كثفت روسيا خلال الأسابيع القليلة الماضية من جهودها الهادفة لاستكمال انضمامها لمنظمة التجارة العالمية.

وظلت روسيا طوال الأعوام الثلاثة عشر الماضية تسعى لتوقيع الاتفاقيات الثنائية مع دول العالم المختلفة. وقالت وزارة التنمية الاقتصادية والتجارة الروسية إنها سوف تختتم كل المباحثات الثنائية بشأن الانضمام إلى المنظمة خلال شهر مارس المقبل.

ويتوقع الكسندر شوخين رئيس الاتحاد الروسي للصناعيين ورجال الأعمال أن تكمل بلاده إجراءات الانضمام إلى المنظمة قبل نهاية العام الحالي.

لكن وعلى الرغم من تأكيد الممثل الأميركي روب بورتمان الذي يقود الفريق الأميركي المفاوض في المباحثات الروسية ـ الأميركي بأن مباحثات الجانبين ستختتم خلال العام الحالي، هناك عقبات كبيرة تعترض المباحثات.

يث إنه ووفقاً لجيفري شوت كبير الباحثين العلميين في معهد الاقتصاد العالمي، فإن غياب التقدم في المباحثات في الخريف الماضي قلل بدرجة كبيرة من احتمال عقد الاتفاقية في نهاية العام الجاري.

ويشبه شوت طريق المباحثات التجارية الروسية الطويل هذا بسباق الحواجز بحيث كلما تجتاز روسيا حاجزا تصطدم بحاجز جديد أصعب وأكثر مفاجأة من سابقه.

فمثلاً، بعد توقيع وثيقة مع الاتحاد الأوروبي وتسوية كل القضايا المختلف عليها واجهت روسيا شرطا جديدا من جانبه يهدد عدم قبوله بسحب الموافقة الأوروبية على انضمام روسيا إلى المنظمة.

وتطالب أوروبا من روسيا تنازلا جديدا ألا وهو إلغاء أجور تحليق الطائرات الأوروبية عبر المجال الجوي الروسي فوق سيبيريا.

وتبلغ الخسائر التي ستتكبدها روسيا من خطوة كهذه ما بين 330 و350 مليون يورو في السنة. وترفض أوروبا الموحدة بحزم اقتراح روسيا بتأجيل النظر في هذه القضية حتى انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية.

وأضيف هذا المطلب إلى 16 مشكلة إجرائية أخرى تغلق أمام روسيا باب العضوية في هذه المنظمة، من بينها المطلب الأميركي بفتح السوق المالية الروسية أمام استثمارات البنوك الأجنبية وهو أمر استبعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن توافق عليه بلاده بالطريقة التي يريدها الجانب الأميركي.

ومن المشكلات الأخرى أيضاً مطالبة مجلس الشيوخ الأميركي لموسكو بتشديد مكافحة مظاهر سرقة الملكية الفكرية. ولا يزال هذا البند يشكل عائقاً كبيراً على الرغم من اعتراف الولايات المتحدة مؤخراً بالتقدم الذي أحرزته روسيا فيه.

ويضاف إلى العقبات السابقة كلتا المسألتين المعلقتين في العلاقات الثنائية بين البلدين والمتمثلتين في تخفيض الرسوم الجمركية على الطائرات الأميركية وتسهيل معايير الرقابة البيطرية والنباتية على المواد الغذائية المستوردة من الولايات المتحدة.

وتعتبر مسألة حل تلك القضايا مع واشنطن من الأمور الحيوية للغاية نظراً لأن موافقة الولايات المتحدة على انضمام الأعضاء الجدد إلى منظمة التجارة العالمية تعتبر مهمة وأساسية. وترى روسيا في ذلك أكبر حاجز يمثل أمامها.

وإن كان ميزان القوى داخل المنظمة يعتدل بتحوله من هيمنة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى مراعاة مصالح كل الدول الأعضاء فيها، حسب رأي ماكسيم ميدفيدكوف رئيس دائرة الفريق الروسي في المباحثات التجارية الخارجية الخاصة بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

وبالفعل أخذت البلدان النامية من شركاء روسيا جميع الاقتصاديين والتجاريين التقليديين، تلعب دوراً أكثر نشاطاً واكتسبت البرازيل والهند وزنا لا بأس به كما أكدت الصين حضورها بصوت عال في مؤتمر هونغ كونغ.

واتخذت روسيا قراراً استراتيجياً بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وخلال السنوات الخمس الأخيرة كيفت منظومة تشريعاتها الوطنية بأكملها عمليا مع معايير وشروط هذه المنظمة.

وقع وزير التنمية الاقتصادية والتجارة الروسي جيرمان غريف ووزير الصناعة والتجارة والسياحة البرازيلي لويس فرناندو فورلان في دافوس الأسبوع الماضي البروتوكول النهائي الخاص بإكمال المحادثات التجارية الروسية البرازيلية الممهدة لانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية.

وكان غريف قد وقع في وقت سابق اتفاقاً مماثلاً مع وزير الاقتصاد السويسري. وقال الوزير الروسي إن بلاده في طريقها لاستكمال المحادثات التجارية الثنائية مع استراليا.

وبعد الاتفاقات الأخيرة هذه أكملت روسيا محادثاتها التجارية مع 56 من أصل 58 بلداً عضوا في فريق العمل الخاص بانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية. ويتعين على روسيا إكمال محادثاتها التجارية مع آخر بلدين في الفريق المذكور، وهما الولايات المتحدة وكولومبيا.

ولكن حتى بصرف النظر عن الصعوبات التي تتربص بها على هذا الطريق يرى بعض الخبراء أن روسيا لا تبدي عجلة زائدة في الانضمام إلى هذه المنظمة لكونها ليست واثقة تمام الثقة بفائدة هذه الخطوة وبالأخص على ضوء الشروط التي فرضت عليها في الآونة.

وبالرغم من أن الإحصاءات تدل على أن 70 بالمئة من المواطنين الروس يؤيدون الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية إلا أن معظم أنصار هذه الخطوة يدعون لتجنب التنازلات الكبيرة السريعة.

وينظر ميدفيدكوف إلى هذه القضية من منظور أوسع فيقول »إننا نتمنى أن نتفادى الأخطاء التي وقع فيها بعض البلدان النامية التي أنفقت مبالغ طائلة على المباحثات فانضمت إلى المنظمة دون أن تحدد أهدافها ومهماتها الملموسة. فنريد من جانبنا أن نشترك في أعمال منظمة التجارة العالمية بصورة فعالة منذ أول يوم«.

وعلاوة على ذلك يلوح أمام أنظار المفاوضين الروس مثال الصين التي انضمت إلى هذه المنظمة بعد مسيرة مفاوضات طويلة مضنية بشروط تستجيب لمصالحها كبلد يعاني من فائض إنتاج السلع الرخيصة ويحتاج إلى أسواق جديدة لتصريفها. وتتلخص ميزة الصادرات الروسية في كبر نطاق تجارة الطاقة والأسلحة.

ولا تتمتع منظمة التجارة العالمية بنفوذ يذكر في هذين الصنفين من السلع. ويقول المفاوضون الروس في هذا الجانب إن موسكو تسعى من خلال انضمامها إلى المنظمة إلى تلبية احتياجاتها من التكنولوجيات الأجنبية العصرية المتقدمة والحصول على إمكانية الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والتجارية بطريقة متحضرة.

ويرى الخبراء الروس أن انتهاج الصبر والتمسك بالدفاع عن المصالح الروسية سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب. وتتوقع موسكو أيضا أن يجر انضمامها إلى المنظمة وراءه تدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية على الاقتصاد الروسي.