يزداد حجم السيولة النقدية في الإمارات بمعدل أسرع من نمو الدخل الحالي كما يتضح من خلال الانخفاض المستمر لسرعة دوران الدخل. وهذا يوحي بأن بيئة الأعمال المحلية غير نشطة بالقدر الكافي لخلق فرص استثمار مناسبة لامتصاص فائض السيولة النقدية.
نتيجةً لذلك، ازداد ضخ الأموال إلى السوق المالية وازداد صافي أنشطة الواردات، والإنشاءات والعقارات جميعها للاستفادة من السيولة النقدية الزائدة في السوق.
وهذه هي الأنشطة المنطقية التي تمنع الدولة من الغرق في معدل تضخم عال جداً. وكان التوسع في الائتمانات البنكية نحو التجارة والإنشاءات أمراً حتميًا في ظل مثل هذه الظروف الاقتصادية.
وربما أصبحت السوق المالية التي تتميز بالنمو السريع تشكل أحد أسباب البعد عن الأعمال المحلية حيث اتجه العديد من أصحاب رؤوس الأموال إلى وضع أرباحهم في السوق المالية للحصول على الأموال بسهولة وسرعة بدلاً من وضع رأس المال في مزيد من الأنشطة الإنتاجية مثل بناء منشآت ومصانع جديدة. وكانت النتيجة زيادة استيراد السلع وانخفاض الإنتاج محلياً.
إن القضية الشائكة التي تواجه اقتصاد الإمارات تكمن في كيفية توجيه السيولة النقدية لتحقيق زيادة حقيقية في إجمالي الناتج المحلي بدلاً من الارتفاع الوهمي لأسعار الأصول.
ويكمن التحدي للاقتصاد في تحويل نفسه من اقتصاد قوامه السيولة النقدية إلى اقتصاد إنتاجي قوامه الطلب. وتعتبر مدينة دبي الصناعية خطوة في الاتجاه الصحيح نحو توجيه الاقتصاد إلى مزيد من الإنتاجية.
أحدث بيانات »المركزي«
تشير أحدث بيانات المصرف المركزي في الإمارات إلى أن إجمالي السيولة النقدية بلغ 311 مليار درهم مع نهاية عام 2004.
يشكل هذا المبلغ زيادة بنسبة 24% عن العام السابق. وجاءت هذه الزيادة نتيجةً لزيادة السيولة الداخلية الخاصة وارتفاع الودائع الحكومية إلى 60 مليار درهم تقريباً بزيادة فاقت نسبتها 75% خلال ذلك العام.
وللتحقق مما إذا كانت هذه السيولة ستؤدي إلى نمو اقتصادي فعلي في دبي وفي الإمارات، أو أنها ستؤدي إلى مجرد نمو وهمي، يتعين التركيز على قيمة ونسبة مساهمة السيولة النقدية في الأنشطة الاقتصادية الرئيسية في الإمارات مثل البورصة، والواردات، وقطاع الإنشاءات والعقارات.
وفي الإمارات، مثلما هو الحال في معظم دول مجلس التعاون الخليجي، توجد علاقة طردية قوية بين سعر البترول وكمية الإنتاج من جهة ونمو إجمالي الناتج المحلي من جهة أخرى، باعتبار البترول أحد المصادر المهمة.
وتعرف السيولة النقدية بأنها القيمة الإجمالية للأصول السائلة التي يتم استخدامها لتمويل النشاطات الاقتصادية مثل الأسهم، الواردات، والاستثمار المباشر. وتعتبر السيولة النقدية بمثابة المحرك الرئيسي للاستهلاك والاستثمار، وبالتالي الاقتصاد بكامله بوجه عام.
السيولة وسرعة تداول الدرهم
تقاس سرعة تداول الدرهم بعدد المرات التي يتم فيها دوران الدرهم في الاقتصاد لتمويل العمليات التجارية.
على سبيل المثال، عندما يقوم شخص ما بإنفاق درهم على السلع أو الخدمات، فإن الدرهم لا يختفي ولكنه ينتقل ببساطة من يد المشتري إلى يد البائع. ويقوم البائع بشراء شيء آخر بنفس الدرهم، ومرة أخرى تستمر الدورة لتعيد نفسها.
