامين الماضيين، وخاصة تلك الخاصة بإيرادات الضرائب، تبعث على التفاؤل.

فقد ارتفعت إيرادات الضرائب بما نسبته 31.4 في المئة لتصل إلى 9.25 مليارات درهم إماراتي خلال العام 2004.

كما واصلت إيرادات الرسوم الجمركية ارتفاعها، فشهدت نموا بلغت نسبته 24.1 في المائة، علاوة على نمو العام السابق البالغ نسبته 47.3 في المائة.

وعلى الرغم من أن رفع الإمارات للتعريفة الجمركية الموحدة من 4 إلى 5 في المئة قد ساهم في رفع إيرادات الرسوم الجمركية في العام 2003، إلا أن الارتفاع القوي الذي شهدته الواردات خلال العام 2004 قد عمل على تعزيز هذا النمو.

هذا وقد ارتفعت الإيرادات الضريبية الأخرى بما نسبته 35.3 في المائة، بعد تراجع التحصيلات في العام 2003. ومن الممكن إرجاع هذا الأمر للأرباح الهائلة التي حققتها شركات النفط، والتي تقوم بدفع ضرائب تتراوح فيما بين 50 و55 في المائة.

وفى الوقت ذاته، وكجزء من الجهود المبذولة لحماية الموارد المالية من تقلبات أسعار النفط، تقدم وزراء مالية دول مجلس التعاون الخليجي باقتراح تقديم ضريبة القيمة المضافة لفرضها على السلع المباعة في الدول الست الأعضاء.

وبدأت الخطة باستهداف السلع الضارة بالصحة مثل التبغ، في الوقت الذي تفرض فيه رسوم ضريبية ضئيلة جدا على السلع الأخرى. كذلك فقد طلب صندوق النقد الدولي من الإمارات فرض ضريبة ملكية.

وبأن تمتد ضريبة الشركات لتشمل كل القطاعات. كما حذر الصندوق من تحقيق فائض في الموازنة لن يقدر له الاستمرار بدون تعزيز الإيرادات الضريبية.

إلا أنه رغما عن ذلك، هناك بعض المخاوف من أن تقديم ضريبة القيمة المضافة قد يكون له أثر سلبي على سمعة الإمارات كمركز عالمي للتسوق.

وتلك المخاوف صحيحة، نظرا لأن فرض ضريبة القيمة المضافة سيعمل على رفع أسعار السلع المرتفعة بالفعل (مقارنة بأسعارها في الماضي) في بعض الإمارات مثل دبي. علاوة على ذلك، ونظرا للوضع المالي الحالي لدول مجلس التعاون الخليجي، فلا حاجة ماسة لديها لتوفير مصادر دخل إضافية.

وفى هذا السياق، نعتقد أنه من الأفضل أن يتم التركيز والعمل على زيادة الاستثمارات في الصناعات غير النفطية، عوضا عن فرض الضرائب كوقاية من الانخفاض المستقبلي للإيرادات النفطية.

وحد انخفاض الإيرادات غير النفطية وغير الضريبية من الارتفاع الهائل الذي حققته إيرادات الضرائب. إلا إننا لا نرى أهمية كبرى لذلك، نظرا لعدم وجود مثل تلك التوجهات سابقا.

حيث بلغ معدل النمو السنوي المركب للإيرادات غير النفطية وغير الضريبية 11.9 في المئة في الفترة ما بين 2000 و2004.

ويعد النمو العام في الإيرادات غير النفطية خلال الثلاث سنوات الماضية أقل من ارتفاع الإيرادات النفطية، مما تسبب في تقليل المساهمة غير النفطية إلى 22.3 في المئة خلال العام 2004، منخفضة عن نسبة 24.7 في المئة المحققة في العام 2001. إلا أن كل ذلك لا يعطينا صورة صحيحة عن الوضع.

نظرا لاستثناء الإيرادات المقررة لبعض عناصر الدخل، مثل ذلك الذي تحصل عليه الدولة من مخزونها الضخم من الموجودات الأجنبية والاستثمارات، بالإضافة إلى بعض عناصر الإيرادات النفطية كما ذكرنا مسبقا.

استمرار الانخفاض النسبي لمعدل نمو النفقات

من ناحية أخرى، ارتفع إجمالي النفقات بنسبة 4.2 في المئة خلال العام 2004، فيما يعد نسبة منخفضة مقارنة بنسبة نمو الإيرادات البالغة 5.6 في المئة خلال نفس الفترة.

وكان نمو النفقات خلال العام 2004 منخفضا بسبب ثبات النفقات الجارية بدون تغيير. كما استمر نمو الرواتب والأجور معتدلا، وذلك تماشيا مع نمو قطاع النفقات بنسبة 2.1 في المئة خلال العام 2004.

وكانت زيادة الإعانات المالية والتحويلات محدودة أيضا، باعتباره شهد تراجعا بلغت نسبته 30 في المئة نتيجة للانخفاض العام الذي شهدته السنة الماضية. وجدير بالذكر أن مساهمة الإعانات المالية والتحويلات كنسبة من إجمالي النفقات قد شهدت تراجعا من 16.7 في المئة في العام 2000.

