إحدى النتائج المتوقعة لإدارة الحكم، الشفافية والمسؤولية، في ظل حكم القانون وجود إدارة مالية فاعلة للاقتصاد الوطني، ولكن الإدارة المالية هي أيضاً مكون أساسي من مكونات إدارة الحكم، وتوضع السياسات الاقتصادية المثلى بحيث تتجاوب قدر الإمكان مع المجتمع المدني فيما تعمل على تشجيع الأسواق الحرة والتنافسية التي تزدهر في ظلها القوى الإنتاجية للقطاع الخاص.

ان اللوائح والسياسات الاقتصادية الكلية السليمة أشبه ما تكون برقاص توازن لساعة كبيرة يربط بانسجام الدولة بالقطاع الخاص وبالمجتمع المدني. وعلى الرغم من ان معظم الدول العربية تعهدات قاطعة بإجراء إصلاحات اقتصادية مصممة لتحرير أسواقها من التضييق المالي ومن أشكال عدم الكفاءة الأخرى،

بينما تحافظ على المكاسب الصناعية والاجتماعية التي حققتها في الستينات والسبعينات عندما كانت المساعدات الخارجية والإيرادات النفطية وغيرها من مصادر رأس المال متوافرة بشكل أكبر مما هي عليه الآن، لكن لا تزال هناك مشكلات كبيرة تتعلق بالطريقة التي تقدم بها المناقصات الحكومية والتعامل مع بؤر الفساد.

وكانت العديد من الدول العربية قد وقعت تحت ديون ثقيلة في السبعينات والثمانينات وقد انخفضت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول العربية، بينما ظل عبئاً ثقيلاً على بعضها.

وتعتبر المصارف التي تمنح ائتمانات هي المستثمر الرئيسي في الدول العربية لأن المؤسسات الاقتصادية تميل للاعتماد على الائتمان أكثر من اعتمادها على رأس المال الخاص وعلى أسواق الأوراق المالية. كما ان القطاعات المصرفية السليمة تجتذب المستثمرين الخارجيين،

وتتحكم البنوك المركزية، التي تحظى بدرجات متفاوتة من الاستقلال الذاتي عن وزارات المالية وعن السلطات التنفيذية العليا، بالسياسة النقدية وبالتالي فهي تدير الاقتصادات الكلية لدولها، وأحد المؤشرات الإيجابية على أداء هذه البنوك الذي تعرضه كل دراسة قطرية هو معدل التضخم. ففي أنحاء المنطقة، مع استثناءات قليلة، ظلت معدلات التضخم السائدة منخفضة مقارنة بأنحاء أخرى من العالم، وهي تتراجع يوماً بعد يوم.

وتشرف البنوك المركزية أيضاً على البنوك التجارية في دولها، وبالإضافة إلى البنوك التجارية التي تقدم خدمات كاملة، يشمل النظام المالي للدولة عدداً من البنوك المتخصصة في قطاعات معينة كالزراعة والسياحة، ويشمل مؤسسات مالية أخرى مكرّسة للاستثمار، وقد تكون ملكية البنوك التجارية عائدة لحكومات عربية أخرى أو لمستثمرين أجانب أو محليين، وتتجه البنوك العالمية والعربية إلى زيادة حصصها من الأسواق في العديد من الدول العربية،

الأمر الذي يعكس انفتاح النظم المالية في هذه الدول، وتزداد أيضاً أعداد المؤسسات المالية الخاصة التي تعمل في النطاق الوطني، ومن أبرزها البنوك الإسلامية، وقد حولت هذه البنوك الممارسات الإسلامية التجارية القديمة إلى أدوات مالية جديدة لإدارة المعاملات المالية المتحررة من الفوائد الموجودة في النظم المالية الغربية التقليدية.

وتساعد أسواق رأس المال، بما فيها أسواق الأوراق المالية المحلية في معظم الدول العربية، على توليد الاستثمار والنمو الاقتصادي، وبينما شجعت معظم الدول موضع الدراسة تطوير أسواق الأوراق المالية أو ما يوازيها، فهناك اختلافات كبيرة في عدد الشركات المسجلة في هذه الأسواق التبادلية وفي حيوية هذه الأسواق، وبدرجات مختلفة، استخدمت الحكومات بورصات الأوراق المالية لبيع الأسهم التي تملكها الدولة في المؤسسات للمستثمرين الخاصين، مع ان معظم الخصخصة اتخذت شكل البيع المباشر أو توزيع الأسهم على الموظفين.

