يبدو أن شركة انفستكوم فضلت خوض تحدي الريادة، على انتظار ما سيفعله الآخرون، ثم الركض وراءهم، برهانها الصائب على بورصة دبي العالمية، بحيث سجلت لنفسها لقب » الشركة الأولى« التي تعلن عن خطتها لقيد أسهمها في البورصة التي كانت في حينها مشروعاً عملاقاً يشق طريقه نحو النور.

وبرهن سلك انفستكوم هذا المسار، إنها تدير أعمالها وعملياتها بناء على حسابات المستقبل، وليس بناء على حسابات اللحظة الآنية، حتى تشغل لنفسها مساحة في فراغات الأعمال التي ربما يخشى الآخرون من ارتيادها، لكي يقوا أنفسهم من حرارة المخاطرة.

وذلك بالانكفاء على الذات والتحوصل، والرضا بالجلوس على مقاعد المتفرجين، والاستئناس بدور المشاهدة للاعبين الرئيسيين.

ويبين وقوع خيار شركة انفستكوم على بورصة دبي الدولية إنها اختارت نهجا، هو الأصعب في إدارة الإعمال، وهو نهج »إدارة حسابات المخاطر« الذي ينهض على استشراف ما يحمله المستقبل من فرص وقيود، ومن ثم اتخاذ قرار المضي قدماً، إذا ما رجحت كفة العوائد المتوقعة.

ولعل اتخاذ انفستكوم قرار أن تكون الشركة الأولى التي تقيد أسهمها في بورصة دبي الدولية، يعكس حالة التنوع في ردود أفعال مجتمع الأعمال إزاء إطلاق البورصة الجديدة ، فهناك من رأى أنه من الأجدر له انتظار وترقب ما سوف يفعله الآخرون.

والانجرار وراءهم كالقطيع، إذا ما نجحوا وجنوا مكاسب من التواجد في بورصة مازالت بكرا، وهناك من رأي أنه من الأفضل له أن يكون في موقع السبق والقيادة، حتى يؤمن لنفسه موقعاً متفرداً ومتميزاً.

وذلك بجني مكاسب وفوائد يخشى كثيرون تذوق حلاوة طعمها خشية ارتياد المخاطر، وهناك من قدر أن نجاح بورصة دبي الدولية، هو خصم صاف من مكاسبه.

وبالتالي، يصير من المتعين العمل على وأد المولود الجديد قبل أن يشب ويشتد عودة، وذلك عن طريق نثر الغبار حوله لتتأذى العين من مجرد النظر إليه، ولهذا نشط هؤلاء في إثارة الأقاويل حول بطء وتراخي العمل في البورصة الجديدة.

خطط التوسع والتطير

وتعتبر شركة انفستكوم واحدة من الشركات القليلة التي تنتسب إلى منطقة الشرق الأوسط والتي تتمتع بساحة أعمال تتجاوز الخطوط الجغرافية للمنطقة، فهي تنشط في مجال الهواتف الخلوية وتغطي عملياتها 8 دول في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا.

وقد بلغ العدد الإجمالي للمشتركين في خدمات الاتصالات التي تقدمها الشركة في يونيو 2005 قرابة 3.3 ملايين شخص . حيث تعمل الشركة في مجال تشغيل شبكات الهواتف النقالة في كل من سوريا وغانا واليمن وبنين وليبيريا وقبرص وغينيا بيساو والسودان.

وفازت الشركة مؤخراً لبناء وتشغيل شبكتين للهواتف المتحركة في أفغانستان وغينيا، مما وسع نطاق عملياتها ليشمل 10 دول ، بعدد سكان يتجاوز 147 مليون نسمة.

وتوفر الشركة أيضاً خدمات اتصالات دولية،وتعتمد في ذلك بشكل رئيسي على عملياتها في موناكو بالإضافة إلى خدمات الهاتف الثابت في المملكة المتحدة وخدمات هندسة الاتصالات والاستشارات.

لقب الشركة الأولى

ويبدو أن الشركة لم يقع اختيارها على بورصة دبي الدولية لمجرد الفوز بلقب »الشركة الأولى« التي تقيد أسهما في البورصة، ولكن جاء هذا القرار، بناء على تصورات الشركة لمجال تحرك عملياتها وأنشطتها في المستقبل، فهي قد اتخذت هذا القرار.

وهو واقر في ذهنها أن التواجد في هذه البقعة من العالم سيتيح لها مكاسب وعوائد، غير موجودة في مناطق أخرى، ويبرز في مقدمة هذه الحسابات، هو تخطيها لتوسيع عملياتها في الدول الآسيوية.

ومن بينها التطلع إلى العراق، يضاف إلى ما سبق، إدراك الشركة لما تختزنه منطقة الخليج من ثروات وأموال، يمكن للشركة أن تستفيد منها في توسيع عملياتها، فضلا عن إدراك الشركة للموقع المهم الذي سوف تشغله بورصة دبي الدولية كآلية لتسعير الأوراق المالية، وتعبئة التمويل اللازم لخطط التوسع والتطوير .

