تضاربت آراء المحللين خلال الأيام الماضية حول توجهات السياسات المالية الأميركية في أعقاب رحيل آلان غرينسبنان الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الأميركي وتركه المقعد لخلفه بن برنانكي.

ويغادر غريسنبان منصبه في 31 من الشهر الجاري، بعد أن قاد لمدة 18 عاماً السياسة النقدية لبلاده بحنكة وإن كانت حصيلة عمله تواجه انتقادات في بعض الأحيان.

وعرف عن غرينسبان (79 عاماً) مهارته في فن إلقاء الخطب الصعبة التي كان اللاعبون الماليون يفهمون منها الشيء ونقيضه في وقت واحد.

وقد عين الرئيس الأسبق رونالد ريغان غريسنبان رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، من دون أن يكون حاكماً له سابقاً، صيف العام 1987. وكان أولَ ما واجهه انهيار جزئي في وول ستريت هز الأسواق في اكتوبر من العام ذاته. لكنه حقق شهرته نظراً لتصميمه على محاربة التضخم في الاقتصاد إبان الثمانينات وقدرته على إبقاء نسبته من رقم واحد (أي دون العشرة).

ولم يتوقف منذ ذلك الحين عن مواجهته وبحذاقة بارعة بواسطة سلاح معدلات الفوائد بهدف احتوائه. وفي ديسمبر 1996 أطلق تحذيره الشهير من «النمو المفرط غير العقلاني للأسواق» التي كانت في أوجها. وقد سمعت كلمته بتهذيب لكن من دون الإصغاء إليها. وبعد ثلاثة أعوام انهارت البورصة ودمرت العديد من المستثمرين في ما يعرف باسم «فقاعة الانترنت».

وبينما انتقده البعض لعدم تحذيره وول ستريت من فورتها بشكل كاف، سارع غرينسبان إلى تلميع صورته عبر مواجهته الحازمة للانكماش الاقتصادي في الولايات المتحدة مطلع العام 2001، ولعواقب اعتداءات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن العام ذاته.

وأدت سياسته القاضية بخفض الفوائد المباشرة للاحتياطي الفيدرالي، التي تراجعت إلى 1% في يونيو 2003، إلى ازدياد الطلب مجدداً. لكنه سارع فور ظهور بوادر الانتعاش إلى التضييق مرة أخرى بواسطة زيادة النسب بشكل منتظم ولكن معتدل. ويبلغ معدل فوائد الاحتياطي الفيدرالي اليوم 25 ,4%. وأشاد الرئيس جورج بوش بعمله مشيرا إلى نوعية خدماته.

وقال بوش عند الإعلان عن تعيين بن برنانكي في اكتوبر الماضي إن غرينسبان «قاد خلال حوالي عشرين عاماً اقتصادنا وسط تقلبات».

وأضاف ان الولايات المتحدة «شهدت تحت قيادته الراشدة انهياراً في البورصة وأزمات مالية في المكسيك وآسيا وفترتي انكماش وفضائح في كبريات الشركات وصدمات تتراوح بين كوارث طبيعية مدمرة واعتداء على المركز المالي الأميركي».

ومع أن مكافحة التضخم شكلت صلب عقيدته، أظهر غرينسبان ليونة تجاه العجز في الموازنة. وعندما قرر بوش فور وصوله إلى البيت الأبيض مطلع 2001 خفض الضرائب، دعمه غرينسبان رغم أن الموازنة الفيدرالية دخلت دائرة الخطر.

وينتقد معارضوه حالياً موافقته هذه مشيرين إلى تعاطفه منذ زمن بعيد مع الحزب الجمهوري، حزب بوش أيضاً. وكان زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ هاري ريد قال سابقاً «لقد أبلغنا، عندما كنا في السلطة مع بيل كلينتون، أن عجز الموازنة هو المشكلة الأهم التي يواجهها الأميركيون».

وأضاف «لماذا لا يقول الآن للجمهوريين ان المشكلة الكبرى هي الديون التي أوجدوها؟» بينما أعلن البيت الأبيض أن العجز في الموازنة للعام 2006 قد يكون بحجم 400 مليار دولار.

من جهته، قال الاقتصادي بول كروغمان إن قرار غرينسبان الإبقاء على معدلات فوائد متدنية في الأعوام الأخيرة وبالتالي خفض كلفة القروض هو السبب في الارتفاع الحاد في أسعار العقارات ووجود «فقاعة» مضاربات.

ويعتبر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي هو أقوى مصرف مركزي في العالم نظراً للثقل الذي تمثله الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي ولأهمية بورصة نيويورك ولدور الدولار كأول عملة احتياط في العالم.

وتم تأسيسه بموجب قانون صدر في 1913 وأصبح دوره الرئيسي في السنوات الأخيرة يتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار وعلى متانة النظام المالي الأميركي.

ويعين رئيس الولايات المتحدة رئيس الاحتياطي وأعضاء مجلس حكامه السبعة بعد موافقة مجلس الشيوخ. ويقع مقر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في العاصمة واشنطن. وكما حصل مع آلان غريسنبان في 1987، لا يتم اختيار رئيس الاحتياطي بالضرورة من بين الحكام.

أما بن برنانكي الذي يخلف غرينسبان، فكان أحد حكام الاحتياطي من 2002 إلى 2005 قبل أن يطلب منه الرئيس جورج بوش أن يرأس فريق مستشاريه الاقتصاديين في البيت الأبيض. وتمتد ولاية الحاكم 14 عاماً.

والحاكم الذي يكمل ولايته حتى النهاية لا يمكن تعيينه مجدداً في هذا المنصب. والحاكم الذي يعين ليحل محل حاكم توفي أو قدم استقالته، يمكن تعيينه مجدداً لدى انتهاء الولاية التي عين لها.

ويعين رئيس الاحتياطي ونائبه اربع سنوات من دون الأخذ في الاعتبار المدة المتبقية من ولايتهما في حال كانا يتوليان منصب حاكم. ويتألف النظام الاحتياطي من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي و12 مصرفاً احتياطياً مناطقياً مكلفة بمراقبة تطور الاقتصاد في ولاياتها.

وتجتمع هيئة السياسة النقدية التابعة للاحتياطي مبدئيا ثماني مرات في السنة لتقرر خفض أو رفع معدلات الفوائد. وهذه الهيئة مؤلفة من 12 عضواً هم الحكام السبعة وحاكم احتياطي نيويورك وأربعة رؤساء لمصارف احتياطية مناطقية يتناوبون على المقعد لمدة سنة.

ومعدل الفوائد الأساسي للاحتياطي هو حالياً المعدل التي تعتمده المصارف لعملية الاقتراض في ما بينها. ويتدخل الاحتياطي الفيدرالي في الأسواق لحصر هذا المعدل في هامش تقلبات ضيق، وهو محدد حاليا بنسبة 25 ,4%. (أ.ف.ب)