تميّزت الصناديق الاستثمارية عموماً والصناديق الإسلامية تحديداً بأداء جيّد هذا العام. وثمة عاملان يفسّران التطور السريع الذي شهدته الصناديق في منطقة الخليج. أولهما السعر المرتفع للنفط في الأسواق العالمية في السنوات القليلة الماضية والذي من المتوقع أن يبقى مرتفعاً في العام 2006.

وثانيهما زيادة الاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي في القطاعين العام والخاص والتي أدت إلى استحداث فرص استثمارية جديدة في المنطقة. ومن بين أفضل الطرق التي يمكن أن يلجأ إليها المستثمرون للحصول على فرص الاستثمار الجديدة، سواء كانت مرتكزة على سوق الأسهم أو على العقارات، هي صناديق الاستثمار.

وقال طارق الرفاعي رئيس ومؤسس Failaka.com، شركة مستقلة تتولى مراقبة نموّ الصناديق الإسلامية وتطورها منذ العام 1996 :»إذا نظرنا إلى هذه الصناعة اليوم نجدها في تطور ونمو سريع خاصة في دول مجلس التعاون.

ولكن مع كثرة عدد البنوك والمنتجات الإسلامية وانعدام المعلومات الموثوقة جعل المستثمرين ومديري الصناديق في حيرة حول اختيارهم لأفضل صندوق أسهم استثماري إسلامي.

إنّ صندوق أسهم استثماري هو مجرّد ناقل للاستثمارات يسمح للمستثمرين بالاستفادة من الاستثمار في مجموعة منوّعة من الأسهم، ويتولى إدارة خطر الاستثمار وتعرّض المستثمرين إلى سهم واحد أو مجموعة أسهم.

كما يوفّر الصندوق الفرصة للمشاركة في الأداء طويل الأمد لسوق الأسهم. يمكن أن تكون صناديق الأسهم العادية مركّزة في بلد ما على غرار الصندوق الكويتي للأسهم، أو مركّزة في منطقة ما على غرار صندوق الأسهم الخاص بدول مجلس التعاون الخليجي.

ومركّزة دوليا كالصندوق العالمي للأسهم العادية، أو يمكن أن تكون مركّزة على صناعة ما كصندوق الرعاية الصحية. هناك طرق مختلفة لتنظيم هيكلية أي صندوق استثماري، وهذا يعتمد بشكل رئيسي على طلب المستثمرين«.

120 صندوقاً

وأضاف :»لم تكن هذه الصناعة موجودة قبل العام 1994 في ما عدا بعض الصناديق التي كانت منتشرة حول العالم. شهدت صناديق الأسهم العادية الإسلامية نمواً ممتازاً خلال التسعينات. وهذا التقدّم الذي أحرزته صناديق الأسهم العادية في غضون فترة زمنية قصيرة، ما كان متوقعا منذ عشر سنوات.

اليوم، هناك أكثر من 120 صندوقاً إسلامياً للأسهم العادية تتولى إدارته بعض الشركات الرائدة لإدارة الصناديق في العالم مثل سيتي بنك، دويتشه بنك ، إتش إس بي سي، ميريل لينش ويو بي إس«.

ولم تكن الصناديق الإسلامية للأسهم العادية تحتلّ الأولوية القصوى لدى مستثمري دول مجلس التعاون الخليجي قبل العام 1996 حيث كان هناك فقط تسعة صناديق في السوق. إنّ أسباب النموّ بسيطة جدا.

وهي تطوير عملية مسح صارمة للأسهم من قبل علماء الشريعة، والأداء القوي في الأسواق العالمية للأسهم العادية من أواسط إلى أواخر التسعينات، وطلب الحصول على المزيد من الحلول الاستثمارية من قبل المسلمين.

وقبل نموّ صناديق الأسهم العادية، لم يكن للمستثمرين المسلمين الكثير من فرص الاستثمار البديلة لكي يوظّفوا أموالهم. فكلّ ما كان متوفرا لهم خلال الثمانينات وأوائل التسعينات كان مجرد ودائع ادخارية قصيرة الأمد، حسابات »مرابحة« وعدد محدود من الصناديق العقارية المحلية.

تجدر الإِشارة إلى أنّ صناديق الأسهم الأولى لم تأت من الشرق الأوسط بل من جنوب شرق آسيا والولايات المتحدة الأميركية وحتى جنوبي إفريقيا. ولم يكن لمعظم المستثمرين المسلمين في تلك البلدان أي حلول استثمارية مناسبة، مما اضطرّهم إلى إيجاد حلّ أوليّ وهو تطوير صناديق الأسهم.