وعبر القائمون عن الشركة عن هذه الحسابات التي حفزتهم على اتخاذ قرار قيد أسهم في بورصة دبي العالمية، في معرض تصريحاتهم وأقوالهم لوسائل الإعلام المختلفة .

والتي ما يلفت نظر المدقق لها هو أنها أبعد ما تكون عن الحسابات القائمة على العواطف، بل هي حسابات تنهض على لغة وقاموس » البيزنس «والتي من أبرز مفرداتها هو التمويل.

وتأتي هذه الأقوال بصراحة وبدون مواربة على لسان عزمي ميقاتي الرئيس التنفيذي للشركة والذي يدير الشركة منذ عام 1998، ولم يتجاوز العقد الثالث من عمرة، وهو يقول في أحد تصريحاته »أنه يشعر بالسعادة للتواجد في منطقة الخليج العربية.

حيث يتدفق المستثمرون بغرض الاستفادة من فرص الازدهار الاقتصادي التي أتاحتها الطفرة النفطية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط «. وفي عبارة أخرى وردت على لسانه، قال »أنه بإطلاق حكومة دبي بورصة دبي الدولية، فهي تخطط لأن تتيح للشركات الأجنبية فرصة النفاذ إلى أموال النفط في المنطقة.

وان حكومة دبي دائما ما توفي بما تعهدت به، ولم يسبق لها أن أخفقت في تنفيذ مما تتعهد به «. ومضي رئيس الشركة في عرض تصوراته عن مستقبل البورصة ومستقبل عمليات الشركة قائلا »أن دبي تعتبر مركزاً مالياً وتجارياً في غاية من القوة.

وبالنسبة لشركة تعمل كمشغل للاتصالات المحمولة ومقرها في الشرق الأوسط، وتنتسب إلى هذه المنطقة ،فانه يعد منطقيا أن يكون مركز دبي المالي العالمي هو المكان المناسب لاحتضان أعمال الشركة.

إدارة المخاطر

وهكذا، فإن قصة شركة انفستكوم مع بورصة دبي الدولية ، هي قصة التزاوج بين سعي الشركة إلى الحصول على التمويل لدعم خطط توسعها من جانب، وتمرس الشركة بحكم نشاطها، على ارتياد مجالات الأعمال الجديدة، بحكم تركيزها على الأسواق الصاعدة التي تموج بمخاطرة متنوعة المشارب والأشكال.

فعلى الطرف الأول من جردة الحسابات، يبرز سعي الشركة للحصول على التمويل بغرض تنفيذ خططها في مجال توسيع نشاطها وعملياتها، ففي يونيو 2005، أعلنت شركة انفستكوم التي تملكها أسرة ميقاتي اللبنانية، وذلك على لسان رئيسها بأنها تنظر في السوق المالية لجمع نحو 400 مليون دولار لتمويل التوسع وشراء فروع.

ولفت إلى أن الأوان لم يحن بعد للقول إذا كانت المجموعة ستجمع المال المطلوب بطرح أسهم للبيع أو استدانة من السوق، أو باستثمار خاص. لكنه اعترف بأن بيع أسهم في سوق مالية في الشرق الأوسط، مع احتمال بيع أسهم في السوق الثانوية في لندن هو خيار مثير للاهتمام.

ولاحظ أن سوق الأسهم في بيروت ليست في الوقت الراهن متطورة تطوراً كافياً لخيار طرح الأسهم. وأشار إلى أن الشركة تجري اتصالات مع البنوك لتسدي لها النصح بشأن الطريق الأمثل الذي يجب أن تسلكه. مضيفاً بأن لدى الشركة »علاقة جيدة« بمصرفي سيتي غروب و»اتش اس بي سي«. وقال إن أحد الأفكار هي طرح إصدار عام أولي .

ويبدو أن النتائج المالية الجيدة التي حققتها الشركة في عام 2004، شكلت حافزا رئيسيا لتطلع الشركة نحو التوسع، ومن ثم التمويل، حيث تشير أقوال مسؤولي الشركة إلى أن شركة »انفستكوم« جنت أرباحاً قبل الفوائد والضريبة والاهتلاك، يبلغ هامشها 50 % تقريباً.

وقد شهدت نمو دخلها بنسبة 60 % إلى 633 مليون دولار في سنة 2004، منها 275 مليوناً قبل الفوائد والضريبة والاهتلاك و145 مليوناً ربحاً صافياً .

ويتيح طرح الأسهم في السوق المالية »لانفستكوم« أن تستفيد من ارتفاع سعر النفط ، وتزايد نشاط أسواق الأسهم في دول الشرق الأوسط ،وتدفق هائل للأموال على المنطقة.