ويركز هذا التقرير على حساب عدد المرات التي يدور فيها الدرهم في الاقتصاد سنوياً. ويمكن حساب ذلك باستخدام الصيغة التالية: إجمالي الناتج المحلي ـــ السيولة النقدية »مع افتراض أن العوامل الأخرى تبقى ثابتة«.
ففي عام 2004، بلغت سرعة تداول الدرهم 1.22 فقط في حين كانت 1.68 في عام 1996 مما يعني انخفاضها في تسع سنوات بنسبة 27% تقريبًا. يعزى هذا الانخفاض إلى زيادة السيولة النقدية بمعدل فاق معدل النمو الاقتصادي في الإمارات وهو ما كان يرجع في تلك السنوات إلى عدم وجود فرص استثمار كافية لامتصاص الزيادة الحاصلة في السيولة النقدية.
ماذا يعني انخفاض سرعة دوران النقود؟ تنخفض سرعة الدوران عندما تزداد كمية السيولة النقدية بالمقارنة مع الدخل الحالي أو إجمالي الناتج المحلي. وهذا يعني أن الدرهم لا يدور بالسرعة المطلوبة أو المحتملة.
علاوة على ذلك، يشير الانخفاض إلى عدم وجود فرص استثمارية كافية لقوة السيولة النقدية الكبيرة في الإمارات. ليس مستغرباً الآن أن نعلم بأن هناك زيادة مستمرة في سرعة دوران النقود في البورصة وفي الواردات.
مقارنة مع قطر والسعودية
وتشير البيانات إلى أن سرعة دوران الدخل لكل من قطر والمملكة العربية السعودية أكبر منها للإمارات والبحرين وربما يعود ذلك للأسباب التالية:
ـــ قد يكون لدى قطر والمملكة العربية السعودية سيولة نقدية كثيرة بنفس القدر الذي يستطيع اقتصادهما امتصاصه. أو قد لا يكون لدى كلتا الدولتين سيولة نقدية بنفس حجم اقتصادهما مقارنة بالإمارات والبحرين.
ـــ قد لا تكون الإمارات والبحرين قادرتين على الاستفادة من السيولة النقدية لديهما بشكل فعال جدًا أو أن السيولة النقدية لديهما تزيد كثيراً عما يستطيع اقتصادهما الحالي استيعابه.
هيكل الائتمان البنكي
كانت الزيادة في السيولة النقدية المحلية بالإمارات مصحوبة بالنمو المستمر في صافي الائتمانات المحلية بنسبة تزيد عن 33%. بلغ الائتمان المتوفر لدى البنوك 255.6 مليار درهم في عام 2004. وتخصص أكثر من 95% من الائتمانات إلى المقيمين بالدولة »مقارنة بغير المقيمين فيها«.
فيما يتعلق بالأنشطة الاقتصادية، فقد ذهبت معظم الائتمانات إلى قطاع التجارة 27% ثم إلى القروض الشخصية للأعمال 14% ثم قطاع الإنشاءات 13%. ذهبت القروض الأقل نسباً إلى التصنيع 6%، الكهرباء، الغاز والمياه 4%، التخزين والاتصالات والنقل 3%.
سوقا دبي وأبوظبي
كان لزيادة السيولة النقدية في الإمارات تأثير إيجابي وكبير جدًا على السوق المالية في دبي وفي أبوظبي حيث أظهرت زيادة كبيرة وملحوظة على مدى الأعوام الأربعة الأخيرة على الأقل.
شَكَّلَ عام 2004 نقطة »الانطلاق« في السوق المالية في دبي وفي أبوظبي. إذ بلغت السوق المالية ما نسبته 116% من إجمالي الناتج المحلي في ذلك العام. لم ينته عام 2005 حتى الآن وبلغت الزيادة فعليًا ما نسبته 109% عن أداء العام الماضي.
يتعين الإشارة إلى أن الكثير من نشاط السوق المالية ليس له قيمة مضافة في الاقتصاد وإجمالي الناتج المحلي. ليس للزيادة الكبيرة في قيمة التداولات في السوق المالية فائدة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي.
وتعتبر السوق المالية في دبي وأبوظبي ثاني أكبر بورصة من بين الأسواق المالية بدول مجلس التعاون الخليجي بعد المملكة العربية السعودية. الجانب السلبي للسوق المالية في دبي وأبوظبي هو وجود شركات تصنيع بنسبة أقل بكثير مما هو موجود في السوق المالية السعودية. غالبية الشركات المدرجة في سوق مالية دبي وأبوظبي هي شركات خدمات.