ولكنّ الصناديق الإسلامية يمكن أن تضيف عنصرين آخرين إلى صناديق الأسواق المالية المذكورة أعلاه. فهي تضيف »عملية المسح« , كما تتم تسميتها, الآيلة إلى إزالة أسهم الشركات التي تُعتبر غير ملائمة للمستثمرين المسلمين، كالاستثمار في أسهم الكازينوات والمصارف التقليدية وشركات الكحول.

كما تُجرى عملية تنظيف لأرباح الشركة، وهي تقنية تُستخدم لإزالة أي مداخيل يتم جمعها من مصادر لا توافق عليها الشريعة الإسلامية كالفوائد التي يمكن أن تكسبها شركة ما من حساباتها المصرفية.

60% نمواً سنوياً

ونتيجة للقبول الشامل لصناديق الأسهم كحلّ من الحلول الاستثمارية، شهدت الصناعة نموا سريعا إذ ارتفع مجموع الأصول من 800 مليون دولار لكافة الصناديق الإسلامية للأسهم العادية في العام 1996 إلى أكثر من 6.3 مليارات دولار في العام 2005. هكذا بلغ معدل النموّ السنوي أكثر من 60% خلال الفترة نفسها.

وكانت الصناديق الأولى عامة وواسعة النطاق من حيث تركيزها. فإنّ الصناديق التي قُدّمت إلى الشرق الأوسط كانت صناديق أسهم عادية عالمية أو صناديق أسهم عادية دولية تستثمر في الأسواق العالمية الكبرى.

قام مدير الصندوق في كل مؤسسة بوضع عملية مسح الصندوق بتوجيه من هيئات الرقابة الشرعية.

وكان أكبر زخم أُعطي لمديري الصناديق والصناعة بشكل عام، عندما أطلق »داو جونز« و»الفوتسي« مؤشراتهما الإسلامية في العام 1999. فهذا لم يعطِ فقط المصداقية لهذه الصناعة، بل اعترف بها كقطاع استثماري جديد وقابل للاستمرار.

وبحلول العام 2000، بلغت الصناعة أوّل أوج لها. فقد كان هناك أكثر من 100 صندوق في السوق لتقديم مجموعة منوّعة ومتزايدة من الأساليب والأهداف الاستثمارية.

ولكن بموازاة هذا النموّ السريع، ظهر الكثير من العراقيل والمشاكل التي أدت إلى إبطاء نموّ الأصول. وكانت المشكلتان الرئيسيتان هما توقيت السوق وقنوات التوزيع غير الفعالة.

توقيت السوق

بلغت الصناعة أول أوج لها في منتصف العام 2000 عندما توسّع نطاق المواقع الإلكترونية بشكل مذهل وعندما أسرع المستثمرون في العالم سعيا وراء الأمانة، فتخلّصوا من صناديق الأسهم العادية لقاء الصناديق التغطية وسندات المداخيل الثابتة والعقار.

لم تكن صناعة الصناديق الإسلامية مختلفة عن الصناديق التقليدية في هذا الصدد. انسحب المستثمرون المسلمون من صناديق الأسهم بشكل أكبر من المستثمرين في الصناديق التقليدية. وأحد أسباب ذلك هو أنّ الصناديق الإسلامية قد مالت إلى استثمار قسم أكبر من محفظاتها في القطاع التكنولوجي.

في حين أنّ ذلك الأمر شكّل خبرا سارا للمستثمرين الذين ركبوا غمار تكنولوجيا واستمتعوا بتقدّمها، إلا أنّهم اصطدموا بمشكلة كبيرة عندما انخفضت وتيرة هذا التقدم. فقد سرت بعض الأخبار حول الصناديق التي بلغت معدلات استرداد الأصول فيها نسبة 50%، كما انخفضت قيمة هذه الأصول بنسبة أكثر من 30%.

ولكننا على عتبة العام 2006، ولا يزال المستثمرون المسلمون يتذكرون تأثير العام 2000 على محفظاتهم. وإن نتائج ذلك قد انعكست على كافة فئات صناديق الأسهم العادية الإسلامية.

ولكن في السنة الماضية فقط، شهد قطاع صناديق الأسهم العادية الإسلامية نموا في الأصول بعد الأوج الذي بلغه في العام 2000 عندما وصل مجموع الأصول في الصناعة إلى حوالي 5 مليارات دولار، وذلك من مستثمري دول مجلس التعاون الخليجي بشكل رئيسي.

اليوم يبلغ مجموع الأصول أكثر من 6.3 مليارات دولار ولا يزال هذا المعدّل ينمو. والسبب الرئيسي وراء ذلك كان النموّ الممتاز الذي شهدته الأسواق المالية في دول مجلس التعاون الخليجي.

