حين أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي برنامج الإمارات الهادف إلى توطين القطاع الخاص إنما كانت من بنات أفكاره ونظرته لمستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة وضرورة اعتماد هذه الدولة على كفاءة أبنائها في إدارة وقيادة كل القطاعات ومن ضمنها القطاع الخاص.

وقد سبق وأن تناولنا وكتاب آخرين وعلى مختلف الاختصاصات أهمية هذا البرنامج لمستقبل الإمارات واقتصادها وضرورة انتقاله إلى مرحلة جديدة المتسمة بالاعتماد على الذات .

وإن لم نقل في كل الأعمال ولكن نقول في أغلبها وتناول وتطبيق هذا الموضوع بالتدرج ووفق خطط علمية مدروسة مسبقاً ومقدر لها النجاح وتشرف عليها لجنة يشارك فيها قيادات من القطاع الخاص لتحقيق كل الأهداف المتوخاة من هذا البرنامج.

كما تصاعدت هنا وهناك نداءات ودعوات تحث رجال الأعمال وأصحاب الشركات في القطاع الخاص إلى دعم هذه المبادرة من خلال تفعيل دورهم ضمن برنامج الإمارات لتوطين القطاع الخاص.

كما حث الكتاب عبر وسائل الإعلام المتاحة تبصير المواطن بأهمية هذا البرنامج وما هي الخدمات الجليلة التي يقدمها لهؤلاء المواطنين والخير الذي يعم عليهم وعلى دولتهم وليثبتوا للكل أن شعب الإمارات إنما هو شعب متوحد ملتف حول قيادته.

وهو بذات الوقت يثبت أنه شعب نشيط واع يعتمد عليه وأصبح مهيأ بالكامل لما تلقاه من تعليم وثقافة وبناء جيد تؤهله لخوض التجربة بنجاح أن ينطلق وبقوة نحو العمل في القطاع الخاص وتحمل المسؤولية كاملة في هذا المجال.

إن العناصر الرئيسية المؤدية إلى نجاح هذا البرنامج متوفرة وهي مدروسة ابتداء ومتمثلة في عزيمة الدولة ومواطنيها واللجنة المشرفة على تنفيذه غير أن هناك عناصر أخرى تعزز هذا النجاح بل هي مكملة بشكل أساسي للعناصر الأخرى ويجب عدم الإغفال عنها وعلى اللجنة المشرفة على تنفيذ البرنامج الوقوف عندها واستثمارها بشكل جيد لكي تكون عناصر فعالة في تنفيذ البرنامج.

وسبق أن قلنا في مقال سابق إن هذه اللجنة يقع على عاتقها مهمة تاريخية وكبيرة في هذه المرحلة لأنها تضع حجر الأساس الأول في الدخول إلى عمالة القطاع الخاص وتوطينه، فهي مهمة وطنية عظيمة وتاريخية ونحن على يقين أن هذه اللجنة ستنجح بإذن الله في مسعاها هذا.

ونعرض هنا بعض مواضيع هذه العناصر التي تتخللها أفكار قد تساعد اللجنة في عملها، حيث إن من المعروف أن العمالة في القطاع الخاص في غالبيتها تشكل 99% من الوافدين.

وهم موزعون على نوعين من الشركات والمصانع وأعمال القطاع الخاص، وهذين النوعين نقصد بهما رجال الأعمال وأصحاب الشركات من مواطني هذه الدولة وهؤلاء يعتبرون عنصراً مهماً من عناصر نجاح هذه التجربة ومفتاحها نحو التطبيق الأشمل.

حيث إن من المعروف والثابت أن المواطنين من أصحاب رؤوس الأموال والشركات لديهم الروح الوطنية والاندفاع التام للتفاعل بإيجابية مع برنامج توطين القطاع الخاص بل الأكثر من ذلك هم شرعوا بهذه التجربة منذ زمن من خلال توظيف الأيدي العاملة من المواطنين.

ومن المؤكد هنا أن نسبة العمالة الوطنية في هذا النوع من القطاع الخاص هي أكثر بكثير من العمالة الوطنية في القطاع الخاص الذي تملكه رؤوس أموال أجنبية في الوقت الحاضر، ومعنى ذلك أن المواطنين من أصحاب الشركات لا يحتاجون إلى حث أو دعوة لتنفيذ البرنامج وإنما يعتبرونه واجباً وطنياً حتمياً.

وهذا العنصر على برنامج الإمارات استثماره بشكل جيد باتجاه دفع الأيدي العاملة من المواطنين بعد تدريبهم وزجهم في هذا النوع من القطاع الخاص حيث سيجدون هناك من يرحب بهم والأخذ بيدهم وإكسابهم الخبرة اللازمة باتجاه تحقيق كافة أهداف برنامج توطين القطاع الخاص.

والنوع الثاني من القطاع الخاص الذي نتحدث عنه هي الشركات والمصانع والمشاريع التي يملكها الأجانب من أصحاب رؤوس الأموال وميزة هذا النوع من القطاع الخاص أنه أكبر حجماً وتوسعا من النوع الأول من القطاع الخاص الذي يملكه المواطنون، كما أن في هذا القطاع تصل نسبة العمالة الأجنبية إلى 99% إن لم نقل 100% في أغلبها.

وهذا يؤسس عليه حقائق ثابتة يمكن للجنة المشرفة على تنفيذ برنامج توطين القطاع استثمارها، وهذه الحقائق تتمثل أن هناك فرص عمل كثيرة متوفرة في هذا القطاع نظراً لكثرة المشاريع والمصانع والشركات الأجنبية العاملة في الدولة.