الأمر الذي وفر التمويل لشركات عديدة، من بينها شركة »ماروك تليكوم« المغربية ومصرف البلاد السعودي.، وبالتالي، لم تكن شركة »انفستكوم«، المسجلة في لوكسمبورغ وحيدة في التطلع إلى أسواق الأسهم العربية. فثمة شركات أخرى تسعى إلى طرح إصدارات عامة أولية.

وفي وقت سابق على إطلاق بورصة دبي العالمية في 26 سبتمبر الماضي، أعلنت الشركة اعتزامها الطرح المزدوج لشهادات إيداع دولية، على أن يتم طرح إحداهما في بورصة لندن.

وتردد في حينها تقديرات بأن الشركة ستطرح في بورصة لندن الدولية شهادات إيداع دولية بقيمة 750 مليون دولار مما سيؤدي إلى رفع القيمة السوقية للشركة إلى 3 مليارات دولار .

ولم ينف ميقاتي هذه التقديرات، ولكنه لم يؤكدها في الوقت ذاته، واكتفى بالقول أن الشركة تتمتع بجاذبية لدى المستثمرين في لندن، وإنها تتطلع إلى الطرح المزدوج لشهادات إيداع دولية في كل من بورصة لندن وبورصة دبي العالمية.

حيث يتركز هدف الشركة على إتاحة أوراق مالية قابلة للتسييل للمستثمرين على صعيد منطقة الخليج والشرق الأوسط، فضلا عن الصعيد الدولي. وأعرب عن اعتقاده بأن قيد هذه الشهادات في بورصتي دبي الولية ولندن، من شأنه أن يلبي هذا الهدف. وأوضح أن الشركة تلقت العديد من العروض، قبل أن تقرر الذهاب إلى هاتين الوجهتين.

تعبئة التمويل

واستهلت الشركة خطواتها لتعبئة التمويل اللازم لخطط توسعتها بطرح شهادات إيداع دولية في بورصة لندن، حيث أعلنت في سبتمبر 2005 أنها تخطط لجمع 741 مليون دولار تمثل الحد الأقصى للتوقعات من إصدار عام أولي لأسهمها في لندن.

وقالت أنها باعت 60 مليون شهادة إيداع دولية تمثل 22.6 في المئة من أسهم الشركة بسعر 35‚12 دولاراً للسهم، وهو ما يجعل إجمالي القيمة السوقية للشركة تبلغ 3‚3 مليارات دولار، وأعلنت أنها قد تبيع حصة أخرى تمثل خمسة في المئة لتلبية أي طلب إضافي.

وتمثل شهادة الإيداع الدولية الواحدة خمسة أسهم عادية في انفستكوم ـــ بسعر يتراوح بين 35‚10 و35‚12 دولاراً للسهم، وقالت الشركة أنها باعت 60 مليون شهادة إيداع دولية تمثل 22.6 في المئة من أسهم الشركة بسعر 12.35 دولاراً للسهم.

وتم تعيين مصرف سيتي غروب Citigroup المنسق العالمي الحصري لعملية الطرح،على أن يشارك مع مصرف HSBC ليكونا المديرين الضامنين للطرح.

وقد قفزت أسهم مجموعة الاتصالات الشرق أوسطية انفستكوم بنسبة 15 في المئة في أول أيام تداولها في لندن بعد الإصدار العام الأولى الذي جمعت الشركة من خلاله 741 مليون دولار تمثل الحد الأقصى للتوقعات من إصدار عام أولي لأسهمها في لندن، إذ ارتفع سعر السهم 15.5 في المئة إلى 14.26 دولاراً للسهم.

وعلى الطرف الثاني من جرده الحسابات والتي حفزت الشركة على خوض تحدي الريادة بأن تكون البورصة الأولى التي تطلب قيد أسهمها في بورصة، يبرز تمرس الشركة في ارتياد مجالات الأعمال الجديدة، فهي على حد قول القائمين عليها تتطلع إلى الأسواق الصاعدة والجديدة التي لم تشهد تطورا في مجال الاتصالات.

وعليه، فأن الشركة تمكنت من التواجد في عدد من الدول الأفريقية كغينيا وغانا، كما إنها تتطلع عن كثب للعراق حيث تتوقع بعض شركات الاتصالات نموا بنسبة 400 في المئة خلال العامين الجاري والقادم.

وذلك في ضوء ما أعلنته الحكومة العراقية من أنها تعتزم إصدار رخصة تشغيل شبكة للتليفون المحمول. إلى جانب، نجاح الشركة في الفوز بعقود في أفغانستان وغينيا.

وهكذا، فإن الشركة تعتمد في عملياتها على إدارة المخاطر، وإجراء الحسابات الدقيقة بشأن العوائد المتوقعة والتكاليف المحتملة، وبالتالي، فأن وقوع خيارها على أن تكون في مقدمة الشركات التي تقيد أسهمها في البورصة.

يعتبر محصلة طبيعية لخبراتها في ارتياد مجالات الأعمال الجديدة، ويعد في التوقيت نفسه انعكاساً لإدراك الشركة بأن البورصة تمتلك المقومات الطبيعية والأساسية للنجاح.