في حين أنّ تدفق الرساميل إلى صناديق الأسهم العادية الأجنبية لم ينتعش، ارتفع التدفّق إلى الأسواق المحلية. وقد شهدت السوق السعودية بشكل خاص نموا ملحوظا نتيجة للسيولة المرتفعة في السنوات القليلة الماضية.

من المتوقع أن يستمرّ هذا النموّ خلال العام 2006 على الأقلّ لأنه ما من مؤشر يدل على أنّ أسواق الخليج ستتباطأ أو أنّ وتيرة نموّ العروض العامة الأولية سوف تنخفض.

قنوات التوزيع غير الفعالة

مع وجود كافة الصناديق الجديدة في السوق، من السهل أ نتجاهل أمر بعض الصناديق التي لم تحقق نجاحا أو مديري الصناديق الذين فقدوا الاهتمام بالسوق وأصول الصناديق التي تمت تصفيتها.

كانت شركة إدارة الاستثمارات البريطانية »فليمنغز« التي تملّكتها »جى بي مورغن« في العام 2000 تُعتبر رائدة في الصناعة لأنها أطلقت صندوق »أوازيس« الدولي للأسهم، وذلك قبل أن تدرك العديد من المؤسسات الإسلامية القوة الكامنة للسوق.

ولكنّ صندوق »أوازيس« أُقفل وتمت تصفيته في العام 2000 بسبب انعدام الاهتمام به وقدرات التوزيع غير الفعالة من بين الأسباب الأخرى. وعندما بلغ الصندوق ذروته، وصل عدد الأصول قيد الإدارة إلى حوالي 35 مليون دولار أميركي فقط.

وإنّ »بي أف أم« وهي شركة إدارة أُصول صغيرة موقعها في لندن، كانت أيضا من بين الشركات الأولى التي أطلقت صندوقا إسلاميا عالميا للأسهم العادية في العام 1996 وأطلقت عليه اسم صندوق ابن خلدون الدولي للأسهم.

تمكّن الصندوق من استقطاب 20 مليون دولار فقط من الأصول وقد أُقفل بعد بضع سنوات عندما كانت أسواق الأسهم العالمية تشهد نموا متزايدا وملحوظا. وسبب ذلك بسيط وهو أنّ شركة »بي أف أم« لم تتمتع بقدرات التوزيع اللازمة، وسعت إلى العمل مع المصارف وموزّعي الصناديق لأنّ هؤلاء كانوا يسعون أيضا إلى إطلاق صناديقهم الخاصة.

هذه الحالات ليست فريدة من نوعها. فإنّ شركة فيصل المالية وهي شركة تابعة لدار المال الإسلامي قد عمدت إلى إقفال وتصفية صندوقها المصري للأسهم العادية الذي تديره »إي أف جي هرمس«. وأقفلت شركة الأولى للاستثمار في الكويت صندوقها االعالمي للأسهم 2000.

وقام مصرف »أميركان إكسبرس« وشركة فيصل المالية بإقفال صناديقهما الإسلامية المتعددة الاستثمارات، وأقفلت شركة »البركة« صندوقها »الكوثر« للأسهم العادية العالمية الذي تديره GAM.

كما أن هناك صناديق لم تنجح في جذب الأصول، ومن بينها صناديق تابعة لمؤسسات مشهورة جداً مثل سيتيبنك و»إتش أس بي سي« وشركة »نوريبا« التابعة لـ»يو بي أس«. صحيح أنّ هذه المؤسسات لديها الكثير من الموارد، لكنها لم تسمح لصناديقها الإسلامية بالاعتماد على قنوات التوزيع الخاصة بالمؤسسات بل جعلتها تنشئ قنواتها الخاصة.

وإن ألقينا نظرة على الصناديق الكبرى، سنجد أنّ الأنجح بينها هي تلك التي تتمتّع بقدرات توزيع قوية في دول مجلس التعاون الخليجي.

وبالتالي، يكمن العنصران الرئيسيان لنجاح شركات إدارة الصناديق الإسلامية، في قدرات التوزيع وفهم حاجات السوق. إن لم يكن للصندوق قاعدة واسعة من العملاء أو إن لم يكن قادرا على البيع، لن يحقق نجاحاً. كما لا يمكنه بيع منتج لا تريده السوق، حتى ولو كانت قاعدة عملائه واسعة.

وقد كان معظم صناديق الأسهم العادية الإسلامية الناجحة تلك التي قدّمها البنك الأهلي التجاري وشركة الراجحي المصرفية للاستثمار، اللذان يقعان في المملكة العربية السعودية.