وهو ما يهيئ أرضية جيدة لدفع وزج المواطنين للعمل ضمن هذا القطاع، والحقيقة الثانية أن زج المواطن في هذا القطاع إنما سيكسبه خبرة عالمية متطورة لأنه سوف يحتك بالعمل مع أيد عاملة أجنبية من ذوي كفاءة عالية.

إذن هذا الموضوع يحتاج إلى وقفة وتأمل وتفكير في كيفية استثمار هذا النوع من القطاع الخاص والذي يملكه ويعمل به الأجانب وقد تكون هناك أفكار كثيرة ولكن يمكن التفكير مع اللجنة المشرفة على تنفيذ برنامج توطين القطاع الخاص بموضوع تشريع أو إصدار تعليمات تشترط على هذا النوع من القطاع الخاص بضرورة إشراك المواطنين ضمن الأيدي العاملة في شركاتهم .

أو مشاريعهم وأن تحدد نسبة مئوية للأيدي العاملة الوطنية بالنسبة للأيدي العاملة الأجنبية في كل مشروع أو شركة، وعلى هذا سيتم الدخول وتوطين القطاع الخاص بقوة يكون مردودها نجاح البرنامج وتحقيق أهدافه.

كما أن هناك عناصر أخرى يمكن لبرنامج الإمارات لتوطين القطاع الخاص من اعتمادها وهي أن هناك الكثير من الشركات الأجنبية ومصانع ورؤوس أموال أجنبية لديها استثمارات كبيرة في الدولة حصلت عليها وتدر عليهم أموالاً وأرباحاً كبيرة مقابل خدمات وأعمال ومشاريع تنفذها تلك الشركات لمصلحة الحكومة أو القطاع الخاص.

ومن المفيد أن نذكر أن هذه الشركات والمصانع تكون عادة لدى العاملين بها خبرات كبيرة جداً في مجال عملها بل هذه الشركات تهتم جداً بتوظيف عمالة أجنبية مختارة وكفؤة للقيام بأعمالها وإدارتها.

وقد يكون من المهم جداً الانتباه لهذه الشركات ووضع الخطط الكفيلة للاستفادة منها واستغلال الوقت من أجل استثمار هذا العنصر المهم وهو عنصر الخبرات العالمية المتقدمة والمتطورة والعمل على نقلها إلى المواطنين لكي يتمكنوا من دخول معترك العمل في القطاع الخاص .

وهم بكامل الكفاءة المطلوبة من قبل تلك الشركات الأجنبية على أن يصاحبها برنامج تدريب وتشريعات صادرة من الدولة تعين اللجنة على الاستفادة واستثمار هذه المرحلة من تطبيق البرنامج، ويمكن التصوّر في هذا المجال وجود فكرتين يمكن أن تعين اللجنة المشرفة على تنفيذ البرنامج والمواطنين على حد سواء.

الفكرة الأولى هي أن الدولة وعند تعاقدها مع أية شركة أجنبية لتنفيذ مشاريع لمصلحتها وخصوصاً في المشاريع الكبيرة التي تدخل في البناء والعمران والصناعات وغيرها، يمكن (للدولة) أن تفرض ـ ضمن شروطها ـ أن يتم تدريب عدد كبير من المواطنين على عمل هذه الشركات الأجنبية واختيار أنسب الاختصاصات التي توائم عمل المواطن في القطاع الخاص مثل الاختصاصات الهندسية والإدارية والفنية الأخرى.

وأن تدريب هؤلاء المواطنين يشجع الشركة الأجنبية ذاتها وشركات أخرى على العمل على دمج هؤلاء المواطنين ضمن عمالتها.

والفكرة الثانية هي: يمكن للدولة أن تفرض على تلك الشركات الأجنبية عند التعاقد معها في مشاريع تنفذ لمصلحة الدولة أن يكون هناك نظام الرديف أو البديل.

وهذا النظام معروف لتدريب الأيدي العاملة الوطنية واكتسابهم الخبرة اللازمة من نظام عمل وعمالة تلك الشركات، ويفضل أن تكون هذه المواقع مختارة أيضاً وفق تصورات وإدارة اللجنة المشرفة على تنفيذ البرنامج كالمواقع القيادية والإدارية والفنية.

وعلى هذا نستثمر هذا الموضوع باتجاهين الأول أن المواطنين الذين يُراد الزجّ بهم للعمل في القطاع الخاص يكتسبون بهذه الحالة الخبرة اللازمة ويصلون إلى درجة من الكفاءة تكون بكفاءة العامل الأجنبي ذاتها الذي استُقدم لهذا الغرض وبذلك يكون العذر الذي أريد من ورائه استقدام الأيدي الأجنبية العاملة قد انتهى.

والاتجاه الثاني أن هؤلاء المواطنين سيكونون مؤهلين تماماً لقيادة وإدارة تلك المشاريع التي كانت الشركة الأجنبية تديرها بوساطة عمالتها الأجنبية.

وفي كل الأحوال ستكون هناك أيدي عاملة وطنية كفؤة مزوّدة بالخبرات اللازمة التي يمكن أن تعتمدها شركات القطاع الخاص للاستفادة من خبراتهم المكتسبة وبالتالي سيكونون محل ترحيب من قبل تلك الشركات الأجنبية للعمل ضمن قطاعاتها.

ـ قانوني وكاتب إماراتي

Rashed .shabib@binshabib.ae