واهتمت المؤسسات الدولية بالفساد، وفي مقدمتها البنك الدولي الذي وضع تدابير مكافحة الفساد على قمة جدول أعماله، وأنشأ لهذا الغرض «مؤسسة الشفافية الدولية»، وهي مؤسسة لا تسعى إلى الربح ومقرها برلين، وتعمل على مكافحة الفساد في مجال أنشطة الأعمال، ولها فروع في العديد من دول العالم،

وقد وضعت هذه المؤسسة مفهوماً جديداً يطلق عليه «جزر النزاهة»، وهو عبارة عن ميثاق لمكافحة الرشوة في عقود الصفقات العامة الكبيرة، وبناءً على هذا الميثاق يلتزم كل الأطراف في عقد الصفقة، سواء رجال الأعمال أو المسؤولين الحكوميين بعدم الحصول على أي شكل من أشكال التسهيلات أو الرشوة أو عرضها في مجال العقد،

وإذا خالف أي طرف هذا الميثاق يتمّ وضعه على القائمة السوداء للأنشطة التي تتسم بالفساد، ويتم استبعاده من الحصول على أي عقود مستقبلية، وفي السنوات الأخيرة، أصبح هناك دور متنام للمؤسسات المالية الدولية التي تقوم بتمويل المشاريع الكبرى في العالم، أو التي تقوم بتقديم مساعدات للدول النامية،

حيث بدأت في وضع معايير تضمن استخدام ما تقدمه من أموال ومعونات في الأغراض المحددة لها، وألا تستخدم في إبرام صفقات بين موردين أو مقاولين يتسمون بالفساد ومسؤولين حكوميين، كذلك قامت بعض الحكومات ومنها الولايات المتحدة الأميركية بوضع تشريع لتشجيع ومكافأة من يقومون بالإبلاغ عن رؤسائهم عندما يحققون أرباحاً غير مشروعة باستغلال مناصبهم الحكومية، ويسمونهم «من يطلقون الصفارة».

وأنشأت الهيئة مؤشراً دولياً لقياس الفساد ـ تعده كل 5 سنوات ـ وهو يغطي 159 دولة في العالم، وتنحصر قيمة هذا المؤشر بين صفر و10 درجات، بمعنى ان الدولة إذا حصلت على تقدير 10 درجات فهذا يعني ان هذه الدولة نظيفة تماماً من عمليات الفساد، أما الدولة التي تحصل على تقدير صفر فهذا يعني ان جميع الأعمال والصفقات في هذه الدولة خاضعة للفساد والرشوة، وحتى الآن لم تحصل دولة في العالم على تقدير 10 أو تقدير صفر،

ولكن هناك دولاً اقتربت منهما، فعلى المستوى العالمي تعتبر ايسلندا أفضل دولة في العالم من حيث هذا المؤشر، بينما تأتي تشاد في المؤخرة. أما على مستوى الدول العربية.. فإن هذا المؤشر يوضِّح ان الفساد الإداري لا يزال يمثل مشكلة كبيرة في غالبية الدول العربية، وان الوضع لم يتحسن في كثير منها منذ عام 1985،

بل على العكس قد حدث تراجع في بعض الدول العربية. وحصل أكثر من ثلثي عدد البلاد التي شملها مؤشر استطلاع رأي مؤشر مدركات الفساد للعام 2005 على أقل من 5 نقاط على سلم مؤلف من 10 علامات للبلد الأقل فساداً، الأمر الذي دل على وجود مستويات خطيرة من الفساد في معظم البلدان المشمولة في الاستطلاع.

واعتمد مؤشر عام 2005 على 16 استطلاعاً ومسحاً قام بها 10 مؤسسات مستقلة، واشترطت «الشفافية الدولية» تكون المعلومات جديرة بالاستعمال ان تتميز بأرفع مستويات الجودة وان تكون موقعة توقيعاً جيداً، وان تكون وفيرة بحيث يمكن التعويل عليها.

وحصلت «الشفافية الدولية» مجاناً على المعلومات المستعملة في المؤشر، وعلى أساس سرية المصدر، ومن المؤسسات التي قدمت معلومات لمؤشر العام 2005 جامعة كولومبيا، فرع الاستطلاع في مجلة «الايكونومست»، ودار الحرية، ومنظمة المعلومات الدولية، والمعهد الدولي للتنمية الإدارية، وجماعة التجارة الدولية، ومستشارية المحاضر السياسية والاقتصادية، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، والمنتدى الاقتصادي العالمي، ومركز أبحاث الأسواق العالمي.

وتضمن المؤشر في السابق استطلاعات الرأي العام، وحين اسقطت تلك الاستطلاعات منه لأنها كانت تعود إلى أكثر من ثلاث سنوات، قررت «الشفافية الدولية» التركيز حصراً على آراء الاختصاصيين في موضوع الفساد. أما السبب فهو ان الاستقصاءات لا تميز بين أنواع الفساد لذا ارتؤي ان الخبراء أكفأ من الرأي العام العريض، الرأي الدقيق بالفساد الكبير، لكونه من المفترض ان يكون الرأي العام أكثر إدراكاً لأعباء الفساد الصغير داخل البلاد.

يهم «الشفافية الدولية» الوقوف على تقويمات الرأي العام لمستويات الفساد ـ وخصوصاً لاعتبار التقويم مسباراً للتقدم في مكافحة الفساد، ومن أجل ذلك طورت أداتها الخاصة، وهي المقياس (بارومتر) العالمي للفساد بغية تقويم الشعور الشعبي تجاه الفساد وممارسته لها.

وتتولى لجنة توجيهية مؤلفة من كبار الخبراء الدوليين في مجالات مكافحة الفساد والإحصاء وعلم القياس الاقتصادي مراجعة المنهجية المستخدمة لمؤشر مدركات الفساد وتقديم مقترحات من أجل تحسين عملية احتسابه فيما تعنى الكوادر الإدارية في منظمة الشفافية الدولية باتخاذ القرارات النهائية حول المنهجية المستخدمة