في تاريخ الأمم والشعوب تُخلّد بعض الأسماء، وتصبح رموزاً ومراجع، على الرغم من أن هؤلاء لم يتعلموا، ولم يُؤهلوا أكاديمياً، انهم موهبون بالولادة والفطرة، هكذا عرفنا شعراء المعلقات مثلاً.

في عالم الغناء والموسيقى نجد العديد من العمالقة الذين تركوا بصماتهم بعد رحيلهم، وهم أيضاً لم يتعلموا في معهد أو أكاديمية تخصصية، ولا أريد أن أعدد من أذكرهم فهم كثر، غير أني، هنا، أريد أن أذكر منهم الفنان العراقي الراحل حضيري أبو عزيز،

صاحب المدرسة المتفردة في الغناء والموال والابوذية، حتى أن أسلوبه اعتبر مدرسة وأطلق عليه «طور حضيري أبو عزيز». كان عبقرياً في فنه، ولد فناناً بالفطرة، لم يتعلم في مدرسة نظامية. عمل شرطياً وأعمالاً أخرى وانتهى صاحب مقهى في بغداد عرفت باسمه.

حضيري كان له لقاء أسبوعي مع جمهوره، عبر إذاعة بغداد، وببث مباشر صباح كل يوم جمعة، وأذكر، وأنا رجل مخضرم، أن الحياة كانت تتوقف تقريباً خلال الساعة التي يغني بها أبو عزيز، النسوة يتركن المطابخ ويحتضنّ المذياع. وحضيري لا يكتب النوتة، يرتجل أحياناً كلمات أغانيه وألحانه،

لقد كان فعلاً معجزة زمانه، ولم يكن ينافسه على الأغنية الشعبية والمواويل والابوذية إلا الفنان الكبير والراحل داخل حسن، هذه القامة الكبيرة في عالم الغناء، هو الآخر كون لصوته ولأدائه شخصية متميزة، وله مدرسته التي سميت باسمه «طور داخل حسن» وطوره، أي أسلوبه، وطريقته مغايرة تماماً عن طريقة حضيري أبو عزيز، وتختلف في الأداء، واللحن، والاختيارات.

الابوذية هي مواويل، لكنها تمتلك قدراً كبيراً من الحزن، يقال ان اسمها الحقيقي «أبو الاذية» وقد دمجت الحروف لتصبح «أبوذية».ومن الطريف أن داخل حسن كان يتردد على تلفزيون بغداد لتسجيل أغانيه، وكان أعضاء جهاز الأمن المسؤولون عن بوابة التلفزيون يعرفون داخل حسن

وبذلك يسمحون له بالدخول من دون إبراز هويته كما كانوا يفعلون مع بقية الموظفين والزوار، ولكثرة اعجاب الناس بداخل حسن، فقد طبعت صورته في أذهانهم متزامنة مع صوته المتميز النافد إلى أعماق القلوب، المترسخ في ذهنية وضمير المتلقي، وقد تكاملت شخصيته الغنائية بشكله الخارجي، بملابسه،

وبكل تفاصيل شكله، وقد اعتاد أن يرتدي اللباس العربي «صايه، ودكلة، وعباءة وبر بُنيّه، عقال وكوفية»، ويمسك بيده مسبحة يسر، يحركها بين راحتيه كلما بدأ يغني وحتى نهاية فقرات أغنياته ومواويله وأبوذياته.

ورجال أمن بوابة التلفزيون يحفظون هذه التفاصيل، حتى أصبحت هويته وجواز مروره كل صباح، حينما يأتي للتسجيل أو لعمل أو لزيارة، وما كان رجال الأمن يطالبونه بهوية أو إثبات شخصية، فالشخصية راسخة عندهم كما هي راسخة عند الذين يعشقون داخل حسن وأغانيه وأبو ذياته.

ذات يوم غيّر داخل حسن ملابسه العربية بالملابس الغربية، يعني (نيو لوك)، وارتدى بدلة حديثة مكونة من جاكيت وبنطال وربطة عنق، وجاء كعادته ليدخل مبنى التلفزيون، فمنعه رجال الأمن، واستغرب «أبو كاظم» وسألهم عن السبب:

ـ قالوا: من أنت؟!

ضحك داخل ورد عليهم ـ بويه أنا داخل حسن!

وغضب رجل الأمن من إجابته، واعتبره منتحلاً شخصية أخرى، وتعقدت الأمور في بوابة تلفزيون بغداد، وكاد رجال الأمن أن يقبضوا على داخل حسن، غير أن بديهية أبو كاظم جعلته يسارع بإخراج مسبحته اليسر من جيبه ويبدأ بالغناء، وهنا أدرك رجال الأمن أن الشخص هو فعلاً داخل حسن، وأن ملابسه فقط التي تغيرت.

إن الاشكالية التي تركها داخل حسن وحضيري أبو عزيز بعد أن رحلا عن عالمنا، أن الأجيال التي تلت من المطربين الشعبيين لم تستطع الخروج من خيمتها، وجميعهم قلدوا واحداً من أسلوبين، «طور حضيري، أو طور داخل حسن»، لأنهما يشكلان الأصالة والجذور والرسوخ والابداع، ولم يستطع على حد علمي ومعرفتي أحد من الجيل الذي جاء بعدهما أن يبتكر طوراً أي أسلوباً متميزاً كما كان لكل من الراحلين المبدعين.

إن التراث الغنائي الذي تركه هذان المبدعان سيظل حياً على مرور الزمن، وسيبقى داخل حسن ملك الأبوذية، وأسطورة في تاريخ الغناء العراقي، أما حضيري أبو عزيز، فهو الآخر تربع على عرش الأغنية الشعبية ومازال رغم رحيله، وكان النجم الذي لم يأفل أبداً، ولابد من الإشارة هنا إلى أن العديد من الفنانين المعاصرين أخذوا من ألحان حضيري دون الإشارة إليه ولو من بعيد احتراماً لماضيه واعترافاً بإبداعه.

عبدالإله عبدالقادر