هذان المصرفان إلى جانب معظم الصناديق الماليزية، لديهما شبكات واسعة للبيع بالمفرّق في البلدين التابعين لهما، مما حقّق عائدات عالية.

وهناك صناديق مهمة أخرى هي مجموعة صناديق الفنار التي تديرها شركة إدارة الأصول بيرمال في لندن، والبنك الكويتي الوطني الذي يوزّع صناديق البنك الاهلى التجاري في الكويت باسمه الخاصّ. تكون هذه المؤسسات أقلّ اعتماداً على قاعدة العملاء. والأهمّ من ذلك هو أنّ لديها قنوات للتوزيع موثوق منها وأنها تفهم حاجات عملائها وقد تميّزت بخدمة عملائها العالية.

مستقبل السوق

تتغيّر التوجهات والمواقف حيال المنتجات الإسلامية. الآن بعد أن أثبتت المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية نفسها كبديل قابل للاستمرار للعروض التقليدية، بدأت الأسواق تتنبّه لهذا الأمر. وإنّ المصارف الإسلامية في بعض الأسواق كالكويت قد أصبحت المؤسسة المالية المسيطرة.

أما المؤسسات الغربية فقد بدأت تنظر إلى هذا الأمر بشكل مختلف بعد أن قرّرت الانسحاب من السوق منذ بضع سنوات. وخير مثال على ذلك مصرفا »ستاندرد شارترد« و»إيه بي أن أمرو« اللذان قاما بإنشاء أقساما إسلامية ثم أقفلاها ولكن ما لبثا أن أعادا تشغيلها من جديد مؤخراً.

إنّ العملاء ذوي القيمة الصافية العالية والذين كانوا دائما مقياسا لمدى قبول السوق، كانوا يوجّهون انتباههم في الفترة الأخيرة إلى بعض المنتجات الإسلامية التي ما كانوا يهتمون بها في السنوات القليلة الماضية.

وبالتالي، إنّ المصارف الخاصة التي كانت تعتمد على تزويد العملاء بالصناديق التقليدية، تسعى إلى إيجاد طرق تجعلها تحافظ على أصولها.

وكمثال عن ذلك ما تفعله بعض المصارف السويسرية الخاصة التي تسعى إلى إنشاء وتوزيع صناديق استثمارية محلية كصندوق سوق مجلس التعاون الخليجي. من المتوقع أن يتزايد هذا التوجه إذ تدرك المصارف الخاصة أنّ عملاءها سيجدون الاستثمارات التي يريدونها بغض النظر عن مساعدة المصارف لهم.

وما لا يمكن تفاديه هو أنّ المزيد من صناديق الأسهم العادية الإسلامية سوف يختفي في المستقبل، ولكن في الوقت ذاته، سوف تكتسب الصناديق التي حققت نجاحا باهرا مكانةً أقوى في السوق.

أعتقد شخصيا أنّ إصلاح سوق صناديق الأسهم العادية الإسلامية قد بدأ. اليوم، تحتلّ الصناديق الإسلامية المكانة الأقوى في تاريخها وهي تستفيد من الارتفاع المستمرّ لثروات المسلمين في العالم.

مراقبة أداء الصناديق

بدأت Failaka.com بمتابعة نشأة الصناديق الإسلامية منذ العام 1996. أما الشركات الأخرى مثل S&P، ميكروبال وبلومبيرغ، فقد اعترفت رسميا بالنموّ في قطاع الصناديق الإسلامية، وقامت بإدخال المزيد من الصناديق الإسلامية في قاعدة بياناتها التعقّبية.

ثمة طلب متزايد على مراقبة أفضل للصناديق لأنّه من الصعب الحصول على المعلومات ذات الصلة. ولا يأتي هذا الطلب فقط من مديري الصناديق أنفسهم، بل إنّ القوة الدافعة تأتي أيضا من المستثمرين الأفراد بشكل مباشر.

حرص مديرو الثروات بشكل خاصّ على تقديم النصائح إلى عملائهم حول الصناديق الفضلى. ولكن، من دون توفّر البيانات الملائمة، لا تكون الصناديق معدّة جيداً لهذا الغرض.

بدأت الصناديق الإسلامية تدرك هذه الحاجة وقد أصبحت تهتمّ أكثر بالمراقبة. كلما توفر المزيد من المعلومات، زادت فرص الصناعة في النموّ وجذب المزيد من المستثمرين. والخطوة التالية في عملية المراقبة هي إعطاء تقييم للصناديق.