وصولا إلى ما نسبته 11.8 في المئة في العام 2004. وقد قامت إمارة أبو ظبي باعتبارها أكبر الإمارات، باتخاذ المبادرة في هذا السياق، عن طريق التقليل من الإعانات الزراعية والتوجه نحو خصخصة المرافق العامة المختلفة.

وبالرغم من التحكم بها، إلا أن الإعانات المالية مازالت تساعد على امتصاص ضغوط التضخم العائدة لتوافر مناخ من النمو المتزايد والسيولة المتوافرة.

وتمشيا مع النفقات الجارية، شهدت أيضا النفقات الرأسمالية نموا معتدلا خلال العام 2004. ويعد هذا أمرا غير مألوف، باعتبار اعتياد سلوك النفقات الرأسمالية لاتجاه مماثل لحركة أسعار النفط في الماضي.

ومع ذلك تشير تلك التطورات المختلفة لعودة ذلك لتوقيت بعض المشروعات الضخمة، وليس لتباطؤ في الاستثمارات. حيث تم البدء في المشروعات خلال العام 2004، وتحديدا في مجالات التشييـد، البتروكيماويات والمعادن.

توقع تحقيق فائض في العام المقبل

أدى انخفاض معدل نمو النفقـات مقارنـة بالإيرادات بصفة أساسية إلى تراجع العجز ليصـل إلى 855 مليون درهم خلال العام 2004، بما يوازى 0.23 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنسبة العام الماضي التي بلغت 4.6 في المائة.

ونتوقع تحقيق فائضا في العام الحالي اعتمادا على كل من أسعار النفط المرتفعة وإنتاج النفط المرتفع نسبيا.

وقد ارتفع متوسط أسعار النفط للشهور الثمان الأولى من العام 2005 إلى 49.03 دولاراً للبرميل، مقارنة بمتوسط العام 2004 البالغ 34.11 دولاراً أميركياً للبرميل.

وكذلك تزايد متوسط الإنتاج اليومي للنفط في الإمارات ليصل إلى 2.41 مليون برميل خلال الشهور الثمان الأولى من العام 2005، وذلك مقارنة بمتوسط الإنتاج اليومي خلال العام 2004 البالغ 2.36 مليون برميل.

النفقات العامة في طريقها للارتفاع

وعلى صعيد النفقات، يتوقع حدوث ارتفاع جيد على مدار العام المقبل، وذلك بفضل المبادرات الضخمة المخطط لها خلاله.

ومن أهم تلك المبادرات، إعلان الحكومة عن زيادة رواتب المواطنين الإماراتيين العاملين في الوزارات الفيدرالية بمعدل 25 في المائة، وللوافدين بنسبة 15 في المائة. وفي أبو ظبي، واصلت الحكومة، إضافة للشركات المدعومة من قبل الحكومة، استثماراتها في مشاريع البنية التحتية.

والتي تشمل تشييد الطرق، الإسكان الشعبي،والتوسع في قدرة كل من قطاعي النفط والغاز. وتسلك بلدية دبي أيضا نفس الاتجاه، حيث وضعت هيئة كهرباء ومياه دبي برنامجا استثماريا كبيرا للحفاظ على العرض مرتفعا عن الطلب.

هذا بالإضافة إلى وجود بعض الخطط قيد التنفيذ للعمل على إصلاح نظام الدعم في الإمارات العربية المتحدة. ومن المتوقع أن يعمل الاستمرار القوي لأسعار النفط على تشجيع كافة الاستثمارات في المستقبل.

وبشكل عام، نتوقع أن ينمو إجمالي النفقات بمعدل أكبر من النمـو السنوي المركب البالغ نسبته 3.2 في المائة والمحقق في الفترة ما بين 2000 و2004. وفي الوقت ذاته، قد تعنى أسعار النفط المرتفعة نموا أعلى على صعيد الإيرادات. ووفقا لحساباتنا، يتوقع أن يبلغ فائض الحسابات المالية للعام 2005 حوالي 25 مليار درهم إماراتي .

هذا ولم يكن عجز الميزانية الذي شهدته الإمارات على مدى السنوات الماضية مصدرا للقلق، نظرا لاستثناء الأرقام الخاصة بالدخل لإيرادات الدولة من مخزونها الكبير من الموجودات الأجنبية التي تمتلكها، والتي تقدر بحوالي 250 مليار دولار.

كما انخفضت كذلك الديون الخارجية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن بلغت أقصى ارتفاعاتها في التسعينات.

ميزانية الإتحاد العامة

وإلى جانب الحسابات المالية المجمعة الموضحة أعلاه، والتي تغطي الموازنة والنفقات الخاصة بكل إمـارة، تعلن الحكومة الاتحادية أيضا ميزانية الإتحاد العامة بشكل لا يحتوى على حسابات كل إمارة منفـردة.

ووفقا لموازنة الحكومة الاتحادية، فقد ظل الفائض خلال العام 2004 تقريبا في نفس مستوى العام الماضي، بينما لم يتم إدراج أي فائض عن العام 2005، مما يدفعنا للاعتقاد بأن تلك توقعات قد تكون متحفظة.

وتلك هي المرة الأولى التي لا تشهد فيها الدولة عجزا خلال السنوات الأربع وعشرين الماضية، وذلك بفضل خطة وزارة المالية والصناعة لإيجاد التوازن بين النفقات والإيرادات المتوقعة.