تعد السيرة الذاتية لوناً من ألوان الكتابة الدرامية أو الأدبية بالأساس، وهي كتابة تطرح سرداً قصة حياة شخص ما في مكان ما وفي ظرف تاريخي ما، بحيث يستطيع المتلقي الإلمام بأبعاد هذه الشخصية أو تلك من منظورها التاريخي أولا، ثم التعرف على مجمل أو أهم ما يميزها أو يعيبها،
وكذا الوقوف على مبادئها وأهم المحطات التي جعلت منها تلك الشخصية التي خلدها الزمن بدليل كتابة سيرة عنها، يعتبر عباس محمود العقاد، وعلي أحمد باكثير وجورجي زيدان ومحمد فريد أبو حديد الأشهر في تناول قصص حياة بعض الشخصيات عن طريق العبقريات أو المملوك الشارد أو قطر الندى أو عنترة بن شداد، وفي الآونة الأخيرة، منذ ما يزيد على ثلاثة عقود.
اتجه كتاب الدراما بحثًا وتنقيبًا عن الشخصيات المهمة، سواء كانت دينية أو وطنية أو تاريخية بشكل عام في محاولة لتقديمها للجمهور المصري والعربي خاصة عبر المسلسلات الرمضانية إذا ما اقتربنا زمنياً سنجد أن الكاميرا تتجه صوب «أم كلثوم، عبد الحليم حافظ، أحمد سالم، صفية زغلول، أحمد رامي، طه حسين، العقاد، قاسم أمين» وكلها أسماء لمجموعة من المسلسلات والأفلام التي تم أو يتم إنتاجها عن السيرة الذاتية،
وبخلاف هذه الأسماء هناك العديد غيرها من نجوم الفن والأدب والسياسة تم ترشيح أصحابها على الشاشة، حتى أوشك الأمر أن يصبح ظاهرة يتسابق فيها المخرجون والمنتجون، وحتى لا يتحول الأمر إلى هوجة لابد أن نتوقف لنتساءل عن مواصفات كاتب السيرة وما هي الأسس التي يعتمد عليها في كتابتها؟ وما هي العقبات التي تواجهه أثناء ذلك؟
الكاتب الكبير «محفوظ عبد الرحمن» كان له أكثر من تجربة في دراما السيرة الذاتية يقول: تجربتي مع «أم كلثوم» ومن قبلها جمال عبد الناصر في فيلم «ناصر 56» أعتبرها تجربة شائكة، لأنها داخل منطقة الشخصيات المعاصرة، وهى منطقة شديدة الوعورة لأن بها العديد من الشهود الذين شاركوا في حياة الشخصية سواء من قريب أو بعيد،
كما أن الورثة يتعاملون مع حياة الشخصية العامة كأنها ملك لهم مثل المال، ويتناسون أن الشخصية العامة ملك للأمة بأسرها، ومن حق أى إنسان أن يكتب عنها ويقدمها من خلال وجهة نظره، وهناك صعوبة أخرى أيضاً واجهتها بوضوح في «أم كلثوم» وهي ثراء حياة هذه السيدة العظيمة بالشخصيات التي أثرت فيهم واثروا فيها بدرجات متفاوتة،
ولأن العمل الفني محدد بوقت وتكاليف وإطار معين، كان لابد أن أختار بعضاً من هذه الشخصيات وأقدمها من خلال الأحداث، وراعيت أن أتعامل معها كالأبطال كما لو كنت أكتب عنهم أساساً، حتى لو كانت الشخصية ستظهر في مشهد واحد فقط، وعموماً كتابة السيرة الذاتية للشخصيات العامة تعد مثل السير على الحبل لابد أن يكون الكاتب يقظاً طوال الوقت، ويدقق في كل كلمة يكتبها وكل موقف يتعرض له حتى لا يقع ضحية للشائعات وتتوه عنه الحقائق.
؟ وجهة نظر
أما المخرج محمد فاضل فيقول: الفن ليس مجرد نقل دقيق للأحداث بقدر ما هو وجهة نظر إبداعية تختلف من فنان إلى آخر حسب تأثره بالحدث، وعندما قدمت فيلم أم كلثوم كانت لدى قناعة بأنها تستحق مئات الأعمال، وقضيت 15 عاماً كاملة أجمع المعلومات والوثائق والدراسات، إلى أن حددت وجهة النظر التي يمكنني أن أطرحها في العمل، وحددت الفترة الزمنية التي سأتناولها وكانت ما بين عامى 1944 و 1975 وتمثل مرحلة النضج في حياتها الفنية،
ولا يقتصر تناول الشخصية على كونها مطربة عظيمة لأن هذا الوجه يعرفه الكثيرون، ولكنني أتطرق إلي الجوانب الإنسانية في حياتها التي يجهلها الكثيرون، لأن الهدف من السيرة الذاتية ليس تقديم عمل تاريخي تسجيلي بقدر ما هو عمل إنساني ملحمي، وعن رأيه في كتابة السيرة الذاتية يقول الكاتب أبو العلا السلامونى: العمل الدرامى الذي يتناول سيرة ذاتية لشخصية عامة يجب أن يهتم بتقديم الجديد عن هذه الشخصية،
من خلال إلقاء الضوء على جوانب خافية عن الناس في حياتها، ولذلك عندما قررت مع المخرج الراحل حسام الدين مصطفى تقديم قصة حياة القائد العربي صلاح الدين الأيوبي في مسلسل «نسر الشرق»، اعتمدنا على توضيح جوانب حياة صلاح الدين المعيشية والعاطفية، والعوامل التي صنعت منه بطلاً عظيماً منذ شبابه وحتى وفاته،
مع إلقاء الضوء على جوانب كثيرة في هذه الفترة لم يتم التعرض لها من قبل مثل الحروب التي دارت بين أسرة صلاح الدين والصليبيين في سوريا والعراق، وأيضاً في بر مصر، وبناء على هذا نجد أن هناك أكثر من عمل درامي يتناول شخصية واحدة من دون أن يكون هناك تعارض بينها.
وإلى المخرجة أنعام محمد علي التي تقول: «كتابة السيرة الذاتية للمشاهير والشخصيات العامة، أمر ليس بالسهل بالنسبة للكاتب أو المخرج، لكن الإشكاليات تنشأ من مشكلات ورثة هؤلاء المشاهير والنجوم التي تقف حائلاً دون تعريف أجيالنا الجديدة بتاريخ وعطاء هذه القمم، إن نجومنا الكبار ليسوا ملكاً لأحد،
فعلى سبيل المثال فقد علمت أن ورثة أسمهان رفضوا إنتاج أكثر من فيلم خاص عنها، كما رفضوا وجودها في فيلم «كوكب الشرق» الذي أخرجه محمد فاضل، والغريب في أمر هؤلاء الورثة الذين يحتجون على تقديم شخصيات أقاربهم على الشاشة أنهم يرفضون كل المحاولات لإقناعهم، ويصعدون أمر احتجاجهم إلى القيادات السياسية،
فيحول ذلك دون تقديم الشخصيات بمصداقية واكتمال، وهذا يدفعنا للتساؤل: هل من حق الورثة أن يحجروا على هذه الشخصية أو تلك، وكأنها ملك خاص لهم أم أن هذا النوع من الشخصيات له صفة العمومية باعتباره جزءاً من الذاكرة والتاريخ والوجدان العام؟
القاهرة ـ البيان
خدمة (وكالة الصحافة العربية)