واردات الإمارات
تم استخدام ما يزيد على 124 مليار درهم لتمويل الواردات الكبيرة للدولة في عام 2004 وفي اقتصاد لا توجد به قيود على التجارة، مثل اقتصاد الإمارات، يمكن تلبية التوريد من مصادر محلية أو أجنبية. ونظرًا لأن قطاع التصنيع بالدولة لا يُعد كبيرًا بالقدر الكافي لتلبية الزيادة في الطلب، فهذا من شأنه أن يؤدي حتمًا إلى زيادة الواردات.
ففي عام 2004، ارتفع صافي الواردات بالإمارات بنسبة 18% ولم يكن ذلك بسبب زيادة عدد السكان فقط أو بسبب ضعف الدولار الأميركي في مقابل بعض الشركاء التجاريين للإمارات في الأعوام القليلة الماضية، ولكن أيضًا بسبب الزيادة الكبيرة في السيولة النقدية في اقتصاد الإمارات.
تداول الدرهم في سوق المال والواردات
كما هو متوقع، فإن سرعة تداول الدرهم في السوق المالية وفي الواردات تشهد ارتفاعاً مقابل سرعة تداول النقود بالدخل ـــ إجمالي الناتج المحلي. خلال العام الأخير، ازدادت سرعة تداول النقود في تمويل الواردات والسوق المالية بنسبة تزيد عن 66%.
وكما ذكر آنفاً، فإن زيادة السيولة النقدية تؤدي إلى زيادة الطلب على الاستهلاك الذي يؤدي بدوره إلى زيادة التوريد في غياب القيود على التوريد. وفي حال وجود قيود على التوريد، فسوف يؤدي ذلك إلى حدوث التضخم. لهذا، يُعد وجود البورصة والسلع المستوردة أساسيًا لمنع تضخم الأموال.
الإنشاء والعقارات
يشهد السوق العقاري نموًا كبيرًا في الإمارات، خصوصًا في دبي وأبوظبي. ولا تتوفر أية أرقام دقيقة عن حجم الأموال التي تم استثمارها أو سيتم استثمارها في هذا القطاع.
ومع ذلك، ووفقًا لغرفة تجارة وصناعة دبي، توقعت المصادر الحكومية أن يتم استثمار أكثر من 182 مليار درهم في هذا القطاع في دبي وحدها. ووفقًا لبلدية دبي، فإن هناك خططًا لبناء ما يزيد عن 200 ألف وحدة سكنية في دبي بحلول عام 2008.
ومن المتوقع أن يشهد السوق العقاري في جميع أنحاء الإمارات معدل نمو هائلاً على مدى الأعوام السبعة المقبلة، ومن المتوقع أن يزيد على إجمالي القيمة التي تم تحقيقها على مدى العقدين الماضيين.
ويسود الاعتقاد بأن الزيادة في السوق العقاري جاءت نتيجة لزيادة عدد سكان دبي. فمن المتوقع أن يصل عدد السكان إلى 2.1 مليون بحلول عام 2010 والسائحين إلى 15 مليوناً بحلول عام 2015.
تدفقات السيولة ونمو الناتج المحلي
تعتبر تدفقات السيولة النقدية مقياسًا دقيقًا لقوة الاقتصاد في المستقبل. ويعتبر إجمالي الناتج المحلي في أي عام انعكاسًا للسيولة النقدية في العام الذي سبقه. إذ بلغ الارتباط بين السيولة النقدية وإجمالي الناتج المحلي خلال الأعوام التسعة الماضية ما نسبته 98% في الإمارات.
وبناءً على رقم السيولة النقدية لعام 2004 واستناداً إلى نمو إجمالي الناتج المحلي السابق، من المتوقع أن يصل إجمالي الناتج المحلي لدبي إلى معدل نمو نسبته 12% في عام 2005. سوف يبلغ إجمالي الناتج المحلي إلى حولي 124 مليار درهم في عام 2005. وهذا الرقم يُشكل ما نسبته 12% زيادة على ما كان متوقعاً في بداية هذا العام.
محمود أبوعلي ٭